د.سحر محمودعيسى
08-05-11, 01:27 AM
قصة قصيرة بعنوان:
لأنك بيننا
............. بقلم د/سحر محمود عيسى..........
-1-
قبلت جبينها بقبلات حارة ولم تستطع أن توقف نزيف الدموع وهى تتأمل وجه أمها المشرق قبل الرحيل إلى مثواه الأخير. لحظات وصار المنزل خاويا مظلما ساكنا موحشا، تماما كالمكان الذى صار مستقرا للأم. حاولت بعد شهور عديدة أن تستعيد توازنها ونظرتها للحياة من أجل الوفاء بوصية والدتها، وكى تحافظ على سيرة والدها العطرة فأخذت تجتمع بأصدقائها أو جيرانها بعد يوم شاق يتبادلون أحاديث الانتخابات والبطالة والبرامج الفضائية وغلاء المعيشة وعلى الوجوه ابتسامة هادئة ساخرة. حاولت ان تعطى لابتسامتها بريقا كما كانت وحاولت ان تجمع أشلاء نفس ممزقة وأن تطرد أنات حارة تختال بمشيتها بين جنبات نفسها، إلا أنها سرعان ما كانت تأوى إلى نفسها بعد الصلاة تتأمل وجهها فى المرآة وتنتظر ضوء الصبح حتى تلقاها تذهب الى مستقرها تسرع الخطو و تاوى اليها ،هناك تصرخ بلا صوت وتتأوه بلا أنين وتتكلم بلا حروف، تسمع لوحدها ذالك الهمس الساكن فى جدران المكان الذى طالما دار بينهما:"ما بك بنيتى" لماذا لم تلتق بصديقاتك اليوم لماذا ارى علامات العبوس على وجهك لماذا تسيرين بنفس كسيرة ممزقة برغم الابتسامة المصطنعة على وجهك لماذا ..ولماذا..ولماذا...الأسئلة عديدة والهمس الحانى يجئ مفعما بالصدق والحرارة إلا ان كلماتها هى كانت تحمل وميضا واحدا لا يتغير نبضه كنت أحيا.......لأنك بيننا
-2-
وقف أمام روضته الشريفة الطاهرة وقد التزمت نفسه الصمت بعد ان كان يعد العدة منذ سنوات فى أنه كان سيهمس لحبيبه بكلمات وكلمات .لا يدرى ماذا حدث بل ماذا أصابه ،صمت، ودموع، شوق، ولهفة، سكينة ،وارتعاشة، هدوء وصخب يطوف فى أرجاء المكان ولا يرى الا ذاته ولا يسمع إلا انينه وهمسه ولا يرى إلا وجهه وفجاة يسمع صوتا هادئا يحاوره يستمع اليه وكأنه يقول: هاانت ذا تنقل عن نفسى الضعيفة ما لم تستطع البوح به..الآن:
جئت اليك وفى الفؤاد نبضة ساكنة طالما تهفو اليك...جئت اليك من واد مظلم انتزعت نفسى منه اليك....يا حبيبى هل تعلم اننا أصبحنا نعيش فى كهف مظلم ومتاهة غامضة الا ان ثمة خيطا نورانيا لا يزال يسرى فى حنايا بعضنا يدفعنا للخير للرحمة للعطاء للحب، يحثنا على الطهر على الصفاء....على الحياة....يجمعنا، يضمنا يأوينا ،يربت على أكتافنا المتعبة هل تدرى لماذا لم يضعف الخيط يوما ؟ ولماذا برغم الظلام ما زالت العقول تعى المتاهة والكهف وتسلك طرقات الليل الداج؟....ولماذا تقتات نفوسنا حتى الآن من زاد الروح الطاهرة؟ ولماذا.....ولماذا؟...................لأنك بيننا
-3-
