رأس العرب
10-15-08, 06:21 PM
أكد الخبير الإعلامي السعودي عبد العزيز بن زيد آل داود أن الإعلام العربي فشل فشلاً ذريعاً في الدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية؛ وذلك لأنه دأب على التحرك من منطلق رد الفعل في كثير من الأحيان، وخاصة عندما يتعرض الإسلام وتعاليمه أو رموزه إلى إساءة أو تطاول أو تشويه في الغرب.
وأوضح آل داود في حديث لـ (الإسلام اليوم) أن الإعلام السعودي وخاصة الصحف تعيش مساحة من الحرية، التي أتاحت لها نسبياً ممارسة الدور الرقابي والنقدي لأداء كثير من الوزارات الخدمية، مؤكداً أن الإعلام الإسلامي لم ينل فرصة حقيقية، باستثناء عدد من التجارب القليلة التي حققت نجاحاً وانتشاراً.
وحذّر الداود -الذي أنجز العديد من الدراسات الفكرية في مجال الإعلام الإسلامي- من تزايد نفوذ دعاة التغريب في وسائل الإعلام العربية والسعودية، والذين يحاولون استغلال اتساع هامش الحرية في تمرير أفكارهم التي تحقق أجندة خفية، لطمس الهوية الإسلامية تحت شعارات تتراوح ما بين الليبرالية والديموقراطية وتحرير المرأة وغيرها.
وأشار إلى أن ثورة المعلومات والاتصالات وانفتاح الفضاء، ساهم إلى حد كبير في تخفيف المحاذير الرقابية الحكومية على الصحف في كثير من الدول العربية ومن بينها السعودية، على الرغم من وجود عدد من الخطوط الحمراء التي لا يستطيع الإعلام تجاوزها، وفيما يلي تفاصيل الحوار...
برأيك.. إلى أي حدّ نجح الإعلام العربي في الدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية؟
نخالف الحقيقة إذا قلنا إن الإعلام العربي نجح في الدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية، بل إنه لم يفلح في التعريف بإسهامات الحضارة العربية والإسلامية في خدمة الإنسانية، والدلائل على هذا الإخفاق كثيرة، لعل أهمها أن صورة العرب والمسلمين في أذهان الغرب لا تزال منذ عدة عقود هي صورة ذلك الشيخ المتخلف الثري الذي يمتلك آبار النفط، ولا يعرف شيئاً عن المدنية الحديثة، ويمارس أبشع صور استغلال المرأة، ولا يحترم العلم، وهذه الصورة القديمة أُضيف إليها بعد جديد وهو الإرهاب الذي أصبح مرادفاً للإسلام في الغرب، لدرجة أن اسم (محمد) أو )عبد الله (كافٍ لأن يضع من يحمله داخل دائرة الاشتباه وحتى الاتهام في كثير من دول أوربا وأمريكا.
ولهذا الفشل الذريع أسبابه، ومن أهمها أننا لم نعِ أهمية الإعلام في مخاطبة الآخر، ولم نسع لذلك في عقود سابقة، وعندما شعرنا ببشاعة صورتنا في الغرب لم نعمل لتقديم صورة بديلة لها على أسس علمية ودراسات متخصصة، بل سارعنا لنفي هذه الصورة المشوهة، باجتهادات فردية تفتقر إلى أي تنظيم أو خبرات علمية، وكأن كلاً منا أراد أن يقول للآخر إننا لسنا كذلك وحسب.
يُلاحظ أن غالبية الصحفيين السعوديين لا يتفرغون لممارسة الصحافة.. هل يُعدّ هذا دلالة على عدم ثقتهم بالمهنة كمصدر للرزق والعيش؟ وما دور المزاج الفردي لرؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات في تعزيز هذا التخوّف؟
الصحافة -كما يقولون- هي مهنة البحث عن المتاعب والحقائق، وهي مهنة تحتاج بالأساس إلى إمكانات ذاتية يجب أن تتوافر فيمن يرغب بالعمل فيها، ثم الدراسة المتخصصة.
