مشاهدة النسخة كاملة : غُرْبة ضَمِير.


المغترب
03-27-09, 11:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


مقال أعجبني فهاهو بين يديكم..


أ. عبد الله الطارقي .







كثيراً ما تنشأ علاقة حميميَّة بين الإنسان وبيئته بما تحويه، ومحيطه بكل ما فيه، وكأنه ثم تواصل غير ملفوظ، وعلاقة حب بغير ضجيج ، تعمل عملها بين قلبين أحدهما روحاني لطيف، والآخر جامد المظهر طاهر المخبر.


إنه حب عذري طاهر، فكم هو لطيف ذاك الحنين الذي يربطك ببيئتك حَجَرها.. ومَدَرها.. وبَشَرها؟


حتى يغدو البعد عن أولئك الثلاثة غربة، فنرى المغترب إن كان قادراً على التعبير ملأ وقته بآهات الشوق للأهل والأحباب والبلاد، وسطّر ذكرياته وآماله في العودة لمسقط الرأس.. يمنِّي نفسه بقرب الرجوع ليروي ظمأه من مرابع الوطن.


ولذا تجدنا نتعاطف مع ذلك المغترب لعمل أو دراسة أو علاج أو غيرها؛ إيمانًا منّا بأن للغربةِ ألماً نفسياً مزعجاً بل ربما تركت آثاراً باقية على نفسية المغترب كلما ألمّ به موقف، أو هزه الشوق للأهل والوطن.


مع ذلك كله نعلم أن المسافر سيعود عما قريب – غالباً- وإن طال سفره وآلمته غربته، والمكتئب لغربته وبعده عن الأهل والأحباب سرعان ما تصبح تلك الآلام ذكرى ماضية، وتاريخاً يتفكّه به في المجالس، ولكني أظن أن ألم الغربةِ يكون أعمق حين يتغيّر من غربة جسد إلى غربة ضمير، ومن غربة جماد إلى غربة روح ، ومن غربة شخوص إلى غربة نفوس.


حينها يكون الألم أعمق والأثر النفسي أكبر، ولعل دليل ذلك أنّ غربة الجسد أصلاً لا تأخذ بُعداً مؤلماً حتى تنضاف إليها غربة النفس. فكيف إذا كانت الغربة غربة معان محضة وضمائر وقيم؛ تلك هي الغربة المؤلمة والطامة العامة.


• عاش الإمام الشافعي شيئاً من غربة الضمير والقيم، فسأله بعض الذين أحس بغربة الضمير بينهم أن يحدثهم وهو يرى عدم أهليتهم للحديث فكان مما أنشأ شعرًا في ذلك:


لعمري لئن ضيعت في شر بلـــدة فلست مُضيعاً بينهم غرر الكلـم
فإن فرج الله اللطيف بفضــــله وصادفت أهلاً للعـلوم وللحكم


بثثت مفيداً واستفدت ودادهـــم وإلا فمكنون لدي ومكتتــم
ومن منـح الجهّال علما أضاعــه ومن منع المستـوجبين فقد ظلم

* ولذلك أخي القارئ الكريم : حين تعيش في بيئة تفشو فيها الأثرة، ويندر فيها الإيثار، ويرى الناس كرم الطباع، وسخاء النفس وإيثارها لأحبابها عن نفسها أمراً غريباً؛ حينها تشعر بغربة ضمير حقيقية بين ظهراني أناس لا يهتم أحدهم أبعد من أرنبة أنف نفسه!


* وكم تكتوي نفس الكريم ألماً حين يجد في كثير من البيئات التي تنتسب للعلم - وأهلها مسلمون- أنهم ينظرون للفكرة النّاشئة من مبدأ ديني بنظرة توحي بعدم الاعتزاز بالنص الشرعي وأهدابه، والاحتفاء به، حتى يغدو صاحبها مضطراً لأن يجمع حولها البراهين، ويزيّنها بأقاويلَ من هنا وهناك حتى تقبل؛ وكأنه يحمل بضاعة مزجاة يتكفف الناس أن يقبلوها عنه! فكم يكتوي الضمير الحي من غربة (قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ) بين ظهراني بعض المسلمين.


