عبدالله سلطان الحريري
12-23-08, 07:05 PM
http://farm4.static.flickr.com/3050/2458335233_a0a87696b1_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
تشومسكي عن الاقتصاد والسياسة: هل يستمر الانهيار الأميركي في ظل أوباما؟ --------------------------------------------------------------------------------
ثمة علاقة طردية بين توجه العالم نحو التعددية القطبية، وفقدان الولايات المتحدة نفوذها الأحادي على العالم. هي معادلة لم يخترعها المفكر اليساري نعوم تشومسكي، بقدر ما هو مؤمن بها، ويتوقع لها أن تبقى قائمة، حتى في ظل ولاية الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما.
يشرح تشومسكي ، في حديث مطوّل أجراه معه الأستاذ الجامعي اللبناني الأميركي عساف كفوري ، مشوار الولايات المتحدة نحو القمة ، ثم بدء انهيارها ، ليضع في هذا المشوار مفصلاً أساسياً ، يتمثل في تحوّل »حديقة الولايات المتحدة الخلفية« أي أميركا اللاتينية نحو اليسار ، أو ما يسمى بالمد الزهري.
ويقول تشومسكي : إن الولايات المتحدة عرفت قمة نجاحاتها في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تملك، حرفياً، نصف ثروات العالم، وقدرة عسكرية فائقة. ومع حلول العام ،١٩٧٠ كانت قد خسرت نصف هذه الثروة العالمية، لكنها حافظت مذ ذاك على هذا الوضع. ولكن النفوذ الأميركي بدأ يتضاءل. وما أميركا اللاتينية سوى دليل قاطع على ذلك.
فللمرة الأولى منذ ٥٠٠ عام، أي منذ الاستعمار الأوروبي، بدأت أميركا الجنوبية تخطو جدياً نحو الاندماج في ما بينها، والاستقلالية عن الولايات المتحدة، موجهة أنظارها نحو الصين خصوصاً وأماكن أخرى عموماً. هي مسألة جدية بالنسبة للمخططين الأميركيين. نذكر هنا، على سبيل المثال، تحذير الرئيس السابق ريتشارد نيكسون، عندما كان يناقش أهمية تدمير الديموقراطية التشيلية في العام ،١٩٧١ من أنه »في حال عجزت الولايات المتحدة عن السيطرة على أميركا اللاتينية، فهي لا يمكنها أن تتوقع إقامة نظام ناجح في أي مكان آخر في العالم«، أي للسيطرة على بقية العالم. والسنوات الأخيرة أثبتت أن الهيمنة على اميركا اللاتينية لم تعد امرا سهلاً على الإطلاق.
ومن المهم معرفة أن هذه الأهداف ولدت خلال الحرب العالمية الثانية. آنذاك، طوّرت مراكز الأبحاث في وزارة الخارجية ومجلس العلاقات الخارجية خططاً تم تطبيقها لاحقاً، من أجل إقامة »منطقة كبرى« حيث يكون للولايات المتحدة »نفوذ كبير« يحل مكان بريطانيا وفرنسا، ويضمن »الحد من أي ممارسة للسيادة« من قبل الدول التي قد تتدخل في تصاميمها (واشنطن) العالمية.
ودعا المخططون إلى »سياسة موحدة لتحقيق التفوق العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة« في هذه »المنطقة الكبرى«، التي كانت ستضمّ على الأقل نصف الكرة الغربي، والامبراطورية البريطانية السابقة، والشرق الأقصى. مع تقدّم الحرب، بدا واضحاً أن القوة العسكرية السوفياتية كانت تسحق آلة الحرب النازية، وكان لزاماً إذاً أن تشمل »المنطقة الكبرى« منطقة اوراسيا أيضاً.