والصحافة السعودية تزخر بأسماء بارزة ممن عشقوا هذه المهنة ودرسوها وتميزوا في أدائها، لكن تظل مهن الكتابة والثقافة والإبداع عموماً، لا ترقى إلى الاعتماد عليها كمصدر رزق وحيد، يؤكد ذلك أن كثيراً من الصحفيين والكتاب والمبدعين في الدول العربية أو المملكة، وجدوا أنفسهم في الشارع بلا مصدر للدخل بجرة قلم لمسؤول كبير أو بعد وصولهم إلى سن التقاعد، فضلاً عن كونها مهنة شاقة لا يصبر عليها إلاّ عشاقها، ولا شك أن المزاج الفردي لرؤساء التحرير وإدارات الصحف يعزز عدم ثقة الصحفيين وقناعتهم بالتفرغ لهذه المهنة، خاصة في ظل عدم وجود هيئات تحمي هؤلاء الصحفيين، على غرار نقابة الصحفيين في مصر، والتي تقوم بدور كبير في حالة وقوع أي نزاع بين الصحفي وإدارة الصحيفة التي يعمل بها، إضافة إلى قوانين منظمة تحول دون انحراف الصحفي عن سياسة تحرير الجريدة، وفي ذات الوقت تحد من استبداد رؤساء التحرير أو مجالس الإدارات في تعاملهم مع الصحفيين.
هل تعتقد أن الدول الخليجية تتنافس على تملك القنوات المثيرة للجدل؟
ربما كان لنجاح تجربة قناة (الجزيرة) جماهيرياً أثره في زيادة رغبة بعض الأنظمة لإنشاء قنوات مماثلة، وربما وجدت رؤوس الأموال الخليجية متنفساً للاستثمار في مجال الفضائيات في ظل عدم وجود ضوابط رسمية لذلك، وهو ما يفسر وجود قنوات خليجية كثيرة متخصصة في الأفلام والأغاني والرياضة والشعر الشعبي وحتى الإبل والخيول، وبعضها يشمل النعرات القبلية والعنصرية القطرية، والمسألة برمتها مثيرة للجدل، بعدما أصبحت الفضائيات العربية والخليجية تمارس نوعاً من حديث الطرشان، ويسحق الغث الكثير منها بطوفانه الفضائي العدد القليل من القنوات الجادة والمتميزة.
على الرغم من أكثرية التيار الملتزم في المملكة إلاّ أن الوسائل الإعلامية التي تعبر عنه ليست بالعدد الكافي.. هل هذا صحيح؟ ولماذا ينصرف المستثمرون الإسلاميون عن المجال الإعلامي؟
حتى وقت قريب كان الاتجاه السائد هو تحريم مشاهدة القنوات التلفزيونية أو سماع الإذاعات التي تقدم الأغاني، وربما وصل الأمر إلى حد تحريم الاستثمار في هذه القنوات أو الإعلان فيها، لذا كان من الطبيعي أن ينصرف المستثمرون الإسلاميون -إن جاز هذا الوصف- عن استثمار أموالهم في هذا المجال. ساعد على ذلك أن وسائل الإعلام السعودية الرسمية كانت ولا تزال معبرة عن توجه هذا التيار الملتزم، لكن مع تغير هذه النظرة الفقهية ووجود أصوات مؤثرة ترى بأن وسائل الإعلام لا تُحرّم لذاتها، بل لما يُقدّم فيها، بدأنا نجد قنوات تعبر عن هذا التيار وإن كان عددها قليلاً، مع مراعاة أن كثيراً من المستثمرين الذين يتم تصنيفهم ضمن الملتزمين لا يملكون خبرات الاستثمار في هذا المجال.
إذن فإن الإسلاميين محقون في القول بأن الإعلام المحلي لا يعبر عنهم بنفس القدر الذي يعبر فيه عن تيارات أخرى مناوئة لهم؟
هذا حقيقي من الناحية الكمية؛ فالمساحات المخصصة للرياضة في الصحف والقنوات التلفزيونية أكبر بكثير من الصفحات الإسلامية، وساعات البث المخصصة للأفلام والأغاني وحتى الإبداع الأدبي والشعري تفوق كثيراً البرامج الدينية، لكن من ناحية أخرى، نشير إلى أن عدم تفاعل كثير من العلماء والدعاة مع وسائل الإعلام على مدار سنوات طويلة ماضية وخاصة القنوات التلفزيونية والفضائية، ساهم في محدودية مساحة البرامج الإسلامية وشغل هذه المساحة ببرامج أخرى.
عيون التشكيك التي ينظر بها البعض لمهنية الصحافة الإسلامية.. هل ترى أنها في محلها (في المجمل)؟
التشكيك في مهنية الصحافة الإسلامية يعود بالأساس كما أشرنا إلى عدم وجود صحافة إسلامية متخصصة، إضافة إلى ضعف الأداء المهني لكثير من القائمين على الصفحات الإسلامية في الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية السعودية باستثناء بعض الاجتهادات الفردية مثل ملحق )الرسالة) الذي تصدره جريدة (المدينة المنورة) أسبوعياً، ومجلة (الإسلام اليوم).
ولا يمكن تجاهل أن التشكيك في مهنية الصحافة الإسلامية هو جزء من محاولة وأد هذه الصحافة الملتزمة وتغييرها لصالح اتجاهات أخرى، ليست خافية على صاحب كل ذي عقل.