* وغربة ضمير أخرى تتجلى في موقف بعض معلمي ومعلمات مدرسةٍ ما، إزاء عطاء ذلك المعلم الموهوب الطموح، وجهد تلك المعلمة الباذلة لوقتها ومالها ؛ من أجل طلابهم رجاء أن يفيدوهم وينفعوهم، فيحملهم الضمير اليقظ الحي الذي يحملونه على استغراق كل سبيل يمكن أن تصل بها رسالتهم التربوية والقيمية.



وفي الوقت نفسه ليت هذه المعلمة الفاضلة تسلم من تخذيل بعض صويحباتها، وليت ذلك المعلم الطموح يسلم من تندّر زملائه ، ولولا استمرار ذلك المعلم الدؤوب وتلك المعلمة الطموحة في عطائهم لضاع كثير من فلذ الأكباد في كثير من المحاضن، والظن أنه لم يمنع ازدياد هؤلاء العاملين، إلا كثرة من يلومهم؛ إذ ينقسمون ما بين معجب متفرج، وبين مثبِّط يلومهم على عطائهم.ألست ترى معي أن ذلك الضمير الحي يعد في غربة بين ظهراني صنَّاع الضمائر.


* والحمد لله أن أصحاب الضمائر الحيّة المتيقظة لا يستسلمون لعذّالهم، ولا تتحطم نفوسهم وهممهم لكثرة الناقدين، وقلة المعينين، وندرة السالكين؛ لأنهم يجدون سلوتهم بالجزاء العظيم الذي ينتظرهم، وبالحق الجليل الذي يحملونه، وبالضمير الحي الصادق الذي لا يعرف الخنوع للمطامع، أو الركون للرذائل، أو القعود عن الفضائل.

أبو سلطان
03-27-09, 12:41 PM
* والحمد لله أن أصحاب الضمائر الحيّة المتيقظة لا يستسلمون لعذّالهم، ولا تتحطم نفوسهم وهممهم لكثرة الناقدين، وقلة المعينين، وندرة السالكين؛ لأنهم يجدون سلوتهم بالجزاء العظيم الذي ينتظرهم، وبالحق الجليل الذي يحملونه، وبالضمير الحي الصادق الذي لا يعرف الخنوع للمطامع، أو الركون للرذائل، أو القعود عن الفضائل.
مشرفنا القدير مقال رائع وأختيار جميل جدا

الوااايلي
03-27-09, 01:23 PM
http://abeermahmoud2006.jeeran.com/515-welldone.gif

الوافي
03-27-09, 01:40 PM
دمت مبدعاوبروكت جهودكـــــــــــــــــــ

فيصل عبدالله الحريري
03-27-09, 03:11 PM
@مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه@

صاحب رأي
03-27-09, 03:12 PM
لعمري لئن ضيعت في شر بلـــدة فلست مُضيعاً بينهم غرر الكلـم
فإن فرج الله اللطيف بفضــــله وصادفت أهلاً للعـلوم وللحكم

جزاك الباري خيرا على روعة الإختيار..

المغترب
03-27-09, 03:57 PM
أشكر كل من مر بالموضوع فلكم كل الحب والوفاء..

الفريـــــد
03-27-09, 04:46 PM
مقال جميل ونقل واختيار ممتاز دلت شخصكـ الكريم والمتميز ....
لكـ خالص شكري وتقديري.....

شموخ وايل
03-27-09, 05:05 PM
الغربه اخي ليس من كان بعيد الوطن والاهل الغربه هي غربه الذات ان تغربت بها لن اعود ...

رائع اشعر انك تبث معاناتك هنااااا...تقبل تعليقي

اختك في لله

ابوعلي المرواني
03-27-09, 11:04 PM
* وغربة ضمير أخرى تتجلى في موقف بعض معلمي ومعلمات مدرسةٍ ما، إزاء عطاء ذلك المعلم الموهوب الطموح، وجهد تلك المعلمة الباذلة لوقتها ومالها ؛ من أجل طلابهم رجاء أن يفيدوهم وينفعوهم، فيحملهم الضمير اليقظ الحي الذي يحملونه على استغراق كل سبيل يمكن أن تصل بها رسالتهم التربوية والقيمية.
أخي المغترب طرح أكثر من رائع 00سلمت لنا ودمت0