منذ ذلك الوقت، تغيّرت السياسات الأساسية في تكتيكاتها لكن ليس في مضمونها. ولا سبب يدعو إلى توقع أي تغيير في تلك الأهداف مع إدارة أميركية جديدة، رغم أن احتمالات تحقيقها باتت أقل، في ظل نظام كوني يميل نحو التعددية.
أما في ما يخص الشرق الأوسط، فلم تتبدل السياسة الأميركية كثيراً منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ أن أدركت واشنطن أن الإمدادات النفطية في الشرق الأوسط »تعتبر مصدراً مذهلاً للقوة الاستراتيجية«، وأنها »احدى أهم المواد الثمينة في تاريخ البشرية«، وهو أمر لا يزال صحيحاً.
كان مثيراً رؤية حتى وسائل الإعلام »الحكومية« تبدّل حديثها، عندما بات من الصعب الإصرار على صحة الذرائع التي ساقتها واشنطن لغزو العراق. بالحد المتاح لها، بدأت هذه الوسائل تعترف على الملأ بالأسباب الحقيقة وراء الغزو الأميركي للعراق.
من هنا، عندما دعا أوباما إلى تبديل وجهة التركيز العسكري من العراق إلى أفغانستان، سارع محررو »واشنطن بوست« إلى تصويب تصريحاته »الخاطئة«، لأن »أهمية أفغانستان الاستراتيجية لا تعتبر شيئاً يذكر أمام أهمية العراق، الذي يقع في المركز الجيوسياسي في الشرق الأوسط ويختزن بعض أكبر الاحتياطات النفطية في العالم«.
البروباغاندا بشأن أسلحة الدمار الشامل والديموقراطية تصبح عندئذ وسيلة جيدة من أجل الإبقاء على شعب »مستكين«.
ولكن على الحقائق أن تظل في البال، عندما يكون التخطيط الجدي على المحك!!
الديموقراطيون والجمهوريون، كل منهم، يقبلون بالمبدأ القائل بأن الولايات المتحدة دولة خارجة عن القانون، مؤهلة لخرق ميثاق الأمم المتحدة عندما تريد، سواء عبر التهديد باستعمال القوة ضد إيران (وهو خرق واضح للميثاق الدولي) أو عبر شن الاعتداءات (»الجريمة العالمية القصوى« بحسب الكلمات التي استخدمتها محكمة نورنبرغ). كما هم يقبلون بمبدأ أن للولايات المتحدة، وحدها، الحق بغزو دول أخرى تختارها، والاعتداء على أي دولة تدعم حركات المقاومة ضدها. هنا الشعار المثالي هو »الحرب على الإرهاب«.
وما الهجمات الإجرامية التي تشنها طائرات التجسس الأميركية في باكستان سوى مثال على ذلك. وما الغارة الأميركية الأخيرة على بلدة البوكمال السورية سوى مثال آخر على ذلك.
والقائمة تطول. كان محقاً أن يحذّر احدهم في لبنان من أن هذا الاعتداء على سوريا ليس سوى »مأثرة أخرى تضاف إلى تركة بوش الكريهة«، هي تركة لا يشي شيء بأنها ستتبدل، لا حيال العراق ولا إيران ولا أفغانستان ولا في القضية الفلسطينية الإسرائيلية ولا في أي مسألة مهمة أخرى تتعلق بالشرق الأوسط.
ويشكك تشومسكي بصحة تقارير تحدثت عن احتمال أن تضعف الأزمة الاقتصادية، الميل الأميركي نحو استخدام القوة، فالجيش الأميركي فائق في حجمه وقوته وتطوره تقنياً، والإنفاق العسكري الأميركي بالكاد يمكن مقارنته بالإنفاق العالمي مجتمعاً.