من زحام الاتوبيس وضجيج القاهرة وصخب المقاهى وصوت الباعة، الذى يغلب على كل شئ، يمضى حياته لا يكاد يشعر بيومه الماضى او يستشرف الآت..كل شئ ينتهى فى لحظات، افتقد المتعة والتأمل والدهشة وانتظار الحلم، لم يعد يتنفس الأشياء بعمق، حتى وقت الصلاة لم يعد ينتظره كما كان يفعل من قبل بعد ان أقنعه صاحب العمل الجديد بأن عليه ان يستمسك برزقه وقوت يومه بكل السبل. نظر اليه مليا ثم قال :وهل التزامى بالصلاة فى أوقاتها سيعد عائقا امام الرزق ألا نعلم جميعا ان الحق سبحانه أقسم على الرزق وان.....أشاح صاحب العمل بوجهه بعيدا عنه وأكمل حديثه:
لا تدخلنى فى حديث لم أنطق به، نعم ما قلته يعد صحيحا ولكن الالتزام بقواعد العمل أيضا يعد واجبا وأمانة...وبعد مناقشة ساخنة ترك كلاهما الآخر يمضى فى طريقه واخذ يردد فى نفسه كلام صاحب العمل ويتذكر الإيجار وغلاء والمعيشة ومصاريف الدراسة......وحياة القاهرة المكلفة التى جاء اليها راغبا منذ اشهر قليلة،اوهم نفسه بأن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير واتفقت معه زوجه فى هذه الوجهة، فبعد ان يعود الى منزله يؤدى الصلوات الفائتة بسرعة ويقرأبسرعة بعض آيات من الذكر الحكيم قائلا لنفسه -كل يوم:إذا وجدت متسعا من الوقت سأذهب سريعا الى أقاربى فى القرية واذا وجدت لدى جزءا من المال سأشترى بعض الملابس البسيطة لفقراء قريته كما كان يفعل..واذا توفر لديه بعض الوقت سيزور جاره فى المستشفى وسيحاول مساعدته..وسيحاول القيام بالليل لأداء بعض الركعات "وسيحاول" اشياء واشياء وأقبلت نفسه على العمل بكل صدق وتفان واخلاص وشئ من الاطمئنان لأنه وجد ثمرة جهده سريعا فقد رقى من درجة الى اخرى والجميع يحبونه ويتعاونونه معه ، أما رؤساؤه فهم دائما ما يمدحونه ويسندون اليه المهام الصعبة ويمتدحون اخلاصه وتفانيه فى العمل لذا فهو يمضى وقته كاملا فى العمل فقط ،بل أصبح يفتخر أمام اقاربه انه اصبح لا يجد وقتا للأكل او الشرب او زيارة والديه، ومن ثم فأنى له بالوقت الذى يسمح بزيارة الأقارب او حضور المناسبات الاجتماعية أو زيارة المريض كما كان يفعل من قبل، وعندما أراد ان يفخم من ثقل المهام المسندة اليه من رؤسائه الكبار- ثقة فيه هو تحديدا - وهذه المهام تتطلب التركيز الكامل وصرف الوقت كاملا فيها اراد بكل هذا ان يغلق باب النقاش امام هذا الأمور السطحية التى يثيرها بعضهم بين حين واخر قائلا : لقد بلغ من انشغالى الدائم أننى لا اجد وقتا كى أؤدى الصلاة فى وقتها كما كنت لذا فأنا أصليها مجتمعة بسرعة بعد عودتى لأنى أعود منهكا وكثيرا ما "أضطر"الى تأجيلها الى الغد..نظر الحضور الى بعضهم البعض وهم يستحضرون صورة ذلك الشاب المثالى الذى كان وكان..