هل ترى أن الخطوط الحمراء في الإعلام السعودي كثيرة؟
دائماً هناك خطوط حمراء، لكننا نرى تناقصاً، في عدد هذه الخطوط، أو لنقل أن لونها لم يعد أحمر قانياً، لكنها لا تزال موجودة وقائمة ولا يستطيع الإعلام تجاوزها.
ما هي حدود الحرية التي تطلبونها أنتم كصحفيين في الساحة المحلية؟
نحن نتطلع إلى نوع من الحرية المسؤولة التي تعلي من شأن النقد البنّاء الهادف، وتحقق الدور الرقابي للإعلام على أداء كافة الأجهزة الحكومية، وتسمح بمناقشة جميع قضايا المجتمع، مع احترام ثوابته وتقاليده والحفاظ على خصوصيته، وحدود هذه الحرية التي نطلبها، هي المسؤولية الاجتماعية والمصالح العامة للوطن والمواطن وحقه في المعرفة والتعبير عن رأيه.
ما دور الصحافيين والإعلاميين في الدفع باتجاه توسيع رقعة الحرية في الإعلام؟ أم ترى أن الأمر بيد المسؤولين وحدهم؟
من الظلم تحميل الصحافيين والإعلاميين في أي مكان في العالم وحدهم مسؤولية توسيع رقعة الحرية الإعلامية، فالحرية تحتاج إلى مناخ عام، وأنظمة وإرادة سياسية ووعي مجتمعي بمسؤوليتها، وعندما اتسع هامش الحرية في الصحافة السعودية استثمره الصحافيون بصورة جيدة في مناقشة كثير من القضايا التي لم تكن مطروحة من قبل، مع الاعتراف بأن مهنية الصحافي أو الإعلامي تدعم قدرته على كسب مساحة أكبر من الحرية وتجاوز بعض المحاذير الرقابية.
هل تعتقد أن هناك تيارات معارضة للانفتاح الإعلامي، وترى فيه مهدداً لها؟
بالطبع هناك تيارات في أي مجتمع تكره الانفتاح الإعلامي، وترى فيه مهدداً لوجودها؛ فالفاسدون يخشون دائماً أن تكشف وسائل الإعلام فسادهم، وطيور الظلام لا تحب الضوء، والجاهل لا يحب العلم وهذه بدهيات، وهناك بعض التيارات التي ترى أولا تزال ترى أن الإعلام كله حرام وعلى الأقل مكروه، وتيارات أخرى تريد أن توظف الإعلام لتكريس الانحلال والإباحية وترويج الأفكار التي لا تتفق وأخلاق المجتمع المسلم والإسلام عموماً.
ما الفروقات التي تلحظها في جانب الحرية بين المقالة الصحفية في الصحف المحلية والجانب الخبري؟ وهل يمكن القول إن المقالة أكثر جرأةً من الخبر في المملكة؟
في جميع الدول العربية والإسلامية -مع استثناءات قليلة مثل مصر ولبنان- نجد صحافة الرأي أكثر جرأة وحرية من صحافة الخبر والتحقيقات، وذلك لسببين رئيسين:
الأول: عدم إتاحة المعلومات بشفافية من قبل الجهات الحكومية، وهو ما يضر كثيراً بصحافة الخبر.
ثانياً: إن أقطاب صحافة الرأي عموماً هم من كبار الكتاب وأصحاب الأعمدة الذين يمتلكون من الخبرة والمكانة والمهنية ما يحميهم من الوقوع تحت طائلة المساءلة، في حين نجد الصحفيين العاملين في أقسام الأخبار والتحقيقات هم من الشباب الصغار، إضافة إلى أن صحافة الرأي في المقالات تعبر بالأساس عن صاحبها، في حين أن الأشكال الصحفية الأخرى تعبر عن توجهات الصحيفة وإدارتها، والتي لها حسابات أخرى.
هل يمكن أن نقول إن العنف في السعودية كان نتاجاً للمناخ الحادّ المتواجد في الصحف بين التيارين الليبرالي والإسلامي (وهما أكبر التيارات)؟
العنف في السعودية لا يختلف كثيراً عن العنف في أي دولة أخرى؛ فهناك أفكار تغذيه وعوامل تؤججه، وكثير من العنف يعود إلى الشعور بأن الإسلام يتعرض لحرب شرسة من دول الغرب، وهي حرب دينية وصليبية كما ورد على لسان قادة الحرب على الإرهاب، ويؤكد ذلك العنف في مصر، على الرغم من تنوع التيارات فيها ما بين ليبراليين ويساريين وإسلاميين ورأسماليين، فلا يجب أن نغفل ما يتعرض له المسلمون في العالم من قتل وتشريد، وضعف دور الأنظمة العربية والإسلامية في التصدي لهذه الممارسات، وبين حالة الحنق التي سيطرت على الشباب المسلم، وليس هناك دليل واحد على أن الإعلام السعودي ساهم في إشعال العنف، بل على العكس فإن الإعلام السعودي نجح بصورة جيدة في التصدي للعنف من خلال شرح وبيان موقف الإسلام من ترويع الآمنين والاعتداء على الأنفس المعصومة أو الثروات، وكذلك حقوق المعاهدين والمستأمنين من غير المسلمين،.
