مشاهدة النسخة كاملة : على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة


نبيل عودة
01-12-10, 11:04 PM
سليمان جبران في كتابه الجديد :

على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة

بقلم : نبيل عودة


يجري حول اللغة العربية حوار صاخب أحيانا ، بين العديد من المثقفين واللغويين ومختلف أصحاب الرأي . ويبدو ان هذا الحوار هو يميزالناطقين بلغة الضاد فقط ، إلا أن ذلك لا يشير الى اهمية غير عادية للغة الضاد ، بقدر ما يشير الى أزمة عميقة باتت تقلق المتعاملين مع اللغة ، وتتمثل في قصورها الفاضح في المجالات المختلفة ، وبالأساس المجالات العلمية والتقنية ، وأيضا في مجال الاستعمال الأدبي الإبداعي. وتبرز الأزمة بوزنها الكبير ، في هرب أصحاب اللغة من لغتهم الى لغات أجنبية للتعبير ، واشكاليات استيعاب الطلاب العرب للغتهم ، بل ونفورهم من اساليب تعليمها ومن التناقضات الكبيرة بين اللغة المحكية واللغة التي تسمى فصحى ، لدرجة أن تعريف الفصحى بات يشكل موضوعا للخلاف ، نتيجة دخول اساليب تعبيرية واصطلاحات وجمل متعارف عليها ، لا يمكن ان تخترق أسوار الحواجز النحوية التي وضعها سيبويه قبل مئات السنين ، في مناخ ثقافي ولغوي مختلف، وبات غريبا عن مفرداتنا وعن صياغاتنا وعن متطلباتنا اللغوية في هذا العصر الذي يشهد نقلة نوعية عاصفة في العلوم والتقنيات ، وفي اللغات واستعمالاتها. الا لغتنا العربية مسجونة داخل كهف يقف على ابوابه حراس اللغة، ظنا منهم انهم يخدمون لغتهم ، ولا يستوعبون ان حراستهم تقود لغتنا الجميلة الى الموت السريري ، أو تحولها الى لغة لا يتجاوز عدد المتحدثين فيها عدد المتحدثين اليوم باللغة الآرامية في العالم !!
هذا الموضوع شغلني منذ سنوات ليس كلغوي ، بل كمثقف وكاتب يعيش نبض اللغة التي تشكل سلاحه التعبيري ، وأداته الهامة للتواصل ، الأمر الذي وضعني بمواجهة اشكاليات لغوية تعبيرية في الحديث او الكتابة عن مواضيع تكنلوجية وعلمية وفلسفية ، لم أجد لها صيغة عربية ، ووجدت في اللغة العبرية التي اتقنها بشكل جيد ، لا يرقى الى مستوى اتقاني للعربية بالطبع ، تعابير واصطلاحات سهلة واضحة ميسرة مفهومة ، وقابلة للاستعمال، بدون تعقيدات نحوية .
شغلني أيضا سؤال ما زال مطروحا: بأي لغة عربية نكتب ؟
الفصحى القديمة أضحت لغة لا مجال لاستعمالها وفهمها من الأكثرية المطلقة لمن يعرفون أنفسهم كعرب. الفصحى الجديدة السهلة ، او لغة الصحافة كما يسميها البعض ، أيضا غير ميسرة لأوساط واسعة جدا من العرب..بسبب انتشار الأمية الهائل الذي لا يقلق حراس اللغة بقدر قلقهم على مواصلة السجن القسري للغة في زنزانة نحو وضع لمناخ لغوي لم نعد نعيشه ، ومن المستحيل ان نعود اليه.
في كتاباتي دائما اتلقى نقدا لغويا حول استعمالاتي للغة. ومحاولات تصحيح لغتي ، وانا على قناعة تامة ان تمكني من التعبير بلغتي العربية ، متطور جدا ، ليس بسبب دراستي للغة ، بل نتيجة ممارستي وتجربتي الغنية قراءة وكتابة ، وأعترفت مرات عديدة اني لا أعرف قواعد اللغة، ولا اريد ان أعرف اكثر مما اعرفه اليوم ، واذا كان لا بد من إصلاح فلغتي هي لغة معيارية حديثة ، متطورة في تعابيرها ، وسهلة الفهم لأوساط واسعة ، وتحمل من جماليات التعبير والصياغة أكثر من كل نصوص المتقعرين ، الذين لا استطيع ان افهم نصوصهم أو أهضم ثقل دم لغتهم !!
ربما أطلت في مقدمتي ، ولكني اندفعت اليها بحماس إثر قراءتي لكتاب شدني بلغته الجميلة وشروحه المنفتحة الراقية ، حول إشكاليات لغتنا العربية صادر عن مجمع اللغة العربية في حيفا ، للبروفسور سليمان جبران ، الذي كان رئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب ، قبل اعتزاله العمل هناك. يحمل الكتاب عنوانا دالا : "على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة "، وافتتح سليمان جبران كتابه ببيتين من الشعرعن "الغيورين" على اللغة:
جاروا عليهــا زاعمين صلاحها في نبذ طارقهــا وفي تقييدهـــــا
لم يفقهوا ان اللغــات حياتهــــــا في بعث تالدها وفي ... تجديدها
وهناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى ( باحث مصري في اللغة والعلوم والفلسفة ) يقول فيها: " العربية في أزمة ، يجفوها أهلها ، ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها . ان العربية على فراش المرض ، تعاني من تضخم في القواعد والأصول ، وفقر في المصطلح ، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر . الداء واضح للعيان ، ولم يعد بالامكان اخفاؤه . فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة."
مقدمة الدكتور عادل مصطفى تستعرض اشكاليات اللغة ، التي يعالجها البروفسور سليمان جبران في كتابه ، وتتطابق أفكاره تماما مع طروحات وشروح سليمان جبران ، بحيث بدا لي متحمسا للكتاب وطرحه الذي يثبت ليس فقط معرفة سليمان جبران الكاملة باصول اللغة ونحوها ، انما معرفة موسوعية نادرة بكل ما مرت به اللغة العربية من تحولات وتطوير في القرن التاسع عشر ، خاصة منذ بدأ اللبناني فارس الشدياق : "رجل النهضة الأدبية الحديثة الأول " – كما وصفه مارون عبود ، وسائر النهضويين الرواد العرب أمثال المصري رافع الطهطاوي ، جهودهم العظيمة في احياء اللغة العربية التي قتلها التتريك والتخلف السائد في الأقطار العربية والذي كان لا بد ان ينعكس سلبا على واقع اللغة العربية. وللأسف، يبدو كأن الزمن توقف ، وما زلنا نحاور من نفس المنطلقات ، وما زلنا نلوك نفس الحجج ..
قلت اني لست لغويا ، ومع ذلك قرأت بحث سليمان جبران اللغوي بشوق كبير ، أولا بسبب لغته الجميلة واسلوبه التعبيري الواضع ، وقدرته على التعامل مع الإشكاليات اللغوية المختلفة بتحليل وتفسير واستنتاج ، مبني على المعرفة الموسوعية ، وهو أمر سحرني به سليمان جبران ، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة امام تطور مجتمعاتنا المدنية ، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه ، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم . اللغة أداة للتواصل لا بد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة والمجتمع ، وليس للقداسة فقط.
من المواضيع التي يطرحها الكتاب: " لغتنا العربية : لا هي عاجزة ولا معجزة، متى نؤلف نحوا حديثا للغتنا العربية ؟ ، دور الشدياق في تطوير اللغة العربية ، العامية والفصحى مرة أخرى، الترادف غنى ام ثرثرة ؟ ، تصحيح الصحيح ، تجليات التجديد والتقييد " .
تتميزلغة الكتاب بالاقتصاد في التعبير والابتعاد عن الفضفضة ، التي نواجهها في الكثير من النصوص. وكأني به الى جانب بحثه القيم يعطينا درسا ونموذجا في الصياغة الحديثة بدون فضفضة وترهل لا يضيف للمعنى شيئا ، وقناعته تقول اننا في عصر السرعة ولا يمكن الا ان نقتصد في الكلمات لنؤدي نفس المعنى.
ترددت في إيراد النماذج، لاني شعرت بأني سانقل كل الكتاب للقارئ ، وهذا غير ممكن .
وأعتقد ان انتباه معلمي اللغة العربية لهذا الكتاب ، في كل مستويات التعليم ، خاصة الثانوي والجامعي ، واستعمال المداخلات والنماذج التي يطرحا سليمان جبران ، سيحدث ردة فعل ايجابية تقرب اللغة العربية لأبناء هذه اللغة ، وتفتح امامهم آفاق لغوية جمالية تنعكس بشكل ايجابي على تقريب اللغة للطلاب العرب، وتقريب الطلاب العرب من لغتهم وقدراتها التعبيرية والجمالية ، مدركين ان الاشكاليات التي يهربون منها ، هي وليدة واقع مريض ، وليس نتيجة لغة عاجزة ومعقدة.