وقد يكون لافتاً أن نرى دولة صغيرة تابعة مثل إسرائيل تدّعي أن سلاحها الجوي وقواتها المسلّحة أوسع وأكثر تقدماً تقنياً من أي دولة تابعة لحلف شمال الأطلسي، باستثناء الولايات المتحدة، التي تعتبر الوحيدة في العالم التي تملك نظام قواعد عالمية وقوات بحرية وجوية يُسمح لها بشن أعمال عنيفة في أي مكان. كما أنها الوحيدة التي تطوّر قدرات لها في مجال التسلح الفضائي، رغم المعارضة القوية التي تبديها بقية دول العالم.
على المستوى الاقتصادي، ظل العالم، على مدى ثلاثين عاماً، ثلاثي الأقطاب، مع قوى متمركزة في أميركا الشمالية، وأوروبا وآسيا الشرقية.
ثم بدأ التنوع في الاقتصاد العالمي يشق طريقه، ومن المرجح أن تتسارع خطاه بسبب الأزمة المالية الحالية، من أن يكون ذلك مؤكداً.
للولايات المتحدة مميزات هائلة في المجال الاقتصادي، ولكنها أيضاً تعاني من ضعف جوهري، يتمثل على سبيل المثال، بالمديونية الحادة. كان بوسع أوروبا أن تصبح قوة مستقلة في العالم، ولكنها اختارت أن تُخضع نفسها لواشنطن.
وقبلت بطواعية استفزازات مفرطة، منها قرار كلينتون بتوسيع نطاق الناتو شرقاً، في خرق لوعود صارمة كانت إدارة جورج بوش الأب قد قدّمتها لغورباتشيف، لقاء قراره المذهل بالسماح لألمانيا موحدة بالانضمام إلى تحالف عسكري معادٍ . إحدى تبعات هذه سياسة التوسيع تلك، وقعت في القوقاز، فارضةً نفسها على الصفحات الأولى لمعظم الصحف العالمية.
في هذه الأثناء، استطاعت الدول الآسيوية تكديس احتياطات مالية ضخمة، لدرجة أن اليابان على سبيل المثال، رغم اقتصادها المتعثر، بدأت بشراء أصول أميركية أساسية. بالمبدأ، بوسع الصين واليابان تنويع عملاتهما، بعيداً عن الدولار.
قد تكون التأثيرات دراماتيكية، ولكن ذلك غير مرجح، أولاً بسبب اعتمادهما على الأسواق الأميركية، وثانياً، بسبب قوة الولايات المتحدة، التي لا تريدان مواجهتها.
ثمة حديث متنامٍ عن أن الهند والصين قد تصبحان القوى الأساسية في القرن المقبل. وما من شك بأنهما ستواصلان اكتساب نفوذ اقتصادي، ولكنهما تواجهان جملة من المشاكل الداخلية الهائلة، غير معلومة من الغرب. إحدى تلك المشاكل، مثلاً، تكمن في ما ذكره دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، حيث احتلت الصين المرتبة الحادية والثمانين فيما احتلت الهند المرتبة الثامنة والعشرين بعد المئة... وثمة الكثير بعد.
قلةّ هم من ربطوا بين الاقتصاد النيوليبرالي وتقلّص المساحة المتاحة للمشاركة الديموقراطية، حتى في صفوف المعلقين اليساريين. يقر تشومسكي أنه غالباً ما يتم تجاهل هذه العلاقة الترابطية، لكن ذلك لا يعني أنها واضحة وفائقة الأهمية.
ويشرح أنه بعد الحرب العالمية الثانية، أسس المنتصرون نظاماً اقتصادياً عالمياً، أسموه »بريتون وودز«.
مثل بريطانيا جون ماينارد كاينس، فيما مثل الولايات المتحدة هاري ديكستر وايت. بمقتضى هذا النظام، سُمح للحكومات بالتحكم بعملية سحب رؤوس الأموال، وهو مبدأ لا يزال قائماً في قواعد صندوق النقد الدولي، ولكن غالباً ما يتم تجاهله. كما تم تنظيم العملات في إطار قيود ضيقة. دوافع هذا النظام كانت مضاعفة.