وإذا كانت ثمة علاقة بين الإعلام والعنف فهي ليست ناتجة عن وجود ما يُسمّى بالليبراليين أو الإسلاميين، بل نتيجة لغياب الحوار الموضوعي مع الشباب في مناخ من الشفافية والاحتضان.
ما الإصلاح الذي يريده الإعلام السعودي في المراحل القادمة؟
الإصلاح الذي يحتاجه الإعلام السعودي يبدأ بمعرفة خصوصية المملكة مهد الإسلام ومنطلق دعوته وحاضنة أقدس مقدساته، ثم التعليم الجيد لتخريج إعلاميين مؤهلين يمتلكون قدرات العمل في عصر السماوات المفتوحة في مناخ يحترم الاختلاف وتعدّدية الرأي، وحق كل طرف في التعبير عن رأيه.
ولا ينفصل عن ذلك الإصلاح، إتاحة الفرصة لأهل الخبرة لتولي إدارة المؤسسات الإعلامية وتطوير الأنظمة بما يواكب التطور الإعلامي في العالم أجمع، والذي لا مجال لتجاهله.
ومن الأهمية أيضاً إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للاستثمار بحرية أكبر في مجال الإعلام، حتى لا نجد قنوات سعودية التمويل والإدارة تحمل تراخيص من الخارج ولننظر للإعلام بصفته صناعة، وعلى الملتقى أن يختار ما يلائمه من منتجات هذه الصناعة، بعد التأكد من مطابقتها لمعايير ومواصفات الجودة؛ فالبرامج الإعلامية الفاسدة لا تقل خطورة عن الطعام الفاسد أو المخدرات.
يُلاحظ أن هناك تكاثراً في القنوات الغربية الموجهة إلى العرب والمسلمين والتي تبث باللغة العربية مثل (روسيا اليوم، فرنسا24، بي بي سي العربية، الألمانية دوتش فيلا) ..هل ترى أنها تحمل مشروعات وأجندة خاصة أم أنها أتت لخدمة المواطن العربي كما تدّعي! (وأنت لك كتاب حول قناة الحرة)؟
تزايد عدد القنوات الغربية الناطقة باللغة العربية هو امتداد لنشاط إعلامي وثقافي قديم، بدأ من مجلة (المختار) وإذاعة (سوا ) وصولاً إلى قناة الحرة وقبلها (بي .بي. سي العربية)، وبعض هذه القنوات كانت تُموّل في الماضي من جهات استخباراتية في الدول الغربية، ومن السذاجة أن يتصور البعض أنها جاءت لخدمة المواطن العربي؛ فقناة الحرة -على سبيل المثال- تجمل الوجه القبيح للاحتلال الأمريكي في العراق، والهدف الحقيقي لكثير من هذه القنوات هو دعم سياسات هذه الدول في العالم العربي الذي يمتلك منابع النفط ويتحكم في طاقة العالم، وبعض هذه القنوات لها أجندة محددة لتحقيق هذه السياسات، وتزايدها في الآونة الأخيرة دليل على تزايد حجم الاهتمام بالمنطقة وفق مشروعات معلنة أبرزها الشرق الأوسط الجديد، وكثير من هذه القنوات تسيطر عليها جماعات صهيونية لخدمة المخططات والمصالح الإسرائيلية، ولا نستغرب وجود هذه القنوات، ولكن نستغرب عدم وجود قنوات عربية مماثلة تخاطب الغرب، وهو ما يؤكد أننا -حتى الآن- لا نمتلك أجندة خفية أو معلنة تجاه الآخر.
أخيراً.. هل تعتقد أن الصحافة السعودية (في مجملها) فاعلة ومشكلة للرأي العام؟
إذا كانت الإحصائيات تؤكد أن العرب من أقل الشعوب إقبالاً على القراءة، يصبح الحديث عن تأثير الصحافة في تشكيل الرأي العام ترفاً، لكنها وسيلة للتثقيف، والمعرفة، وخاصة أن الجزء الأكبر من هذه الصحف رسمية حكومية، فضلاً عن تزايد تأثير التلفزيون، وصحافة الإنترنت بصورة تفوق الصحف والإذاعات .