الكتاب : على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة
المؤلف : بروفسور سليمان جبران
اصدار : مجمع الللغة العربية – حيفا – 2009

صدر للبروفسور سليمان جبران:

- المبنى واللغة في شعر عبد الوهاب البياتي، دار الأسوار، عكا، 1998.
- كتاب الفارياق: مبناه وأسلوبه وسخريته، جامعة تل- أبيب، 1991. طبعة ثانية : دار قضايا فكرية، القاهرة، 1993.
- صلّ الفلا ، دراسة في سيرة الجواهري وشعره، جامعة حيفا، 1994. طبعة ثانية: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان وبيروت، 2003.
- نقدات أدبية، جامعة تل أبيب، 2006. طبعة ثانية : دار الفكر، عمان، 2007.
- نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، جامعة حيفا، 2006. طبعة ثانية : مكتبة مدبولي، القاهرة، 2007.
- صغار لكن... ، مجموعة قصائد للصغار، حيفا، 1996.
- مقالات أخرى كثيرة في النقد الأدبي واللغة.

نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة
nabiloudeh@gmail.com

أبو سلطان
01-13-10, 12:05 PM
وهناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى ( باحث مصري في اللغة والعلوم والفلسفة ) يقول فيها: " العربية في أزمة ، يجفوها أهلها ، ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها . ان العربية على فراش المرض ، تعاني من تضخم في القواعد والأصول ، وفقر في المصطلح ، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر . الداء واضح للعيان ، ولم يعد بالامكان اخفاؤه . فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة."


كلام في صميم المشكلة ولكن لاتزال اللغة العربية تزخر بالمصطلحات المواكبة لتطور العصر وكذلك اللغويين المتميزين والكتاب والباحثين في سبيل النهوض بها ... أستاذ نبيل كل الشكر لك أخي الكريم

علاء طه أحمد فرج
01-13-10, 01:04 PM
السادة الأفاضل/
بعد التحية
أتفق مع كل ما تفضل به الأستاذ / نبيل ، لكن تجدر الإشارة إلى الدور المهم و الخطير الذى يقع على عاتق الحكومات العربية لإنجاز هذا الهدف النبيل ألا و هو تطوير اللغة بصفة رسمية أكاديمية إلى جانب التطور الذاتى للعربية شأنها شأن اللغات المختلفة.
أنا كدارس للغة الإنجليزية و معلم لها أنظر بحسرة إلى الجهود المضنية التى يبذلها الإنجليز و سواهم من المتحدثين باللغة لتطويرها بل و نشرها فى كل بقاع المعمورة ، أتحسر على العجز المخجل لحكوماتنا و علمائنا فيما يخص لغتنا الجميلة ( ما زالت جميلة رغم عوادى الزمن و إهمال المهملين ) .
ألا نخجل من إكثار مؤلفينا من استخدام التعبيرات الأجنبية فى مؤلفاتهم و عدم فهم الكثير من القراء لتلك المصطلحات التى تشكل صعوبة شديدة على متوسطى التعليم بل و على أغلبية المتعلمين تعليما عاليا !!!!
و لنكن صرحاء ، فالحال في اللغة كالحال فى كل المناحى المختلفة فى حياتنا العربية يمضى من سيئ إلى أسوأ بسبب حكم الفرد أو العائلة ( الإستبداد ) سياسة و اقتصادا و علما و أدبا بل و أخلاقا.
لله الأمر من قبل و من بعد طالما بقيت الشعوب العربية مستكينة لاستبداد الحكام و أشياعهم من رجال الدين. و........ إنا لله و إنا إليه راجعون.