اقتصادياً، اعتقد كاينس ووايت أن تلك الإجراءات ستنشط النمو الاقتصادي والتجارة. كما أدرك الرجلان، على الصعيد الاجتماعي ـ السياسي، أنه إذا لم تكن الحكومات قادرة على التحكم برأس المال، لكن يكون بمقدورها اتخاذ إجراءات اجتماعية ديموقراطية. هي إجراءات حظيت بدعم هائل شعبياً، وتم تهميشها بسبب الكساد الكبير والحرب المناهضة للفاشية (الحرب العالمية الثانية).
أساس الدافع الاجتماعي الاقتصادي كان صريحاً ومباشراً. حركة رأس المال الحر تؤسس لما أسماه الاقتصاديون الدوليون »البرلمان الافتراضي« للمستثمرين والمقرضين، الذين يقومون بـ»استفتاء آني« على سياسات الحكومة. بإمكان تلك »البرلمانات الافتراضية« »التصويت« ضد هذه السياسات إذا اعتبرتها غير عقلانية: أي لصالح الشعب، عوضاً عن كونها لصالح القوى الخاصة.
ورأى كاينس أن أبرز ما حققه »بريتون وودز« هو تأسيس حق الحكومات بتقييد حركة رأس المال، معتبراً أن المضربات »مدمرة«. وخير من شرح رؤية كاينس كان الاقتصادي الهندي برابهات باتنايك، عندما تحدث أمام مؤتمر للأمم المتحدة في ٣٠ تشرين الأول الماضي، عن الأزمة المالية العالمية. وقال حينها إن كاينس »حدد مكمن الخلل في نظام الأسواق الحرة، وهو في انعدام قدرته على التمييز بين المضاربة والمغامرة«، معتبراً أن »نزوات (المضاربين)، التي تتسبب بتأرجحات حادة في أسعار الأصول، تحدد أهمية الإنتاج الاستثماري، وبالتالي، المستوى الإجمالي للطلب والتوظيف ومردود الاقتصاد«، ما يجعل »حياة ملايين الأشخاص مرهونة بنزوات حفنة من المضاربين في ظل نظام السوق الحرة«.
وختم باتنايك أن استبدال »إدارة الطلب« الحكومي بـ»نظام الفقاعات« التي خلقها المضاربون هو السبب الأساسي للأزمة المالية الحالية، مؤيداً بذلك تحليل كاينس.
تجدر الإشارة إلى أنه مع تفكيك نظام بريتون وودز بدءا من السبعينيات، باتت الديموقراطية مقيدة. وكان لزاماً التحكم بالرأي العام بطريقة ما. وتبدو هذه الحقيقة بارزة في الدولة التي يديرها عالم الأعمال، وما مسألة إدارة الحملات الانتخابية من قبل شركات العلاقات العامة، من أجل ضمان تهميش الرأي العام على نحو فاعل، سوى مثال على ذلك.
وكما تفيد العديد من الدراسات، يقبع الحزبان السياسيان الرئيسيان على يمين الناس، في غالبية المسائل التي تهمهم، لذا من المهم أن يقوم مديرو الحملات في هذين الحزبين بتنحية هذه المسائل جانباً والتركيز على المسائل الشخصية كـ»القيم« والشخصية وهكذا دواليك. فما المغزى إذاً في اهتمام الرأي العام بخبر أفاد بأن مصفف الشعر الخاص بسارة بالين يقبض ضعف ما يقبضه مستشار جون ماكين للشؤون الخارجية؟
الشعب الأميركي لا يعي حقيقة تهميشه، رغم أنه لا يحب أن يتم تهميشه. ٨٠ في المئة من الأميركيين يشعرون بأن الحكومة تديرها »بضع مصالح كبيرة يعبأون لمصالحهم الخاصة« لا بمصالح الشعب. ويعارض ٩٥ في المئة منهم ألا تتجاوب الحكومة لرأيهم، كما يحصل واقعياً.