اصابته رغبة شديدة فى أن يلحق بكل شئ وأن يعمل كل شئ وان يحقق كل شئ وان يخلص فى كل شئ والأهم ان يلتمس لنفسه العذر فى تقصير له او تفريط وهكذاحافظت نفسه على هذا الميثاق، برغم انه منذ ان بدأ يجمع الصلوات فى لحظات سريعة ويغفل عن انسام الخير الكثيرة فى قيام الليل وغيره ، لم يعد يرى تلك الورود المتفتحة التى كانت تستقبل نفسه كل صباح، تناديه وتبتسم له لم يعد يلمس قطرات الندى الصافى بيديه، لم يعد يلمح ابتسامته الصادقة فى المرآة لم يعد يتنفس الحياة كما كان يفعل من قبل لأنه أصبح يرى وجها آخر لا يعرفه برغم أن الجميع يعرفونه .لم يكن سرا يخفيه على نفسه الكسيرة ربما يكون سرا على الآخرين ولم يعد يحتمل تلك الصرخة المكبوتة بعد ان شعر ان قلبه قد صار مثقلا بالهموم والآلام وبعد سنوات لم يعد يفكر طويلا ولم يتأمل كثيرا ولم ينتظر. ترك سيارته فى ركن موحش وترك معها أشلاء نفس موحشة مظلمة، ومضى بخطوات واثقة مسرعة بعد ان لاح خيط النور أمامه مد إليه يدا وبأعلى صوته صرخ قائلا:كنت أنا ..لأنك بيننا....
-4-
كان مناضلا بكلمته لم يستجب يوما لهؤلاء وهؤلاء تحتفظ نفسه الأصيلة بقيم ومبادئ راسخة فى أعماق الذات، يعيش مع صحبة القلم الذى رافقه دوما فى كل معاركه ولم يتخل عنه يوما لأنه لم يتخل عن ثوابته ومبادئه حتى عندما ارتبط بزوجته استشار قلمه وتوجه المداد تلقائيا الى زميلة كانت تشاركه بعض المبادئ والنضال .هى تعمل فى جهة اخرى وصحيفة لها توجهات مختلفة، لكنه يقتنع بأن التقارب والاختلاف معا يمنحان الحياة مذاقا مدهشا..أنجب عددا من الأبناء وكان فى البداية يطيل التفكير فى أمر يشغله :كيف ينشئ أبنائه على القيم والمبادئ هل يلقى على مسماعهم بين الحين والآخر بعض النصائح والعظات؟هل يصحبهم الى الندوات المهمة والمنتديات والملتقيات وحلقات النقاش؟هل يحفزهم على قراءة ما كان يقرؤه هو؟هل يحرص على تذكيرهم بشكل دائم على قيمة المحافظة على الصلاة والصدق والتقوى ومراقبة الله -عز وجل -فى كل صغيرة وكبيرة؟هل.....وهل.......وهل..مرت الأيام والسنوات لم يفعل شيئا من كل هذ،لم يعظ ،لم يذكر،لم يأمر ،لم ينه..بل ترك نفسه الهادئة على سجيتها وتلقائيتها وعفويتها،بإيجابياتها،بسلبياتها..ترك كل خيوط عمره وأيامه تسرى بروحها بين أبنائه تروح وتغدو بينهم كيفما شاءت،وكانت سعادة غامرة لا تخلو من دهشة وهو يرى أبناءه يسيرون تقريبا على نفس خطواته ودربه وهو الذى لم يكلف نفسه حتى عناء السرد القصصى وحواديت الآباء عن رحلة الكفاح والنضال ،إلا أن ثمة تساؤلا لم يتركه لحظات يمتزج بنفسه الرحبة كيف تفتحت هذه الزهور المفعمة بالحب والحياة على هذا الشكل ولكنه لم يترك الحيرة تغتال براءة الدهشة والتساؤل فكما كان دائما يحتضن قلمه بسرعة عندما تطل الأفكار برأسها عليه وتحاصره بإلهامها الرائع الفياض اوتغدو اليه الكلمات والتعبيرات الرقيقة الجذابة بخطوات واثقة نحوه فيبتسم سريعا لها حتى لا تتسلل من بين يديه، فلا يترك لها ثقبا تنفذ منه، فهكذا كان يفعل مع التساؤلات المدهشة وفى أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك وجد أبناءه يسرعون اليه واحدا تلو الآخر يقبلون جبينه ويضعون بين يديه باقة من الورود التى يحبها..يصمت ويتأمل كعادته..وينظر الى كل الأشياء المحيطة به بل ينظر الى رحلة حياة طويلة وسفر وترحال مع النفس ومع الكلمة ومع الحياة وقبل أن يتوجه الى ابنائه بتساؤله المصاحب له:وجد عيونهم جميعا متجهة إليه تهمس إليه فى براءة وصدق:........لأنك ..بيننا.............................