علاء طه فرج

خالد شاهين قاسمي
06-21-11, 12:15 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهُ

الأستاذ الكريم نبيل عودة

لعلَّنا نتفق في مناحٍ عَّدّةٍ فيما أدرجته هنا، ولعلَّنا نختلف في رؤيةٍ هنا وزاويةٍ هناك وهذا من الطبيعي في معادلة إثراء الفكرةِ والإحاطةِ بتوابعَ مخفيةٍ أو مُبهمة.

واسمح لي بأن أدلي بدلوي فيما تقدمت به في طرحك القيم – كوجهة نظرِ – بما توفرتْ لدي من أدوات تحليلٍ عسى أن تضيف بعضَ همٍّ محمودٍ للقضية



(يجري حول اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)حوار صاخب أحيانا ، بين العديد من المثقفين واللغويين ومختلف أصحاب الرأي . ويبدو ان هذا الحوار هو يميزالناطقين بلغة الضاد فقط ، إلا أن ذلك لا يشير الى اهمية غير عادية للغة الضاد ، بقدر ما يشير الى أزمة عميقة باتت تقلق المتعاملين مع اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)، وتتمثل في قصورها الفاضح في المجالات المختلفة ، وبالأساس المجالات العلمية والتقنية ، وأيضا في مجال الاستعمال الأدبي الإبداعي. وتبرز الأزمة بوزنها الكبير ، في هرب أصحاب اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)من لغتهم الى لغات أجنبية للتعبير ، واشكاليات استيعاب الطلاب العرب للغتهم ، بل ونفورهم من اساليب تعليمها ومن التناقضات الكبيرة بين اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)المحكية واللغة التي تسمى فصحى ، لدرجة أن تعريف الفصحى بات يشكل موضوعا للخلاف ، نتيجة دخول اساليب تعبيرية واصطلاحات وجمل متعارف عليها ، لا يمكن ان تخترق أسوار الحواجز النحوية التي وضعها سيبويه قبل مئات السنين ، في مناخ ثقافي ولغوي مختلف، وبات غريبا عن مفرداتنا وعن صياغاتنا وعن متطلباتنا اللغوية في هذا العصر الذي يشهد نقلة نوعية عاصفة في العلوم والتقنيات ، وفي اللغات واستعمالاتها.) على غير العادةِ أن يكون هؤلاء الذين يسيؤونَ إلى عماد انتمائهم وجوهر هويتهم وقد يكونون – إلى حدٍّ بعيدٍ - هم الغرباءُ عن هذا المُناخ في جدلٍ يفسر الماء بالماء.. كيف؟

فما أشْكَلَ على الحكيم " سيبويه " كان في الحقيقةِ هو الفرع وما اختلفَ عليه أهلُ الباديةِ وأهل المدنيةِ بأنْ توجّهَ للمادة الخام ليبني عليها قواعدَهُ فالجوابُ في الأصل هو القرآن المعجز

وإذا كان غيرَ ذلك فإنني أعتبرُ أن مدلولكَ يحيلُنا إلى اعتبار أن القرآن – الذي نعودُ إليهِ في كلّ مرّةٍ -ميْتٌ لأنه جاء بلغةِ أسلافنا قبل ألفٍ وأربعُ مائةِ سنة، فعلى أيّ أساس إذن أقامَ الحكيمُ " سيبويه " منهجَهُ ؟

ولو لاحظتَ سيدي هذا المعنى الدقيق " الدارجة " فإنه يدلُّ على تدرج الشيء من الأصل لا العكس، وما كان قبلَهُ من تفرقةٍ في اللسانِ فإنهُ أتى ليجمع مقاصد اللغة ومكامنها

( الا لغتنا العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)مسجونة داخل كهف يقف على ابوابه حراس اللغة، ظنا منهم انهم يخدمون لغتهم ، ولا يستوعبون ان حراستهم تقود لغتنا الجميلة الى الموت السريري ، أو تحولها الى لغة لا يتجاوز عدد المتحدثين فيها عدد المتحدثين اليوم باللغة الآرامية في العالم !!).يا سيدي لِمَ لا تقُل أنّ التغريبَ هو من قزَّمَ حجمَ لغتِنا وعاثَ فيها فسادا باستيرادِ مصطلحاتٍ غريبةٍ على أيدي مَن ينادونَ بالحداثةِ لضعفِ عقولهم وقصر نظرهم .


