د . سعد بن مقبل الحريري
11-25-08, 06:40 PM
النسب.. والأمن الاجتماعي
قال الله تعالى في سياق قصة نبي الله صالح مع قومه:(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49).
ومن نفيس ما حرره العلامة الأمين الشنقيطي في هذه المسألة قوله:
قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نفعه الله بنصره وليه : أي أوليائه لأنه مضاف إلى معرفة، ووجه نصرتهم له، أن التسعة المذكورين في قوله تعالى : { وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [ النمل : 4849 ] أي تخالفوا بالله ، لنبيتنه : أي لنباغتنه بياتاً : أي ليلاً فنقتله ونقتل أهله معه { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } أي أوليائه وعصبته { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي ولا مهلكه هو ، وهذا يدل على أنهم لا يقدرون أن يقتلوه علناً، لنصرة أوليائه له، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه . والظاهر أن هذه النصرة عصبية نسبية لا تمت إلى الدين بصلة ، وأن أولياءه ليسوا مسلمين .
وفقد بين الله جلَّ وعلا في محكم كتابه : أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هي التعارف فيما بينهم . وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها. قال جلَّ وعلاك { ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ } [ الحجرات : 13 ] فاللام في قوله { لتعارفوا } لام التعليل ، والأصل لتتعارفوا ، وقد حذفت إحدى التاءين . فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله :{ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ }.
ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية ، ونقيم الأدلة على منع ذلك - لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبِية لا تمت إلى الإسلام بصلة .
كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب . وقد بين الله جلَّ وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن الله عليه . قال تعالى { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى } [ الضحى : 6 ] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب .
ومن آثار هذه العصبية النسبية قوله أبي طالب فيه صلى الله عليه وسلم :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد في التُّراب دفينا
وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه : { قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } [ هود : 91 ] .
.ولما كان لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال : { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ].
فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين ، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال ، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام ، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد ، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة نعوذ بالله من طمس البصيرة . أن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية الأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ، كما وقع من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله يؤيد هذا الدَّين بالرجل الفاجر » ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع . لأنها تشمل المسلم والكافر ، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر ، كما قال تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ } [ المجادلة : 22 ] الآية.
والحاصل - أن الرابطة الحقيقة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة « لا إله إلا الله » ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد ، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، عطفت قلوب حملة العرش ومن خوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف.
انتهت هذه الفائدة, وإلى فائدة أخرى إن شاء الله.
قال الله تعالى في سياق قصة نبي الله صالح مع قومه:(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49).
ومن نفيس ما حرره العلامة الأمين الشنقيطي في هذه المسألة قوله:
قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نفعه الله بنصره وليه : أي أوليائه لأنه مضاف إلى معرفة، ووجه نصرتهم له، أن التسعة المذكورين في قوله تعالى : { وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [ النمل : 4849 ] أي تخالفوا بالله ، لنبيتنه : أي لنباغتنه بياتاً : أي ليلاً فنقتله ونقتل أهله معه { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } أي أوليائه وعصبته { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي ولا مهلكه هو ، وهذا يدل على أنهم لا يقدرون أن يقتلوه علناً، لنصرة أوليائه له، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه . والظاهر أن هذه النصرة عصبية نسبية لا تمت إلى الدين بصلة ، وأن أولياءه ليسوا مسلمين .
وفقد بين الله جلَّ وعلا في محكم كتابه : أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هي التعارف فيما بينهم . وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها. قال جلَّ وعلاك { ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ } [ الحجرات : 13 ] فاللام في قوله { لتعارفوا } لام التعليل ، والأصل لتتعارفوا ، وقد حذفت إحدى التاءين . فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله :{ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ }.
ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية ، ونقيم الأدلة على منع ذلك - لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبِية لا تمت إلى الإسلام بصلة .
كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب . وقد بين الله جلَّ وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن الله عليه . قال تعالى { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى } [ الضحى : 6 ] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب .
ومن آثار هذه العصبية النسبية قوله أبي طالب فيه صلى الله عليه وسلم :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد في التُّراب دفينا
وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه : { قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } [ هود : 91 ] .
.ولما كان لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال : { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ].
فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين ، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال ، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام ، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد ، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة نعوذ بالله من طمس البصيرة . أن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية الأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ، كما وقع من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله يؤيد هذا الدَّين بالرجل الفاجر » ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع . لأنها تشمل المسلم والكافر ، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر ، كما قال تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ } [ المجادلة : 22 ] الآية.
والحاصل - أن الرابطة الحقيقة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة « لا إله إلا الله » ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد ، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، عطفت قلوب حملة العرش ومن خوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف.
انتهت هذه الفائدة, وإلى فائدة أخرى إن شاء الله.