الاستاذ عبد الحي شاهين منقوووووول
وأوضح آل داود في حديث لـ (الإسلام اليوم) أن الإعلام السعودي وخاصة الصحف تعيش مساحة من الحرية، التي أتاحت لها نسبياً ممارسة الدور الرقابي والنقدي لأداء كثير من الوزارات الخدمية، مؤكداً أن الإعلام الإسلامي لم ينل فرصة حقيقية، باستثناء عدد من التجارب القليلة التي حققت نجاحاً وانتشاراً.
وحذّر الداود -الذي أنجز العديد من الدراسات الفكرية في مجال الإعلام الإسلامي- من تزايد نفوذ دعاة التغريب في وسائل الإعلام العربية والسعودية، والذين يحاولون استغلال اتساع هامش الحرية في تمرير أفكارهم التي تحقق أجندة خفية، لطمس الهوية الإسلامية تحت شعارات تتراوح ما بين الليبرالية والديموقراطية وتحرير المرأة وغيرها.
وأشار إلى أن ثورة المعلومات والاتصالات وانفتاح الفضاء، ساهم إلى حد كبير في تخفيف المحاذير الرقابية الحكومية على الصحف في كثير من الدول العربية ومن بينها السعودية، على الرغم من وجود عدد من الخطوط الحمراء التي لا يستطيع الإعلام تجاوزها، وفيما يلي تفاصيل الحوار...
برأيك.. إلى أي حدّ نجح الإعلام العربي في الدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية؟
نخالف الحقيقة إذا قلنا إن الإعلام العربي نجح في الدفاع عن الهوية الإسلامية والعربية، بل إنه لم يفلح في التعريف بإسهامات الحضارة العربية والإسلامية في خدمة الإنسانية، والدلائل على هذا الإخفاق كثيرة، لعل أهمها أن صورة العرب والمسلمين في أذهان الغرب لا تزال منذ عدة عقود هي صورة ذلك الشيخ المتخلف الثري الذي يمتلك آبار النفط، ولا يعرف شيئاً عن المدنية الحديثة، ويمارس أبشع صور استغلال المرأة، ولا يحترم العلم، وهذه الصورة القديمة أُضيف إليها بعد جديد وهو الإرهاب الذي أصبح مرادفاً للإسلام في الغرب، لدرجة أن اسم (محمد) أو )عبد الله (كافٍ لأن يضع من يحمله داخل دائرة الاشتباه وحتى الاتهام في كثير من دول أوربا وأمريكا.
ولهذا الفشل الذريع أسبابه، ومن أهمها أننا لم نعِ أهمية الإعلام في مخاطبة الآخر، ولم نسع لذلك في عقود سابقة، وعندما شعرنا ببشاعة صورتنا في الغرب لم نعمل لتقديم صورة بديلة لها على أسس علمية ودراسات متخصصة، بل سارعنا لنفي هذه الصورة المشوهة، باجتهادات فردية تفتقر إلى أي تنظيم أو خبرات علمية، وكأن كلاً منا أراد أن يقول للآخر إننا لسنا كذلك وحسب.
يُلاحظ أن غالبية الصحفيين السعوديين لا يتفرغون لممارسة الصحافة.. هل يُعدّ هذا دلالة على عدم ثقتهم بالمهنة كمصدر للرزق والعيش؟ وما دور المزاج الفردي لرؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات في تعزيز هذا التخوّف؟
الصحافة -كما يقولون- هي مهنة البحث عن المتاعب والحقائق، وهي مهنة تحتاج بالأساس إلى إمكانات ذاتية يجب أن تتوافر فيمن يرغب بالعمل فيها، ثم الدراسة المتخصصة.
والصحافة السعودية تزخر بأسماء بارزة ممن عشقوا هذه المهنة ودرسوها وتميزوا في أدائها، لكن تظل مهن الكتابة والثقافة والإبداع عموماً، لا ترقى إلى الاعتماد عليها كمصدر رزق وحيد، يؤكد ذلك أن كثيراً من الصحفيين والكتاب والمبدعين في الدول العربية أو المملكة، وجدوا أنفسهم في الشارع بلا مصدر للدخل بجرة قلم لمسؤول كبير أو بعد وصولهم إلى سن التقاعد، فضلاً عن كونها مهنة شاقة لا يصبر عليها إلاّ عشاقها، ولا شك أن المزاج الفردي لرؤساء التحرير وإدارات الصحف يعزز عدم ثقة الصحفيين وقناعتهم بالتفرغ لهذه المهنة، خاصة في ظل عدم وجود هيئات تحمي هؤلاء الصحفيين، على غرار نقابة الصحفيين في مصر، والتي تقوم بدور كبير في حالة وقوع أي نزاع بين الصحفي وإدارة الصحيفة التي يعمل بها، إضافة إلى قوانين منظمة تحول دون انحراف الصحفي عن سياسة تحرير الجريدة، وفي ذات الوقت تحد من استبداد رؤساء التحرير أو مجالس الإدارات في تعاملهم مع الصحفيين.