لأنك بيننا
............. بقلم د/سحر محمود عيسى..........
-1-
قبلت جبينها بقبلات حارة ولم تستطع أن توقف نزيف الدموع وهى تتأمل وجه أمها المشرق قبل الرحيل إلى مثواه الأخير. لحظات وصار المنزل خاويا مظلما ساكنا موحشا، تماما كالمكان الذى صار مستقرا للأم. حاولت بعد شهور عديدة أن تستعيد توازنها ونظرتها للحياة من أجل الوفاء بوصية والدتها، وكى تحافظ على سيرة والدها العطرة فأخذت تجتمع بأصدقائها أو جيرانها بعد يوم شاق يتبادلون أحاديث الانتخابات والبطالة والبرامج الفضائية وغلاء المعيشة وعلى الوجوه ابتسامة هادئة ساخرة. حاولت ان تعطى لابتسامتها بريقا كما كانت وحاولت ان تجمع أشلاء نفس ممزقة وأن تطرد أنات حارة تختال بمشيتها بين جنبات نفسها، إلا أنها سرعان ما كانت تأوى إلى نفسها بعد الصلاة تتأمل وجهها فى المرآة وتنتظر ضوء الصبح حتى تلقاها تذهب الى مستقرها تسرع الخطو و تاوى اليها ،هناك تصرخ بلا صوت وتتأوه بلا أنين وتتكلم بلا حروف، تسمع لوحدها ذالك الهمس الساكن فى جدران المكان الذى طالما دار بينهما:"ما بك بنيتى" لماذا لم تلتق بصديقاتك اليوم لماذا ارى علامات العبوس على وجهك لماذا تسيرين بنفس كسيرة ممزقة برغم الابتسامة المصطنعة على وجهك لماذا ..ولماذا..ولماذا...الأسئلة عديدة والهمس الحانى يجئ مفعما بالصدق والحرارة إلا ان كلماتها هى كانت تحمل وميضا واحدا لا يتغير نبضه كنت أحيا.......لأنك بيننا
-2-
وقف أمام روضته الشريفة الطاهرة وقد التزمت نفسه الصمت بعد ان كان يعد العدة منذ سنوات فى أنه كان سيهمس لحبيبه بكلمات وكلمات .لا يدرى ماذا حدث بل ماذا أصابه ،صمت، ودموع، شوق، ولهفة، سكينة ،وارتعاشة، هدوء وصخب يطوف فى أرجاء المكان ولا يرى الا ذاته ولا يسمع إلا انينه وهمسه ولا يرى إلا وجهه وفجاة يسمع صوتا هادئا يحاوره يستمع اليه وكأنه يقول: هاانت ذا تنقل عن نفسى الضعيفة ما لم تستطع البوح به..الآن:
جئت اليك وفى الفؤاد نبضة ساكنة طالما تهفو اليك...جئت اليك من واد مظلم انتزعت نفسى منه اليك....يا حبيبى هل تعلم اننا أصبحنا نعيش فى كهف مظلم ومتاهة غامضة الا ان ثمة خيطا نورانيا لا يزال يسرى فى حنايا بعضنا يدفعنا للخير للرحمة للعطاء للحب، يحثنا على الطهر على الصفاء....على الحياة....يجمعنا، يضمنا يأوينا ،يربت على أكتافنا المتعبة هل تدرى لماذا لم يضعف الخيط يوما ؟ ولماذا برغم الظلام ما زالت العقول تعى المتاهة والكهف وتسلك طرقات الليل الداج؟....ولماذا تقتات نفوسنا حتى الآن من زاد الروح الطاهرة؟ ولماذا.....ولماذا؟...................لأنك بيننا
-3-
من زحام الاتوبيس وضجيج القاهرة وصخب المقاهى وصوت الباعة، الذى يغلب على كل شئ، يمضى حياته لا يكاد يشعر بيومه الماضى او يستشرف الآت..كل شئ ينتهى فى لحظات، افتقد المتعة والتأمل والدهشة وانتظار الحلم، لم يعد يتنفس الأشياء بعمق، حتى وقت الصلاة لم يعد ينتظره كما كان يفعل من قبل بعد ان أقنعه صاحب العمل الجديد بأن عليه ان يستمسك برزقه وقوت يومه بكل السبل. نظر اليه مليا ثم قال :وهل التزامى بالصلاة فى أوقاتها سيعد عائقا امام الرزق ألا نعلم جميعا ان الحق سبحانه أقسم على الرزق وان.....أشاح صاحب العمل بوجهه بعيدا عنه وأكمل حديثه:
لا تدخلنى فى حديث لم أنطق به، نعم ما قلته يعد صحيحا ولكن الالتزام بقواعد العمل أيضا يعد واجبا وأمانة...وبعد مناقشة ساخنة ترك كلاهما الآخر يمضى فى طريقه واخذ يردد فى نفسه كلام صاحب العمل ويتذكر الإيجار وغلاء والمعيشة ومصاريف الدراسة......وحياة القاهرة المكلفة التى جاء اليها راغبا منذ اشهر قليلة،اوهم نفسه بأن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير واتفقت معه زوجه فى هذه الوجهة، فبعد ان يعود الى منزله يؤدى الصلوات الفائتة بسرعة ويقرأبسرعة بعض آيات من الذكر الحكيم قائلا لنفسه -كل يوم:إذا وجدت متسعا من الوقت سأذهب سريعا الى أقاربى فى القرية واذا وجدت لدى جزءا من المال سأشترى بعض الملابس البسيطة لفقراء قريته كما كان يفعل..واذا توفر لديه بعض الوقت سيزور جاره فى المستشفى وسيحاول مساعدته..وسيحاول القيام بالليل لأداء بعض الركعات "وسيحاول" اشياء واشياء وأقبلت نفسه على العمل بكل صدق وتفان واخلاص وشئ من الاطمئنان لأنه وجد ثمرة جهده سريعا فقد رقى من درجة الى اخرى والجميع يحبونه ويتعاونونه معه ، أما رؤساؤه فهم دائما ما يمدحونه ويسندون اليه المهام الصعبة ويمتدحون اخلاصه وتفانيه فى العمل لذا فهو يمضى وقته كاملا فى العمل فقط ،بل أصبح يفتخر أمام اقاربه انه اصبح لا يجد وقتا للأكل او الشرب او زيارة والديه، ومن ثم فأنى له بالوقت الذى يسمح بزيارة الأقارب او حضور المناسبات الاجتماعية أو زيارة المريض كما كان يفعل من قبل، وعندما أراد ان يفخم من ثقل المهام المسندة اليه من رؤسائه الكبار- ثقة فيه هو تحديدا - وهذه المهام تتطلب التركيز الكامل وصرف الوقت كاملا فيها اراد بكل هذا ان يغلق باب النقاش امام هذا الأمور السطحية التى يثيرها بعضهم بين حين واخر قائلا : لقد بلغ من انشغالى الدائم أننى لا اجد وقتا كى أؤدى الصلاة فى وقتها كما كنت لذا فأنا أصليها مجتمعة بسرعة بعد عودتى لأنى أعود منهكا وكثيرا ما "أضطر"الى تأجيلها الى الغد..نظر الحضور الى بعضهم البعض وهم يستحضرون صورة ذلك الشاب المثالى الذى كان وكان..
اصابته رغبة شديدة فى أن يلحق بكل شئ وأن يعمل كل شئ وان يحقق كل شئ وان يخلص فى كل شئ والأهم ان يلتمس لنفسه العذر فى تقصير له او تفريط وهكذاحافظت نفسه على هذا الميثاق، برغم انه منذ ان بدأ يجمع الصلوات فى لحظات سريعة ويغفل عن انسام الخير الكثيرة فى قيام الليل وغيره ، لم يعد يرى تلك الورود المتفتحة التى كانت تستقبل نفسه كل صباح، تناديه وتبتسم له لم يعد يلمس قطرات الندى الصافى بيديه، لم يعد يلمح ابتسامته الصادقة فى المرآة لم يعد يتنفس الحياة كما كان يفعل من قبل لأنه أصبح يرى وجها آخر لا يعرفه برغم أن الجميع يعرفونه .لم يكن سرا يخفيه على نفسه الكسيرة ربما يكون سرا على الآخرين ولم يعد يحتمل تلك الصرخة المكبوتة بعد ان شعر ان قلبه قد صار مثقلا بالهموم والآلام وبعد سنوات لم يعد يفكر طويلا ولم يتأمل كثيرا ولم ينتظر. ترك سيارته فى ركن موحش وترك معها أشلاء نفس موحشة مظلمة، ومضى بخطوات واثقة مسرعة بعد ان لاح خيط النور أمامه مد إليه يدا وبأعلى صوته صرخ قائلا:كنت أنا ..لأنك بيننا....
