مشاهدة النسخة كاملة : هلا / عائدة


يسري راغب
05-26-11, 11:21 AM
هلا في الاردن
------------
توقفت النيران , وخمدت الحرائق , بعد أن أكلت الاخضر واليابس فى العاصمة العربية التى شهدت مجزرة تاريخية كبرى فى حق الانسان الفلسطيني .
وترك " ثائر " موقعه الاعلامي حاملا مدفعه , من بيت الى بيت , قاصدا زميلا له من ابناء العاصمة العربية , يختفي عنده لفترة يمكنه بعدها الخروج شمالا باتجاه المواقع الجديدة للقوات الفلسطينية , حيث اضطرت الغالبية العظمى من رفاقه للذهاب اليها بعد وقف اطلاق النار مباشرة .
كانت الساعة السابعة مساء عندما طرق الباب بخفة , وسمع صوت " هلا " ابنة زميله فى الموقع الاعلامي , وخطيبته منذ أشهر عدة والتى فتحت له الباب وأغلقته خلفه بسرعة وهى تطلب منه الحرص والحذر فى كل كلمة امام والدها الذي يدعي الوقوف مع الثورة بكل قوة , وهو ليس الا رجلا من رجال السلطة , ولحسن خظهما سويا لم يكن متواجداً فى البيت لحظتها , وتمكنت "هلا" من اقناع والدتها باخفاء الامر عن والدها حتى ساعات الصباح الاولى .
لم يكن من السهل اقناع الام بالامر الخطير , كما توقعت "هلا" و"ثائر" معاً , وانها لن تكتم سر وجوده عن الاب ان طال الوقت خلال ساعات الليل .‎, فقررت " هلا " ان توهم امها بان "ثائر" مصمم على الرحيل فى التو واللحظة على ان تنتهز فرصة انشغال امها فى المطبخ كعادتها لتخفى "ثائر" فى غرفة جانبية من المنزل , بعد ان اتفقت معه على ان تسرق مفاتيح سيارة والدها الرسمية الخاصة به وتسلمها له ليسافر بها خارج الحدود!!
وتمت العملية التى خطط لها "ثائر" و"هلا" سوية , انتقاما من والد "هلا" الذي جبن امام ارهاب السلطة , وخاف على نفسه فباعها لعله ينقذها وهو لا يعرف انه اضاع ذاته وشرفه وكرامته , وأول درس له سيكون على يدي ابنته "هلا" وخطيبها "ثائر" بعد ان يخطفا سيارته ويسافرا بها الى خارج الحدود سوية , ويكونان بهذا العمل , قد كسبا للثورة مدا ينتقم من الجزر الذي احدثته تلك المجزرة فى صفوفها .
ومع أذان الفجر , نهض "ثائر" الذي لم تغفل عينه للحظة واحدة طوال الليل , على وقع اقدام " هلا " وهى تحمل حقيبة متوسطة الحجم فى يدها , ومفاتيح سيارة والدها الرسمية فى اليد الاخرى , فأخذ منها الحقيبة وتسابق الاثنان باتجاه السيارة الواقفة على الرصيف المجاور للمنزل , وانطلقا بها الى الشمال سوية , ليعيشا الثورة بأمل جديد ..!
-------------------
نشرت في الخليج / الامارات عام1982
</b></i>

يسري راغب
05-26-11, 11:22 AM
عائد وعائده
-----------
وجدت نفسها فجأة فى عربة جيب تخطفها الى حيث لا تعلم اين ومتى وكيف حدث هذا ..؟؟ كانت الساعة تزيد على الواحدة بعد منتصف ليلة سوداء مظلمة .. والذين سحبوها من غرفة نومها لم يسمحوا لها ان ترى بالعين المجردة .. حاولت ان تصرخ محتجة فكمموا لها فمها , تأوهت وتنهدت ثم صمتت … مرت دقائق سمعت بعدها صراخ وجلبة , تبينت الصوت وصاحبه فعرفته ,… كعادته يثرثر ويناقش ولا يصمت .. والصمت لا يعجبه فيغني اغنية التحدي الدائمة على لسانه .. وتسمعه قويا يقول : مين اللى قام يدافع ؟ مين اللي هز المدافع ؟ ولا يسمحوا له بالاستمرار فى غنائه المفضل , وبكل الغطرسة والكبرياء , المعروف عنهم يؤلمونه , فلا يصرخ الا باسم فلسطين وباسم الثورة الشعبية , انها تذكر الان اول مرة التقته فى كافتيريا الجامعة وقالت له انه مشاغب ورد عليها مصرا : انا لا استطيع ان اكون اقل من ذلك وسط هذا الهدوء .. وفى لقائهما الثاني شاركته حبه للشغب ..
وبعد عـام مضى على حبهما للشغب سألته : ماذا حدث ..؟ أراك تكره الشغب ..!!