هل تعتقد أن الدول الخليجية تتنافس على تملك القنوات المثيرة للجدل؟
ربما كان لنجاح تجربة قناة (الجزيرة) جماهيرياً أثره في زيادة رغبة بعض الأنظمة لإنشاء قنوات مماثلة، وربما وجدت رؤوس الأموال الخليجية متنفساً للاستثمار في مجال الفضائيات في ظل عدم وجود ضوابط رسمية لذلك، وهو ما يفسر وجود قنوات خليجية كثيرة متخصصة في الأفلام والأغاني والرياضة والشعر الشعبي وحتى الإبل والخيول، وبعضها يشمل النعرات القبلية والعنصرية القطرية، والمسألة برمتها مثيرة للجدل، بعدما أصبحت الفضائيات العربية والخليجية تمارس نوعاً من حديث الطرشان، ويسحق الغث الكثير منها بطوفانه الفضائي العدد القليل من القنوات الجادة والمتميزة.
على الرغم من أكثرية التيار الملتزم في المملكة إلاّ أن الوسائل الإعلامية التي تعبر عنه ليست بالعدد الكافي.. هل هذا صحيح؟ ولماذا ينصرف المستثمرون الإسلاميون عن المجال الإعلامي؟
حتى وقت قريب كان الاتجاه السائد هو تحريم مشاهدة القنوات التلفزيونية أو سماع الإذاعات التي تقدم الأغاني، وربما وصل الأمر إلى حد تحريم الاستثمار في هذه القنوات أو الإعلان فيها، لذا كان من الطبيعي أن ينصرف المستثمرون الإسلاميون -إن جاز هذا الوصف- عن استثمار أموالهم في هذا المجال. ساعد على ذلك أن وسائل الإعلام السعودية الرسمية كانت ولا تزال معبرة عن توجه هذا التيار الملتزم، لكن مع تغير هذه النظرة الفقهية ووجود أصوات مؤثرة ترى بأن وسائل الإعلام لا تُحرّم لذاتها، بل لما يُقدّم فيها، بدأنا نجد قنوات تعبر عن هذا التيار وإن كان عددها قليلاً، مع مراعاة أن كثيراً من المستثمرين الذين يتم تصنيفهم ضمن الملتزمين لا يملكون خبرات الاستثمار في هذا المجال.
إذن فإن الإسلاميين محقون في القول بأن الإعلام المحلي لا يعبر عنهم بنفس القدر الذي يعبر فيه عن تيارات أخرى مناوئة لهم؟
هذا حقيقي من الناحية الكمية؛ فالمساحات المخصصة للرياضة في الصحف والقنوات التلفزيونية أكبر بكثير من الصفحات الإسلامية، وساعات البث المخصصة للأفلام والأغاني وحتى الإبداع الأدبي والشعري تفوق كثيراً البرامج الدينية، لكن من ناحية أخرى، نشير إلى أن عدم تفاعل كثير من العلماء والدعاة مع وسائل الإعلام على مدار سنوات طويلة ماضية وخاصة القنوات التلفزيونية والفضائية، ساهم في محدودية مساحة البرامج الإسلامية وشغل هذه المساحة ببرامج أخرى.
عيون التشكيك التي ينظر بها البعض لمهنية الصحافة الإسلامية.. هل ترى أنها في محلها (في المجمل)؟
التشكيك في مهنية الصحافة الإسلامية يعود بالأساس كما أشرنا إلى عدم وجود صحافة إسلامية متخصصة، إضافة إلى ضعف الأداء المهني لكثير من القائمين على الصفحات الإسلامية في الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية السعودية باستثناء بعض الاجتهادات الفردية مثل ملحق )الرسالة) الذي تصدره جريدة (المدينة المنورة) أسبوعياً، ومجلة (الإسلام اليوم).
ولا يمكن تجاهل أن التشكيك في مهنية الصحافة الإسلامية هو جزء من محاولة وأد هذه الصحافة الملتزمة وتغييرها لصالح اتجاهات أخرى، ليست خافية على صاحب كل ذي عقل.