-4-
كان مناضلا بكلمته لم يستجب يوما لهؤلاء وهؤلاء تحتفظ نفسه الأصيلة بقيم ومبادئ راسخة فى أعماق الذات، يعيش مع صحبة القلم الذى رافقه دوما فى كل معاركه ولم يتخل عنه يوما لأنه لم يتخل عن ثوابته ومبادئه حتى عندما ارتبط بزوجته استشار قلمه وتوجه المداد تلقائيا الى زميلة كانت تشاركه بعض المبادئ والنضال .هى تعمل فى جهة اخرى وصحيفة لها توجهات مختلفة، لكنه يقتنع بأن التقارب والاختلاف معا يمنحان الحياة مذاقا مدهشا..أنجب عددا من الأبناء وكان فى البداية يطيل التفكير فى أمر يشغله :كيف ينشئ أبنائه على القيم والمبادئ هل يلقى على مسماعهم بين الحين والآخر بعض النصائح والعظات؟هل يصحبهم الى الندوات المهمة والمنتديات والملتقيات وحلقات النقاش؟هل يحفزهم على قراءة ما كان يقرؤه هو؟هل يحرص على تذكيرهم بشكل دائم على قيمة المحافظة على الصلاة والصدق والتقوى ومراقبة الله -عز وجل -فى كل صغيرة وكبيرة؟هل.....وهل.......وهل..مرت الأيام والسنوات لم يفعل شيئا من كل هذ،لم يعظ ،لم يذكر،لم يأمر ،لم ينه..بل ترك نفسه الهادئة على سجيتها وتلقائيتها وعفويتها،بإيجابياتها،بسلبياتها..ترك كل خيوط عمره وأيامه تسرى بروحها بين أبنائه تروح وتغدو بينهم كيفما شاءت،وكانت سعادة غامرة لا تخلو من دهشة وهو يرى أبناءه يسيرون تقريبا على نفس خطواته ودربه وهو الذى لم يكلف نفسه حتى عناء السرد القصصى وحواديت الآباء عن رحلة الكفاح والنضال ،إلا أن ثمة تساؤلا لم يتركه لحظات يمتزج بنفسه الرحبة كيف تفتحت هذه الزهور المفعمة بالحب والحياة على هذا الشكل ولكنه لم يترك الحيرة تغتال براءة الدهشة والتساؤل فكما كان دائما يحتضن قلمه بسرعة عندما تطل الأفكار برأسها عليه وتحاصره بإلهامها الرائع الفياض اوتغدو اليه الكلمات والتعبيرات الرقيقة الجذابة بخطوات واثقة نحوه فيبتسم سريعا لها حتى لا تتسلل من بين يديه، فلا يترك لها ثقبا تنفذ منه، فهكذا كان يفعل مع التساؤلات المدهشة وفى أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك وجد أبناءه يسرعون اليه واحدا تلو الآخر يقبلون جبينه ويضعون بين يديه باقة من الورود التى يحبها..يصمت ويتأمل كعادته..وينظر الى كل الأشياء المحيطة به بل ينظر الى رحلة حياة طويلة وسفر وترحال مع النفس ومع الكلمة ومع الحياة وقبل أن يتوجه الى ابنائه بتساؤله المصاحب له:وجد عيونهم جميعا متجهة إليه تهمس إليه فى براءة وصدق:........لأنك ..بيننا.............................