أبو سلطان
12-10-08, 11:28 PM
الحاج مدبولي
بقلم / جمال سلطان
وكان لديه بعض الباعة المدربين جيدا على فرز الوجوه الخليجية من الشامية من المصرية ويهمسون لكل زائر بما يشغله ويهمه ، ورغم طول رحلته مع الكتاب إلا أن السبعينات والثمانينات كانت الفترة الذهبية عند الحاج مدبولي ، فمكتبته في وسط البلد ، وتحديدا في ميدان طلعت حرب ، كانت مقصد الزائرين من مختلف البلدان العربية الذين يبحثون عن الكتب الممنوعة ، سياسية وأدبية ..
توفي أول أمس الحاج محمد مدبولي ، صاحب أشهر مكتبة لبيع الكتب في مصر ، وأحد أذكى الناشرين العرب على الإطلاق ، رغم أنه غير مثقف وأمي تقريبا ، ولكنه كان يمتلك حاسة عجيبة تجاه الكتب ، ومقياسه فيها النجاح والبيع ، ويستطيع أن يقرأ اتجاهات الريح الثقافية وشهوات المثقفين ويخدم عليها جيدا ، وكان يعرف جيدا اهتمامات المثقفين العرب الذين يفدون إلى القاهرة والكتب التي يبحثون عنها أو الموضوعات إن شئنا الدقة ، وكان لديه بعض الباعة المدربين جيدا على فرز الوجوه الخليجية من الشامية من المصرية ويهمسون لكل زائر بما يشغله ويهمه ، ورغم طول رحلته مع الكتاب إلا أن السبعينات والثمانينات كانت الفترة الذهبية عند الحاج مدبولي ، فمكتبته في وسط البلد ، وتحديدا في ميدان طلعت حرب ، كانت مقصد الزائرين من مختلف البلدان العربية الذين يبحثون عن الكتب الممنوعة ، سياسية وأدبية ، أشعار وقصص وروايات ومسرحيات ، وحكايات الأميرة التي فعلت كذا وكذا ، وأسرار قصر الأمير فلان الفلاني ، ورحلة الملك العلاني ، وشتائم القوميين في اليساريين وشتائم اليساريين في الليبراليين وشتائم الكل في الكل ، وكان يحتفظ بشبكة جيدة من العلاقات خاصة في بيروت ولندن ، خدمته كثيرا ، قبل أن تبدأ تلك الموجة في الانزواء رويدا رويدا ، في التسعينات وما بعدها ، بعد أن انتشر الانترنت ، وظهر البث الفضائي ، وتقلصت مساحة المحرمات ، وأصبح الحصول على الممنوعات أسهل كثيرا من ذي قبل ، ولم يعد يمر بالضرورة من بوابة الحاج مدبولي ، وكانت أمية الحاج مدبولي معينة له على الجرأة على النشر والبيع ، فباع كتبا لم يكن غيره يجرؤ على بيعها ، كما سببت له بعض هذه الكتب مشكلات أمنية أو قانونية ، أوشك أن يدخل السجن بسببها ، مثل كتاب "مسافة في عقل رجل" ، ولم يكن له انتماء سياسي واضح ، ولا يهتم بالسياسة أصلا ، وهذا ما جعله مقبولا من الجميع ، لأنه على الحياد الإيجابي ! ، ولكنه كان حريصا على أن يتعفف عن نشر الكتب ذات الطابع الإباحي ، وقد رفض نشر كتب لبعض الكتاب المعروفين احتجاجا منه على ما فيها من إباحية ، ومنهم طبيب وروائي معروف زوج طبيبة وكاتبة مثيرة للجدل ذهب إليه بمذكراته وكان فيها فصل يتحدث فيه عن تجربته في الشذوذ ، فرفض مدبولي نشره ، كما رفض نشر كتاب آخر لزوجته الطبيبة كان فيه اعتداء زائد عن الحد على مقدسات دينية لها هيبتها ، وكان الرجل مستودع أسرار كثيرين من الروائيين والكتاب والمثقفين المصريين ، وكان الحاج مدبولي قد بدت عليه في السنوات الأخيرة مسحة تدين فطرية ، وسكينة وما يشبه الزهد ، وقد نجح في أن يحافظ على جاذبية مكتبته ، رغم التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي طرأت على المجتمع المصري من الخمسينات وحتى الآن ، كما أن وجود الحاج محمد المعلم رحمه الله ، والد إبراهيم وعادل ، في الموقع المقابل له مباشرة بمكتبة الشروق العريقة ونشره كتب الكبار والمشاهير لم يؤثر نهائيا على نشاط الحاج مدبولي وجاذبيته ، وكان الأصدقاء العرب الذي يزورني إذا سألوني عن كتاب نادر وجهتهم مباشرة إلى مكتبة الحاج مدبولي ، فعنده تجد "التايهة" كما يقولون ، كان الحاج مدبولي ـ ببساطة ـ رمز ومعلم من معالم القاهرة الثقافية ، وعندما سمعت بخبر موته أول أمس شعرت باكتئاب وحزن حقيقي ، يرحمه الله .