هل ترى أن الخطوط الحمراء في الإعلام السعودي كثيرة؟
دائماً هناك خطوط حمراء، لكننا نرى تناقصاً، في عدد هذه الخطوط، أو لنقل أن لونها لم يعد أحمر قانياً، لكنها لا تزال موجودة وقائمة ولا يستطيع الإعلام تجاوزها.
ما هي حدود الحرية التي تطلبونها أنتم كصحفيين في الساحة المحلية؟
نحن نتطلع إلى نوع من الحرية المسؤولة التي تعلي من شأن النقد البنّاء الهادف، وتحقق الدور الرقابي للإعلام على أداء كافة الأجهزة الحكومية، وتسمح بمناقشة جميع قضايا المجتمع، مع احترام ثوابته وتقاليده والحفاظ على خصوصيته، وحدود هذه الحرية التي نطلبها، هي المسؤولية الاجتماعية والمصالح العامة للوطن والمواطن وحقه في المعرفة والتعبير عن رأيه.
ما دور الصحافيين والإعلاميين في الدفع باتجاه توسيع رقعة الحرية في الإعلام؟ أم ترى أن الأمر بيد المسؤولين وحدهم؟
من الظلم تحميل الصحافيين والإعلاميين في أي مكان في العالم وحدهم مسؤولية توسيع رقعة الحرية الإعلامية، فالحرية تحتاج إلى مناخ عام، وأنظمة وإرادة سياسية ووعي مجتمعي بمسؤوليتها، وعندما اتسع هامش الحرية في الصحافة السعودية استثمره الصحافيون بصورة جيدة في مناقشة كثير من القضايا التي لم تكن مطروحة من قبل، مع الاعتراف بأن مهنية الصحافي أو الإعلامي تدعم قدرته على كسب مساحة أكبر من الحرية وتجاوز بعض المحاذير الرقابية.
هل تعتقد أن هناك تيارات معارضة للانفتاح الإعلامي، وترى فيه مهدداً لها؟
بالطبع هناك تيارات في أي مجتمع تكره الانفتاح الإعلامي، وترى فيه مهدداً لوجودها؛ فالفاسدون يخشون دائماً أن تكشف وسائل الإعلام فسادهم، وطيور الظلام لا تحب الضوء، والجاهل لا يحب العلم وهذه بدهيات، وهناك بعض التيارات التي ترى أولا تزال ترى أن الإعلام كله حرام وعلى الأقل مكروه، وتيارات أخرى تريد أن توظف الإعلام لتكريس الانحلال والإباحية وترويج الأفكار التي لا تتفق وأخلاق المجتمع المسلم والإسلام عموماً.
ما الفروقات التي تلحظها في جانب الحرية بين المقالة الصحفية في الصحف المحلية والجانب الخبري؟ وهل يمكن القول إن المقالة أكثر جرأةً من الخبر في المملكة؟
في جميع الدول العربية والإسلامية -مع استثناءات قليلة مثل مصر ولبنان- نجد صحافة الرأي أكثر جرأة وحرية من صحافة الخبر والتحقيقات، وذلك لسببين رئيسين:
الأول: عدم إتاحة المعلومات بشفافية من قبل الجهات الحكومية، وهو ما يضر كثيراً بصحافة الخبر.
ثانياً: إن أقطاب صحافة الرأي عموماً هم من كبار الكتاب وأصحاب الأعمدة الذين يمتلكون من الخبرة والمكانة والمهنية ما يحميهم من الوقوع تحت طائلة المساءلة، في حين نجد الصحفيين العاملين في أقسام الأخبار والتحقيقات هم من الشباب الصغار، إضافة إلى أن صحافة الرأي في المقالات تعبر بالأساس عن صاحبها، في حين أن الأشكال الصحفية الأخرى تعبر عن توجهات الصحيفة وإدارتها، والتي لها حسابات أخرى.
هل يمكن أن نقول إن العنف في السعودية كان نتاجاً للمناخ الحادّ المتواجد في الصحف بين التيارين الليبرالي والإسلامي (وهما أكبر التيارات)؟
العنف في السعودية لا يختلف كثيراً عن العنف في أي دولة أخرى؛ فهناك أفكار تغذيه وعوامل تؤججه، وكثير من العنف يعود إلى الشعور بأن الإسلام يتعرض لحرب شرسة من دول الغرب، وهي حرب دينية وصليبية كما ورد على لسان قادة الحرب على الإرهاب، ويؤكد ذلك العنف في مصر، على الرغم من تنوع التيارات فيها ما بين ليبراليين ويساريين وإسلاميين ورأسماليين، فلا يجب أن نغفل ما يتعرض له المسلمون في العالم من قتل وتشريد، وضعف دور الأنظمة العربية والإسلامية في التصدي لهذه الممارسات، وبين حالة الحنق التي سيطرت على الشباب المسلم، وليس هناك دليل واحد على أن الإعلام السعودي ساهم في إشعال العنف، بل على العكس فإن الإعلام السعودي نجح بصورة جيدة في التصدي للعنف من خلال شرح وبيان موقف الإسلام من ترويع الآمنين والاعتداء على الأنفس المعصومة أو الثروات، وكذلك حقوق المعاهدين والمستأمنين من غير المسلمين،.