(هذا الموضوع شغلني منذ سنوات ليس كلغوي ، بل كمثقف وكاتب يعيش نبض اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)التي تشكل سلاحه التعبيري ، وأداته الهامة للتواصل ، الأمر الذي وضعني بمواجهة اشكاليات لغوية تعبيرية في الحديث او الكتابة عن مواضيع تكنلوجية وعلمية وفلسفية ، لم أجد لها صيغة عربية ، ووجدت في اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العبرية التي اتقنها بشكل جيد ، لا يرقى الى مستوى اتقاني للعربية بالطبع ، تعابير واصطلاحات سهلة واضحة ميسرة مفهومة ، وقابلة للاستعمال، بدون تعقيدات نحوية . ) لعلّ سيدي يثقفُ أنّ كلمة " تكنلوجية " هي في الأصل عربية المنشأ من تِقنَ وأتقنَ فنقول " تقنية تقانة على وزن فِعَالَة " كصناعة و تجارة أي بمعنى علمُ الإتقان دون أن نركب كلمتينِ ببعضهما كما يحدثُ عند قومٍ آخرينَ techno-logos "وبدل أن أن تأتي بأصل الكلمة تستوردُ ما قد صنعتَ قبلا والحرف في اللغة العربية – في حدّ ذاته – ذو معنىً بحيث أنّ كثيرا من الكلمات إنما وضعت لمعاني حروفها وليس اعتباطا كما هو متعارفٌ عليه في فقه اللغة .

وبالمقابل الذي طرحتَهُ لنا " العبرية " فقد ماتتْ باقتصارها لغةُ عرقٍ لا يتجاوز عددهم حوالي الخمسةُ ملايين إذا قارناها باللغة العربية التي يتوافدُ إليها العشراتِ الملايين ممن يعتنقون الإسلام طلبا في فهم القرآن الكريم.
(شغلني أيضا سؤال ما زال مطروحا: بأي لغة عربية نكتب ؟
الفصحى القديمة أضحت لغة لا مجال لاستعمالها وفهمها من الأكثرية المطلقة لمن يعرفون أنفسهم كعرب. الفصحى الجديدة السهلة ، او لغة الصحافة كما يسميها البعض ، أيضا غير ميسرة لأوساط واسعة جدا من العرب..بسبب انتشار الأمية الهائل الذي لا يقلق حراس اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)بقدر قلقهم على مواصلة السجن القسري للغة في زنزانة نحو وضع لمناخ لغوي لم نعد نعيشه ، ومن المستحيل ان نعود اليه. ) ويشغلني السؤال سيدي..ما هو الحل الذي تقترحُهُ كبديل لأزمةِ لغتنا ؟



(في كتاباتي دائما اتلقى نقدا لغويا حول استعمالاتي للغة. ومحاولات تصحيح لغتي ، وانا على قناعة تامة ان تمكني من التعبير بلغتي العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)، متطور جدا ، ليس بسبب دراستي للغة ، بل نتيجة ممارستي وتجربتي الغنية قراءة وكتابة ، وأعترفت مرات عديدة اني لا أعرف قواعد اللغة، ولا اريد ان أعرف اكثر مما اعرفه اليوم ، واذا كان لا بد من إصلاح فلغتي هي لغة معيارية حديثة ، متطورة في تعابيرها ، وسهلة الفهم لأوساط واسعة ، وتحمل من جماليات التعبير والصياغة أكثر من كل نصوص المتقعرين ، الذين لا استطيع ان افهم نصوصهم أو أهضم ثقل دم لغتهم !!) ولي أن أعتبرَ هذا النقدَ الذاتيَّ لشخصكم الكريمِ إثباتا لمنهجِ من أصبحوا سجّانين اللغةِ - وأنتَ الأدرى – بقولك " ولا اريد ان أعرف اكثر مما اعرفه اليوم.. " إذا كانت لغتُكَ تقتضي منكَ أن تعيد إحياءها ونفضِ الغبارِ عنها، كما يحيلُني هذا إلى ما تقدمتَ به في اقتباسك :
(وافتتح سليمان جبران كتابه ببيتين من الشعرعن "الغيورين" على اللغة:
جاروا عليهــا زاعمين صلاحها في نبذ طارقهــا وفي تقييدهـــــا
لم يفقهوا ان اللغــات حياتهــــــا في بعث تالدهاوفي ... تجديدها