بقلم / جمال سلطان
وكان لديه بعض الباعة المدربين جيدا على فرز الوجوه الخليجية من الشامية من المصرية ويهمسون لكل زائر بما يشغله ويهمه ، ورغم طول رحلته مع الكتاب إلا أن السبعينات والثمانينات كانت الفترة الذهبية عند الحاج مدبولي ، فمكتبته في وسط البلد ، وتحديدا في ميدان طلعت حرب ، كانت مقصد الزائرين من مختلف البلدان العربية الذين يبحثون عن الكتب الممنوعة ، سياسية وأدبية ..
توفي أول أمس الحاج محمد مدبولي ، صاحب أشهر مكتبة لبيع الكتب في مصر ، وأحد أذكى الناشرين العرب على الإطلاق ، رغم أنه غير مثقف وأمي تقريبا ، ولكنه كان يمتلك حاسة عجيبة تجاه الكتب ، ومقياسه فيها النجاح والبيع ، ويستطيع أن يقرأ اتجاهات الريح الثقافية وشهوات المثقفين ويخدم عليها جيدا ، وكان يعرف جيدا اهتمامات المثقفين العرب الذين يفدون إلى القاهرة والكتب التي يبحثون عنها أو الموضوعات إن شئنا الدقة ، وكان لديه بعض الباعة المدربين جيدا على فرز الوجوه الخليجية من الشامية من المصرية ويهمسون لكل زائر بما يشغله ويهمه ، ورغم طول رحلته مع الكتاب إلا أن السبعينات والثمانينات كانت الفترة الذهبية عند الحاج مدبولي ، فمكتبته في وسط البلد ، وتحديدا في ميدان طلعت حرب ، كانت مقصد الزائرين من مختلف البلدان العربية الذين يبحثون عن الكتب الممنوعة ، سياسية وأدبية ، أشعار وقصص وروايات ومسرحيات ، وحكايات الأميرة التي فعلت كذا وكذا ، وأسرار قصر الأمير فلان الفلاني ، ورحلة الملك العلاني ، وشتائم القوميين في اليساريين وشتائم اليساريين في الليبراليين وشتائم الكل في الكل ، وكان يحتفظ بشبكة جيدة من العلاقات خاصة في بيروت ولندن ، خدمته كثيرا ، قبل أن تبدأ تلك الموجة في الانزواء رويدا رويدا ، في التسعينات وما بعدها ، بعد أن انتشر الانترنت ، وظهر البث الفضائي ، وتقلصت مساحة المحرمات ، وأصبح الحصول على الممنوعات أسهل كثيرا من ذي قبل ، ولم يعد يمر بالضرورة من بوابة الحاج مدبولي ، وكانت أمية الحاج مدبولي معينة له على الجرأة على النشر والبيع ، فباع كتبا لم يكن غيره يجرؤ على بيعها ، كما سببت له بعض هذه الكتب مشكلات أمنية أو قانونية ، أوشك أن يدخل السجن بسببها ، مثل كتاب "مسافة في عقل رجل" ، ولم يكن له انتماء سياسي واضح ، ولا يهتم بالسياسة أصلا ، وهذا ما جعله مقبولا من الجميع ، لأنه على الحياد الإيجابي ! ، ولكنه كان حريصا على أن يتعفف عن نشر الكتب ذات الطابع الإباحي ، وقد رفض نشر كتب لبعض الكتاب المعروفين احتجاجا منه على ما فيها من إباحية ، ومنهم طبيب وروائي معروف زوج طبيبة وكاتبة مثيرة للجدل ذهب إليه بمذكراته وكان فيها فصل يتحدث فيه عن تجربته في الشذوذ ، فرفض مدبولي نشره ، كما رفض نشر كتاب آخر لزوجته الطبيبة كان فيه اعتداء زائد عن الحد على مقدسات دينية لها هيبتها ، وكان الرجل مستودع أسرار كثيرين من الروائيين والكتاب والمثقفين المصريين ، وكان الحاج مدبولي قد بدت عليه في السنوات الأخيرة مسحة تدين فطرية ، وسكينة وما يشبه الزهد ، وقد نجح في أن يحافظ على جاذبية مكتبته ، رغم التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي طرأت على المجتمع المصري من الخمسينات وحتى الآن ، كما أن وجود الحاج محمد المعلم رحمه الله ، والد إبراهيم وعادل ، في الموقع المقابل له مباشرة بمكتبة الشروق العريقة ونشره كتب الكبار والمشاهير لم يؤثر نهائيا على نشاط الحاج مدبولي وجاذبيته ، وكان الأصدقاء العرب الذي يزورني إذا سألوني عن كتاب نادر وجهتهم مباشرة إلى مكتبة الحاج مدبولي ، فعنده تجد "التايهة" كما يقولون ، كان الحاج مدبولي ـ ببساطة ـ رمز ومعلم من معالم القاهرة الثقافية ، وعندما سمعت بخبر موته أول أمس شعرت باكتئاب وحزن حقيقي ، يرحمه الله .