http://farm4.static.flickr.com/3129/2459170356_6fe53543e5_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
تشومسكي عن الاقتصاد والسياسة: هل يستمر الانهيار الأميركي في ظل أوباما؟ --------------------------------------------------------------------------------
ثمة علاقة طردية بين توجه العالم نحو التعددية القطبية، وفقدان الولايات المتحدة نفوذها الأحادي على العالم. هي معادلة لم يخترعها المفكر اليساري نعوم تشومسكي، بقدر ما هو مؤمن بها، ويتوقع لها أن تبقى قائمة، حتى في ظل ولاية الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما.
يشرح تشومسكي ، في حديث مطوّل أجراه معه الأستاذ الجامعي اللبناني الأميركي عساف كفوري ، مشوار الولايات المتحدة نحو القمة ، ثم بدء انهيارها ، ليضع في هذا المشوار مفصلاً أساسياً ، يتمثل في تحوّل »حديقة الولايات المتحدة الخلفية« أي أميركا اللاتينية نحو اليسار ، أو ما يسمى بالمد الزهري.
ويقول تشومسكي : إن الولايات المتحدة عرفت قمة نجاحاتها في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تملك، حرفياً، نصف ثروات العالم، وقدرة عسكرية فائقة. ومع حلول العام ،١٩٧٠ كانت قد خسرت نصف هذه الثروة العالمية، لكنها حافظت مذ ذاك على هذا الوضع. ولكن النفوذ الأميركي بدأ يتضاءل. وما أميركا اللاتينية سوى دليل قاطع على ذلك.
فللمرة الأولى منذ ٥٠٠ عام، أي منذ الاستعمار الأوروبي، بدأت أميركا الجنوبية تخطو جدياً نحو الاندماج في ما بينها، والاستقلالية عن الولايات المتحدة، موجهة أنظارها نحو الصين خصوصاً وأماكن أخرى عموماً. هي مسألة جدية بالنسبة للمخططين الأميركيين. نذكر هنا، على سبيل المثال، تحذير الرئيس السابق ريتشارد نيكسون، عندما كان يناقش أهمية تدمير الديموقراطية التشيلية في العام ،١٩٧١ من أنه »في حال عجزت الولايات المتحدة عن السيطرة على أميركا اللاتينية، فهي لا يمكنها أن تتوقع إقامة نظام ناجح في أي مكان آخر في العالم«، أي للسيطرة على بقية العالم. والسنوات الأخيرة أثبتت أن الهيمنة على اميركا اللاتينية لم تعد امرا سهلاً على الإطلاق.
ومن المهم معرفة أن هذه الأهداف ولدت خلال الحرب العالمية الثانية. آنذاك، طوّرت مراكز الأبحاث في وزارة الخارجية ومجلس العلاقات الخارجية خططاً تم تطبيقها لاحقاً، من أجل إقامة »منطقة كبرى« حيث يكون للولايات المتحدة »نفوذ كبير« يحل مكان بريطانيا وفرنسا، ويضمن »الحد من أي ممارسة للسيادة« من قبل الدول التي قد تتدخل في تصاميمها (واشنطن) العالمية.
ودعا المخططون إلى »سياسة موحدة لتحقيق التفوق العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة« في هذه »المنطقة الكبرى«، التي كانت ستضمّ على الأقل نصف الكرة الغربي، والامبراطورية البريطانية السابقة، والشرق الأقصى. مع تقدّم الحرب، بدا واضحاً أن القوة العسكرية السوفياتية كانت تسحق آلة الحرب النازية، وكان لزاماً إذاً أن تشمل »المنطقة الكبرى« منطقة اوراسيا أيضاً.
منذ ذلك الوقت، تغيّرت السياسات الأساسية في تكتيكاتها لكن ليس في مضمونها. ولا سبب يدعو إلى توقع أي تغيير في تلك الأهداف مع إدارة أميركية جديدة، رغم أن احتمالات تحقيقها باتت أقل، في ظل نظام كوني يميل نحو التعددية.