هنا تكون علاماتُ استفهامٍ كثيرةٍ تقولُ لنا هل فهمنا معنى البيتين؟؟؟


(وهناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى ( باحث مصري في اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)والعلوم والفلسفة ) يقول فيها: " العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)في أزمة ، يجفوها أهلها ، ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها . ان العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)على فراش المرض ، تعاني من تضخم في القواعد والأصول ، وفقر في المصطلح ، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر . الداء واضح للعيان ، ولم يعد بالامكان اخفاؤه . فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة."

ليست العربيةُ في أزمة، بل اللسان الذي تمرد عليها وأصبح يواكب التبعية العمياء للغرب بدافع نقصٍ نفسي ترسّخ عبر الزمن .فلِمَ نفضّلُهم عن أنفسنا؟ ولساننا أفصحُ وأبلغُ وأشملُ من أي لسان.

اللغة العربية تستعمل فقط 700.000 لفظة ومجلدات مازالت على الرفوف

وفيما تتواترُهُ الأخبار أنّ الانجليز يعيدون كتابة جميع مؤلفاتهم وأرشيفهم باللغة العربية لأنهم أدركوا أن لغتهم آيلةٌ للاندثار فما يقوله سيدي الكريم ؟

مقدمة الدكتور عادل مصطفى تستعرض اشكاليات اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)، التي يعالجها البروفسور سليمان جبران في كتابه ، وتتطابق أفكاره تماما مع طروحات وشروح سليمان جبران ، بحيث بدا لي متحمسا للكتاب وطرحه الذي يثبت ليس فقط معرفة سليمان جبران الكاملة باصول اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)ونحوها ، انما معرفة موسوعية نادرة بكل ما مرت به اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)من تحولات وتطوير في القرن التاسع عشر ، خاصة منذ بدأ اللبناني فارس الشدياق : "رجل النهضة الأدبية الحديثة الأول " – كما وصفه مارون عبود ، وسائر النهضويين الرواد العرب أمثال المصري رافع الطهطاوي ، جهودهم العظيمة في احياء اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)التي قتلها التتريك والتخلف السائد في الأقطار العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)والذي كان لا بد ان ينعكس سلبا على واقع اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية. وللأسف، يبدو كأن الزمن توقف ، وما زلنا نحاور من نفس المنطلقات ، وما زلنا نلوك نفس الحجج ..
قلت اني لست لغويا ، ومع ذلك قرأت بحث سليمان جبران اللغوي بشوق كبير ، أولا بسبب لغته الجميلة واسلوبه التعبيري الواضع ، وقدرته على التعامل مع الإشكاليات اللغوية المختلفة بتحليل وتفسير واستنتاج ، مبني على المعرفة الموسوعية ، وهو أمر سحرني به سليمان جبران ، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة امام تطور مجتمعاتنا المدنية ، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه ، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم . اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)أداة للتواصل لا بد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة والمجتمع ، وليس للقداسة فقط.

وما كان أثَرُ العلماءِ كابن سينا وابن الهيثم و الخوارزمي والرحّالةِ السابقين كالإدريسي وابن بطوطة وأحمد بن ماجد " مع أنّ أغلبهم ليسوا عربا "في نهضةِ من تعتبِرهمْ أصحابُ مجتمعٍ علمي تقني حديثٍ ..ألمْ يكونوا في جامعاتنا آنذاك..؟ أكانوا ينهلونَ العلومَ بنحوِ لغةِ القداسة أمْ بلغةٍ ابتدعوها ؟


