المعتصم بالله
10-03-08, 12:10 PM
من شواهد عبقرية ابن تيمية
--------------------------------------------------------------------------------
يتوارد إلى الخاطر أحيانا هذا السؤال:
كيف ينزل الله في الثلث الأخير ، وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار ثلث أخير؟
هذا سؤال ناتج عن الوعي بالواقع الجغرافي للعالم، ولم تكن مثل هذه الأسئلة تصاغ في القرون السابقة، ولكن من شواهد عبقرية ابن تيمية أنه أجاب إجابة صحيحة وعلمية جغرافيا عن سؤال كهذا قبل أكثر من سبعمائة عام.
في جواب عن سؤال كهذا سئل لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله قال : ( من قال إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد وهذا قد احتج به طائفة وجعلوا هذا دليلًا على ما يتأولون عليه حديث النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته! فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعًا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر. فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند نصف النهار فإنها تضيء على ما أمامها و خلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل. ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين الشمالي والجنوبي نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك: إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين رحاوية تشبه حركة الرَّحَى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف. والمعمور المسكون من الأرض، يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل. والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير. وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو [أربعمائة مصنف] وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه حينئذ يكون إما وقت غروبها وإما قريبًا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي نورها. فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان فيكون بينها وبين المغرب أيضًا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية، وإذا توسطت عليهم وهو وقت استوائها قبل أن تَدْلُكَ [أي تميل عن الاستواء] وتَزِيغَ ويدخل وقت الظهر كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية.
وإذا كان كذلك والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته: هو "إذا بقي ثلث الليل الآخر"، وأما رواية النصف والثلثين فانفرد بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: "إذا بقي ثلث الليل الآخر". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر.
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر[النزول] أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة. ولفظ "الليل والنهار" في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: 114]، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: "صم يومًا وأفطر يومًا" وقوله: "كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بركعة". ولهذا قال العلماء كالإمام أحمد بن حنبل وغيره : إن صلاة الفجر من صلاة النهار. وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم: "نصف النهار" فإنما يعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهار النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر. وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا الليل المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقت العشاء إلى نصف الليل" أو "إلى الثلث" ، فهو هذا الليل. وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا.
وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: "أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه". واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر. فإن كان المراد بالحديث هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ حتى يطلع الفجر". فقد أخبر بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية: "إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر". وقد قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل: يشهده اللّه وملائكته.
وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثًا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دوامًا من ذلك وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبًا من ثمن الزمان وتُسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبًا من سدسه وربعه وأكثر من ذلك.
ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة وهو خمس عشرة درجة من المعمور ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثًا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلًا ونهارًا، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثًا فكيف النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟ فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام وللّه الحمد قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "زُوِيَتْ لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسَيَبْلُغ مُلْكُ أمتي ما زُوِي لي منها" [وقوله: "زُوِيَتْ": أي جُمِعت]. وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال: إن هذا [النزول، والدعاء] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن [نزول عَشِيَّة عَرَفَة] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتُصَفَّد [أي: تُوثق وتُقيَّد]. شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم. وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصًا بالمؤمنين، فهم وللّه الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عامًا؛ فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل: ليل صيفهم قصير، قيل:وليل شتائهم طويل، فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في الأثر: "الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله".
وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث، لزم ألا يزال تحت العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن اللّه محصور فيه، فلا يكون قط فوق العرش. وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي، وأيضًا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد. وأيضًا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضًا. فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر. وما كان قريبًا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي. وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب. وأيضًا، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق أيضًا عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة. فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعًا من وجوه كثيرة: منها: أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها: أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدًا ليقع كذلك، ومنها: أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد نزل على غيرهم أيضًا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير والطول والقصر.
فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلًا كنزول العباد، من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو أيضًا في تلك الساعة نازلًا على سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو يقصر. وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال: يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك. فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ضالون، ثم يصيرون قسمين:
قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون به الكلم عن مواضعه. وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف. ويقولون: إن قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران:7] يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا اللّه، والحديث منه متشابه كما في القرآن وهذا من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يَدْرِ هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه وهو المتكلم به ابتداء. فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم؟! فضلًا عن الأنبياء! فضلا عن أفضل الأولين والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم؟! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة.
ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه. ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله. وهم مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن أعظم القَدْح؛ لكن لم يعرفوا ذلك. ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه.
وقسم ثان، من الممثلين للّه بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات: من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولُبٍّ. وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ: "ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر"، وفي حديث آخر: "أقرب ما يكون الرب من عبده في جَوْف الليل الآخر"، وفي صحيح مسلم: "إن اللّه ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل"، وفي صحيح مسلم أيضًا : "إذا مضى شَطْر الليل أو ثلثاه، ينزل اللّه إلى سماء الدنيا" فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء.
وأما النزول الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه. وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص.
وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجَّاج، وكذلك نزوله بالليل.
وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رَزِين: للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر"، قال: يا رسول اللّه، كيف ونحن جميع وهو واحد؟! فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا به، فاللّه أكبر". وقال رجل لابن عباس رضي اللّه عنه كيف يحاسب اللّه العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة).