أما في ما يخص الشرق الأوسط، فلم تتبدل السياسة الأميركية كثيراً منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ أن أدركت واشنطن أن الإمدادات النفطية في الشرق الأوسط »تعتبر مصدراً مذهلاً للقوة الاستراتيجية«، وأنها »احدى أهم المواد الثمينة في تاريخ البشرية«، وهو أمر لا يزال صحيحاً.
كان مثيراً رؤية حتى وسائل الإعلام »الحكومية« تبدّل حديثها، عندما بات من الصعب الإصرار على صحة الذرائع التي ساقتها واشنطن لغزو العراق. بالحد المتاح لها، بدأت هذه الوسائل تعترف على الملأ بالأسباب الحقيقة وراء الغزو الأميركي للعراق.
من هنا، عندما دعا أوباما إلى تبديل وجهة التركيز العسكري من العراق إلى أفغانستان، سارع محررو »واشنطن بوست« إلى تصويب تصريحاته »الخاطئة«، لأن »أهمية أفغانستان الاستراتيجية لا تعتبر شيئاً يذكر أمام أهمية العراق، الذي يقع في المركز الجيوسياسي في الشرق الأوسط ويختزن بعض أكبر الاحتياطات النفطية في العالم«.
البروباغاندا بشأن أسلحة الدمار الشامل والديموقراطية تصبح عندئذ وسيلة جيدة من أجل الإبقاء على شعب »مستكين«.
ولكن على الحقائق أن تظل في البال، عندما يكون التخطيط الجدي على المحك!!
الديموقراطيون والجمهوريون، كل منهم، يقبلون بالمبدأ القائل بأن الولايات المتحدة دولة خارجة عن القانون، مؤهلة لخرق ميثاق الأمم المتحدة عندما تريد، سواء عبر التهديد باستعمال القوة ضد إيران (وهو خرق واضح للميثاق الدولي) أو عبر شن الاعتداءات (»الجريمة العالمية القصوى« بحسب الكلمات التي استخدمتها محكمة نورنبرغ). كما هم يقبلون بمبدأ أن للولايات المتحدة، وحدها، الحق بغزو دول أخرى تختارها، والاعتداء على أي دولة تدعم حركات المقاومة ضدها. هنا الشعار المثالي هو »الحرب على الإرهاب«.
وما الهجمات الإجرامية التي تشنها طائرات التجسس الأميركية في باكستان سوى مثال على ذلك. وما الغارة الأميركية الأخيرة على بلدة البوكمال السورية سوى مثال آخر على ذلك.
والقائمة تطول. كان محقاً أن يحذّر احدهم في لبنان من أن هذا الاعتداء على سوريا ليس سوى »مأثرة أخرى تضاف إلى تركة بوش الكريهة«، هي تركة لا يشي شيء بأنها ستتبدل، لا حيال العراق ولا إيران ولا أفغانستان ولا في القضية الفلسطينية الإسرائيلية ولا في أي مسألة مهمة أخرى تتعلق بالشرق الأوسط.
ويشكك تشومسكي بصحة تقارير تحدثت عن احتمال أن تضعف الأزمة الاقتصادية، الميل الأميركي نحو استخدام القوة، فالجيش الأميركي فائق في حجمه وقوته وتطوره تقنياً، والإنفاق العسكري الأميركي بالكاد يمكن مقارنته بالإنفاق العالمي مجتمعاً.
وقد يكون لافتاً أن نرى دولة صغيرة تابعة مثل إسرائيل تدّعي أن سلاحها الجوي وقواتها المسلّحة أوسع وأكثر تقدماً تقنياً من أي دولة تابعة لحلف شمال الأطلسي، باستثناء الولايات المتحدة، التي تعتبر الوحيدة في العالم التي تملك نظام قواعد عالمية وقوات بحرية وجوية يُسمح لها بشن أعمال عنيفة في أي مكان. كما أنها الوحيدة التي تطوّر قدرات لها في مجال التسلح الفضائي، رغم المعارضة القوية التي تبديها بقية دول العالم.