(من المواضيع التي يطرحها الكتاب: " لغتنا العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589): لا هي عاجزة ولا (معجزة) ) أتقصِدُ مُعْجِزَةٌ أم مُعَجِّزَة ؟ لك أنْ توضِّح لنا مفهومَ اللفظة حتى لا يُشْكَلَ علينا توضيفُها في السياق ، متى نؤلف نحوا حديثا للغتنا العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)؟ جميلٌ..متى نؤلفُ نحوا حديثا للغتنا العربيةفعلى سبيلِ المثالِ لا الحصر- حسب فهمي - يمكن أن نستغني عن المثنى بنوعيه المذكر والمؤنث لأنه يرهق ألسنتنا كنحو قولنا " إثنان صور كما يقولها أصحاب التقنية " بدل صورتان كما يخبرنا عنها النحو القديم "..، (دور الشدياق في تطوير اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)، العامية والفصحى مرة أخرى) أظنُّ أنّ الكاتبَ أخطأ – حسب تقديري - في الترتيب فكان له أن يقولَ : " الفصحى" قبل العامية، (الترادف غنى ام ثرثرة ؟ ) اللغةُ العربية يا سيدي تعتمدُ على الوصفِ وعلى التجسيد فلكلِّ حالةٍ ولكلِّ صورةٍ لفظٌ خاصٌّ بها يستعملُ في سياقه وحدَهُ ومن قال أنَّ الترادُفَ هو تطابُقُ المعاني يا سيدي ؟

( تصحيح الصحيح ، تجليات التجديد (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)والتقييد " .
تتميزلغة الكتاب بالاقتصاد في التعبير والابتعاد عن (الفضفضة) ما قصدُكَ بهذه الكلمة ؟ لأنها تعني التنفيس عن المكبوت وأستقي جملةً مما كتبتَ " ويبدو ان هذا الحوار هو يميزالناطقين " فهل ترى في هذا اقتصادا للغتك وقد سُقتَ إسم إشارةٍ وإسمَ إنَّ والبدلَ معًا؟

التي نواجهها في الكثير من النصوص. وكأني به الى جانب بحثه القيم يعطينا درسا ونموذجا في الصياغة الحديثة بدون فضفضة وترهل لا يضيف للمعنى شيئا ، وقناعته تقول اننا في عصر السرعة ولا يمكن الا ان نقتصد في الكلمات لنؤدي نفس المعنى ). فما معني كلمة " فصحى " في تقديرك سيدي الكريم مع العلم أن الفصاحة – تاريخيا – لم تتجاوز القرن الثالثَ الهجري، وبعد كلِّ هذا لا فصيحَ في العرب.
ترددت في إيراد النماذج، لاني شعرت بأني سانقل كل الكتاب للقارئ ، وهذا غير ممكن .
وأعتقد ان انتباه معلمي اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)لهذا الكتاب ، في كل مستويات التعليم ، خاصة الثانوي والجامعي ، واستعمال المداخلات والنماذج التي يطرحا سليمان جبران ، سيحدث ردة فعل ايجابية تقرب اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)العربية (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)لأبناء هذه اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)، وتفتح امامهم آفاق لغوية جمالية تنعكس بشكل ايجابي على تقريب اللغة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)للطلاب العرب، وتقريب الطلاب العرب من لغتهم وقدراتها التعبيرية والجمالية ، مدركين ان الاشكاليات التي يهربون منها ، هي وليدة واقع مريض ، وليس نتيجة لغة عاجزة ومعقدة. هنا يا سيدي أشكلَ علَّي الفهمُ ممَا قصدتَهُ، أأصدِّقُ الواقعَ المريضَ أم اللغَةَ العاجِزَة..؟

أخيرا..سيدي الكريم هل يقدم لنا الكتابانِ حلاًّ لسقمِ ألسنتِنأ أم لسقمِ لُغتِنا في حدِّ ذاتِها..؟

عسى أن يَسَعُني حِلْمُكَ سيدي الكريم

وإلى حوارٍ آخر وفي انتظار ردكم البهي..

كل الود والتقدير


ملاحظة : وقع خلطٌ بينما كنت أعلق على مقال على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة (http://www.alharere.net/vb/showthread.php?t=9589)
إذ بي أعلق على مقال مفارقات ثقافية في الثقافة العربية داخل إسرائيل وقد تداركتُ الخطأ وأرجو من الكاتب العفو