وإذا كانت ثمة علاقة بين الإعلام والعنف فهي ليست ناتجة عن وجود ما يُسمّى بالليبراليين أو الإسلاميين، بل نتيجة لغياب الحوار الموضوعي مع الشباب في مناخ من الشفافية والاحتضان.
ما الإصلاح الذي يريده الإعلام السعودي في المراحل القادمة؟
الإصلاح الذي يحتاجه الإعلام السعودي يبدأ بمعرفة خصوصية المملكة مهد الإسلام ومنطلق دعوته وحاضنة أقدس مقدساته، ثم التعليم الجيد لتخريج إعلاميين مؤهلين يمتلكون قدرات العمل في عصر السماوات المفتوحة في مناخ يحترم الاختلاف وتعدّدية الرأي، وحق كل طرف في التعبير عن رأيه.
ولا ينفصل عن ذلك الإصلاح، إتاحة الفرصة لأهل الخبرة لتولي إدارة المؤسسات الإعلامية وتطوير الأنظمة بما يواكب التطور الإعلامي في العالم أجمع، والذي لا مجال لتجاهله.
ومن الأهمية أيضاً إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للاستثمار بحرية أكبر في مجال الإعلام، حتى لا نجد قنوات سعودية التمويل والإدارة تحمل تراخيص من الخارج ولننظر للإعلام بصفته صناعة، وعلى الملتقى أن يختار ما يلائمه من منتجات هذه الصناعة، بعد التأكد من مطابقتها لمعايير ومواصفات الجودة؛ فالبرامج الإعلامية الفاسدة لا تقل خطورة عن الطعام الفاسد أو المخدرات.
يُلاحظ أن هناك تكاثراً في القنوات الغربية الموجهة إلى العرب والمسلمين والتي تبث باللغة العربية مثل (روسيا اليوم، فرنسا24، بي بي سي العربية، الألمانية دوتش فيلا) ..هل ترى أنها تحمل مشروعات وأجندة خاصة أم أنها أتت لخدمة المواطن العربي كما تدّعي! (وأنت لك كتاب حول قناة الحرة)؟
تزايد عدد القنوات الغربية الناطقة باللغة العربية هو امتداد لنشاط إعلامي وثقافي قديم، بدأ من مجلة (المختار) وإذاعة (سوا ) وصولاً إلى قناة الحرة وقبلها (بي .بي. سي العربية)، وبعض هذه القنوات كانت تُموّل في الماضي من جهات استخباراتية في الدول الغربية، ومن السذاجة أن يتصور البعض أنها جاءت لخدمة المواطن العربي؛ فقناة الحرة -على سبيل المثال- تجمل الوجه القبيح للاحتلال الأمريكي في العراق، والهدف الحقيقي لكثير من هذه القنوات هو دعم سياسات هذه الدول في العالم العربي الذي يمتلك منابع النفط ويتحكم في طاقة العالم، وبعض هذه القنوات لها أجندة محددة لتحقيق هذه السياسات، وتزايدها في الآونة الأخيرة دليل على تزايد حجم الاهتمام بالمنطقة وفق مشروعات معلنة أبرزها الشرق الأوسط الجديد، وكثير من هذه القنوات تسيطر عليها جماعات صهيونية لخدمة المخططات والمصالح الإسرائيلية، ولا نستغرب وجود هذه القنوات، ولكن نستغرب عدم وجود قنوات عربية مماثلة تخاطب الغرب، وهو ما يؤكد أننا -حتى الآن- لا نمتلك أجندة خفية أو معلنة تجاه الآخر.
أخيراً.. هل تعتقد أن الصحافة السعودية (في مجملها) فاعلة ومشكلة للرأي العام؟
إذا كانت الإحصائيات تؤكد أن العرب من أقل الشعوب إقبالاً على القراءة، يصبح الحديث عن تأثير الصحافة في تشكيل الرأي العام ترفاً، لكنها وسيلة للتثقيف، والمعرفة، وخاصة أن الجزء الأكبر من هذه الصحف رسمية حكومية، فضلاً عن تزايد تأثير التلفزيون، وصحافة الإنترنت بصورة تفوق الصحف والإذاعات .
الاستاذ عبد الحي شاهين منقوووووول