على المستوى الاقتصادي، ظل العالم، على مدى ثلاثين عاماً، ثلاثي الأقطاب، مع قوى متمركزة في أميركا الشمالية، وأوروبا وآسيا الشرقية.
ثم بدأ التنوع في الاقتصاد العالمي يشق طريقه، ومن المرجح أن تتسارع خطاه بسبب الأزمة المالية الحالية، من أن يكون ذلك مؤكداً.
للولايات المتحدة مميزات هائلة في المجال الاقتصادي، ولكنها أيضاً تعاني من ضعف جوهري، يتمثل على سبيل المثال، بالمديونية الحادة. كان بوسع أوروبا أن تصبح قوة مستقلة في العالم، ولكنها اختارت أن تُخضع نفسها لواشنطن.
وقبلت بطواعية استفزازات مفرطة، منها قرار كلينتون بتوسيع نطاق الناتو شرقاً، في خرق لوعود صارمة كانت إدارة جورج بوش الأب قد قدّمتها لغورباتشيف، لقاء قراره المذهل بالسماح لألمانيا موحدة بالانضمام إلى تحالف عسكري معادٍ . إحدى تبعات هذه سياسة التوسيع تلك، وقعت في القوقاز، فارضةً نفسها على الصفحات الأولى لمعظم الصحف العالمية.
في هذه الأثناء، استطاعت الدول الآسيوية تكديس احتياطات مالية ضخمة، لدرجة أن اليابان على سبيل المثال، رغم اقتصادها المتعثر، بدأت بشراء أصول أميركية أساسية. بالمبدأ، بوسع الصين واليابان تنويع عملاتهما، بعيداً عن الدولار.
قد تكون التأثيرات دراماتيكية، ولكن ذلك غير مرجح، أولاً بسبب اعتمادهما على الأسواق الأميركية، وثانياً، بسبب قوة الولايات المتحدة، التي لا تريدان مواجهتها.
ثمة حديث متنامٍ عن أن الهند والصين قد تصبحان القوى الأساسية في القرن المقبل. وما من شك بأنهما ستواصلان اكتساب نفوذ اقتصادي، ولكنهما تواجهان جملة من المشاكل الداخلية الهائلة، غير معلومة من الغرب. إحدى تلك المشاكل، مثلاً، تكمن في ما ذكره دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، حيث احتلت الصين المرتبة الحادية والثمانين فيما احتلت الهند المرتبة الثامنة والعشرين بعد المئة... وثمة الكثير بعد.
قلةّ هم من ربطوا بين الاقتصاد النيوليبرالي وتقلّص المساحة المتاحة للمشاركة الديموقراطية، حتى في صفوف المعلقين اليساريين. يقر تشومسكي أنه غالباً ما يتم تجاهل هذه العلاقة الترابطية، لكن ذلك لا يعني أنها واضحة وفائقة الأهمية.
ويشرح أنه بعد الحرب العالمية الثانية، أسس المنتصرون نظاماً اقتصادياً عالمياً، أسموه »بريتون وودز«.
مثل بريطانيا جون ماينارد كاينس، فيما مثل الولايات المتحدة هاري ديكستر وايت. بمقتضى هذا النظام، سُمح للحكومات بالتحكم بعملية سحب رؤوس الأموال، وهو مبدأ لا يزال قائماً في قواعد صندوق النقد الدولي، ولكن غالباً ما يتم تجاهله. كما تم تنظيم العملات في إطار قيود ضيقة. دوافع هذا النظام كانت مضاعفة.