المرجع: مجموع الفتاوى المجلد الخامس .
--------------------------------------------------------------------------------
يتوارد إلى الخاطر أحيانا هذا السؤال:
كيف ينزل الله في الثلث الأخير ، وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار ثلث أخير؟
هذا سؤال ناتج عن الوعي بالواقع الجغرافي للعالم، ولم تكن مثل هذه الأسئلة تصاغ في القرون السابقة، ولكن من شواهد عبقرية ابن تيمية أنه أجاب إجابة صحيحة وعلمية جغرافيا عن سؤال كهذا قبل أكثر من سبعمائة عام.
في جواب عن سؤال كهذا سئل لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله قال : ( من قال إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد وهذا قد احتج به طائفة وجعلوا هذا دليلًا على ما يتأولون عليه حديث النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته! فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعًا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر. فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند نصف النهار فإنها تضيء على ما أمامها و خلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل. ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين الشمالي والجنوبي نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك: إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين رحاوية تشبه حركة الرَّحَى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف. والمعمور المسكون من الأرض، يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل. والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير. وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو [أربعمائة مصنف] وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه حينئذ يكون إما وقت غروبها وإما قريبًا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي نورها. فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان فيكون بينها وبين المغرب أيضًا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية، وإذا توسطت عليهم وهو وقت استوائها قبل أن تَدْلُكَ [أي تميل عن الاستواء] وتَزِيغَ ويدخل وقت الظهر كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية.
وإذا كان كذلك والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته: هو "إذا بقي ثلث الليل الآخر"، وأما رواية النصف والثلثين فانفرد بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: "إذا بقي ثلث الليل الآخر". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر.
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر[النزول] أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة. ولفظ "الليل والنهار" في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: 114]، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: "صم يومًا وأفطر يومًا" وقوله: "كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بركعة". ولهذا قال العلماء كالإمام أحمد بن حنبل وغيره : إن صلاة الفجر من صلاة النهار. وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم: "نصف النهار" فإنما يعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهار النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر. وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا الليل المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقت العشاء إلى نصف الليل" أو "إلى الثلث" ، فهو هذا الليل. وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا.
وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: "أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه". واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر. فإن كان المراد بالحديث هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ حتى يطلع الفجر". فقد أخبر بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية: "إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر". وقد قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل: يشهده اللّه وملائكته.
وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثًا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دوامًا من ذلك وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبًا من ثمن الزمان وتُسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبًا من سدسه وربعه وأكثر من ذلك.
ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة وهو خمس عشرة درجة من المعمور ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثًا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلًا ونهارًا، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثًا فكيف النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟ فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام وللّه الحمد قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "زُوِيَتْ لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسَيَبْلُغ مُلْكُ أمتي ما زُوِي لي منها" [وقوله: "زُوِيَتْ": أي جُمِعت]. وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال: إن هذا [النزول، والدعاء] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن [نزول عَشِيَّة عَرَفَة] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتُصَفَّد [أي: تُوثق وتُقيَّد]. شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم. وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصًا بالمؤمنين، فهم وللّه الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عامًا؛ فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل: ليل صيفهم قصير، قيل:وليل شتائهم طويل، فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في الأثر: "الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله".
وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث، لزم ألا يزال تحت العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن اللّه محصور فيه، فلا يكون قط فوق العرش. وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي، وأيضًا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد. وأيضًا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضًا. فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر. وما كان قريبًا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي. وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب. وأيضًا، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق أيضًا عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة. فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعًا من وجوه كثيرة: منها: أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها: أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدًا ليقع كذلك، ومنها: أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد نزل على غيرهم أيضًا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير والطول والقصر.
فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلًا كنزول العباد، من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو أيضًا في تلك الساعة نازلًا على سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو يقصر. وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال: يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك. فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ضالون، ثم يصيرون قسمين:
قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون به الكلم عن مواضعه. وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف. ويقولون: إن قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران:7] يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا اللّه، والحديث منه متشابه كما في القرآن وهذا من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يَدْرِ هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه وهو المتكلم به ابتداء. فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم؟! فضلًا عن الأنبياء! فضلا عن أفضل الأولين والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم؟! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة.
ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه. ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله. وهم مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن أعظم القَدْح؛ لكن لم يعرفوا ذلك. ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه.
وقسم ثان، من الممثلين للّه بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات: من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولُبٍّ. وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ: "ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر"، وفي حديث آخر: "أقرب ما يكون الرب من عبده في جَوْف الليل الآخر"، وفي صحيح مسلم: "إن اللّه ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل"، وفي صحيح مسلم أيضًا : "إذا مضى شَطْر الليل أو ثلثاه، ينزل اللّه إلى سماء الدنيا" فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء.
وأما النزول الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه. وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص.
وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجَّاج، وكذلك نزوله بالليل.
وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رَزِين: للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر"، قال: يا رسول اللّه، كيف ونحن جميع وهو واحد؟! فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا به، فاللّه أكبر". وقال رجل لابن عباس رضي اللّه عنه كيف يحاسب اللّه العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة).
المرجع: مجموع الفتاوى المجلد الخامس .