اقتصادياً، اعتقد كاينس ووايت أن تلك الإجراءات ستنشط النمو الاقتصادي والتجارة. كما أدرك الرجلان، على الصعيد الاجتماعي ـ السياسي، أنه إذا لم تكن الحكومات قادرة على التحكم برأس المال، لكن يكون بمقدورها اتخاذ إجراءات اجتماعية ديموقراطية. هي إجراءات حظيت بدعم هائل شعبياً، وتم تهميشها بسبب الكساد الكبير والحرب المناهضة للفاشية (الحرب العالمية الثانية).
أساس الدافع الاجتماعي الاقتصادي كان صريحاً ومباشراً. حركة رأس المال الحر تؤسس لما أسماه الاقتصاديون الدوليون »البرلمان الافتراضي« للمستثمرين والمقرضين، الذين يقومون بـ»استفتاء آني« على سياسات الحكومة. بإمكان تلك »البرلمانات الافتراضية« »التصويت« ضد هذه السياسات إذا اعتبرتها غير عقلانية: أي لصالح الشعب، عوضاً عن كونها لصالح القوى الخاصة.
ورأى كاينس أن أبرز ما حققه »بريتون وودز« هو تأسيس حق الحكومات بتقييد حركة رأس المال، معتبراً أن المضربات »مدمرة«. وخير من شرح رؤية كاينس كان الاقتصادي الهندي برابهات باتنايك، عندما تحدث أمام مؤتمر للأمم المتحدة في ٣٠ تشرين الأول الماضي، عن الأزمة المالية العالمية. وقال حينها إن كاينس »حدد مكمن الخلل في نظام الأسواق الحرة، وهو في انعدام قدرته على التمييز بين المضاربة والمغامرة«، معتبراً أن »نزوات (المضاربين)، التي تتسبب بتأرجحات حادة في أسعار الأصول، تحدد أهمية الإنتاج الاستثماري، وبالتالي، المستوى الإجمالي للطلب والتوظيف ومردود الاقتصاد«، ما يجعل »حياة ملايين الأشخاص مرهونة بنزوات حفنة من المضاربين في ظل نظام السوق الحرة«.
وختم باتنايك أن استبدال »إدارة الطلب« الحكومي بـ»نظام الفقاعات« التي خلقها المضاربون هو السبب الأساسي للأزمة المالية الحالية، مؤيداً بذلك تحليل كاينس.
تجدر الإشارة إلى أنه مع تفكيك نظام بريتون وودز بدءا من السبعينيات، باتت الديموقراطية مقيدة. وكان لزاماً التحكم بالرأي العام بطريقة ما. وتبدو هذه الحقيقة بارزة في الدولة التي يديرها عالم الأعمال، وما مسألة إدارة الحملات الانتخابية من قبل شركات العلاقات العامة، من أجل ضمان تهميش الرأي العام على نحو فاعل، سوى مثال على ذلك.
وكما تفيد العديد من الدراسات، يقبع الحزبان السياسيان الرئيسيان على يمين الناس، في غالبية المسائل التي تهمهم، لذا من المهم أن يقوم مديرو الحملات في هذين الحزبين بتنحية هذه المسائل جانباً والتركيز على المسائل الشخصية كـ»القيم« والشخصية وهكذا دواليك. فما المغزى إذاً في اهتمام الرأي العام بخبر أفاد بأن مصفف الشعر الخاص بسارة بالين يقبض ضعف ما يقبضه مستشار جون ماكين للشؤون الخارجية؟
الشعب الأميركي لا يعي حقيقة تهميشه، رغم أنه لا يحب أن يتم تهميشه. ٨٠ في المئة من الأميركيين يشعرون بأن الحكومة تديرها »بضع مصالح كبيرة يعبأون لمصالحهم الخاصة« لا بمصالح الشعب. ويعارض ٩٥ في المئة منهم ألا تتجاوب الحكومة لرأيهم، كما يحصل واقعياً.
http://farm4.static.flickr.com/3129/2459170356_6fe53543e5_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)