فرد عليها بحذر : لان الاخرين بدأوا الشغب ضدنا … والحلقة تضيق حولنا , ولم تمض ايام على ذلك الحديث بينها وبينه حتى رأت نفسها بجانبه فى عربة جيب واحده حيث ضاقت الحلقةالى الحد الذي شعر الاخرون عنده بضرورة تضييقها الى عقدة تعصر الامل .. اهتز بدنها , وشجعت كل اغراء عندها فى مناداته لتطمئنه انها فى العقدة بجواره , مالت على احد الجوانب المدببة لترفع الكمامة وتقول انا عائده … انا بجانبك .. وقبل ان يستفيق هو من المفاجأة , هجم عليها رجل لم تعرفه واغلق فمها بيده .. تأوهت , تألمت , فاسترد وعيه , صرخ بكل قوته منشدا : عائدون ..عائدون .. عائدون … اننا لعائدون يا عائده ..
ضربوه ولم يصمت …, انه المشاغب الأمثل .
وعندما أحضروها أمام المحقق اجابته على كل الاسئلة ولكنها سألته سؤالا واحداً :
- لماذا كل هذه الاسئلة ..؟؟
- لأنكم ضد المعادلة ..!
- ومتى أصبحنا ضد المعادلة ..؟؟
- حاولتم القفز علينا دون أن تستأذوننا ..!!
- وهل هذا يساوي عندكم مجزرة ..؟؟
- لقد اخذتم دورنا , وهذا وحده كاف لذبحكم ..!!
- وماذا عن وطننا , هذا ما يهمنا ..؟؟
- انه المعادلة .. وطنكم ضدكم وانتم ضد وطنكم ..!!
- وأين وحدة الهدف ..؟ أين المصير المشترك ..؟
- الفاظ يتلاعبون بها … كما يطلقون عليك اسم عائده , وأنت سجينة فى زنزانتي ..
- أطلق سراحي , واعطني فرصتي احمل اسمى وأعود به الى موطني ..؟؟
- هذا غير مسموح به .. وانى اقترح عليك تغيير اسمك ..؟؟!!
- لا ..لا يمكن .. لن اغير اسم عائده … ولن أعود لاجئة … سأحتفظ باسمي كما هو .. سيبقى نورا لغيري .. ولتعلم اننى لا احمل هذا الاسم وحدي هناك مئات والاف غيري يحملون مثل اسمى فى داخل وطننا وفى خارجه .. انت تعلم أن هذا الاسم منقوش فى قلوبنا ولن نجتثه .
- وهل تعرفين مصيرك ما دمت مصرة على اسمك ..؟؟
- أعرفه وأملي ان افوز به …
- ما هو ..؟؟
- سنرجع يوما الى حينا , ويرجع العندليب يغنى لنا فى ارضنا ..
- انها اغنية …!!
- لكنها الحقيقة فى حياتنا ..
- لقد جاءوا بزميل لك فى الليلة الماضية … اسمه " عائد " ..!!
- أين هو ..؟؟ ماذا حدث له ..؟؟
- لم يحدث له شىء .. لقد عاد من حيث أتى ..
- هل اطلقتم سراحه ..؟؟
- لم أقل ذلك … لقد كان , وقبل ان يولد لم يكن ,.. لقد مات بالسكتة
القلبية ..
- ودوت منها صرخة متشنجة , فأمسكها المحقق من شعرها بغضب قائلا :
- لقد عاد من حيث آتى .. فهل تحبين ان تكون عودتك مثل عودته …
- اريد ان اعود من حيث اتيت .. اعيدوني الى موطني .. اذبحوني هناك ..
- لقد مات المشاغب دائما اذن … وكانت امنيته ان يموت فى بلدنا ..
وبعد شهر من الزمان , هدأت بعده الامور , كمموها مرة ثانية , ورموا بها خارج الحدود مع مجموعة من زملائها , والقت نفسها على الارض الخضراء اليابسة فى يأس وألم , وأغمضت عينيها تنهمر دموعها باكية .. ومضت عليها دقيقة او دقيقتان قبل ان تسمع صوتا حنونا تعودته مشاغبا يناديها باسمها , ولم تصدق نفسها , وفتحت عينيها المغلقتين لتراه امامها واقفا بشموخ كالجبل , انه هو المشاغب ذاته … لم يمت كما قيل لها … لا تصدق ما تراه امامها … ولم تستطع ان تنطق بكلمة واحدة غير اسمه:
عائد … عائد ..
ووجدته يمد لها يده لتقف شامخة مثله قائلا بحزن يشوبه التحدي : نعم ... نعم يا عائده .. انا عائد بلحمه ودمه ..
ونهضت , ولم تتمالك الا ان تعانقه , وانخرطت فى بكاء عرائسي ..
- لقد قالوا لى انك .. انك ذهبت شهيدا فى الزنازين ..
- وقالوا لى نفس الكلام عنك … انهم لا يفعلوها … انا لا أصدق ان يفعلوها 000 كل ما حدث كان اثبات وجود لوجودهم … كل ما تم كان خطئا لا بد من
اصلاحه .
- وهل تثق بهم بعد الان يا عائد ..؟؟
- لا بد من ذلك … لا بد من ذلك يا عائده ..؟؟
- ولكنى لن أفعل ..
- يجب أن تفعلي ..
- هل انتهيت ايها المشاغب ..؟؟
- ابدا .. ولكنى صاحب حق … وصاحب الحق لا يضام ابدا ..!!
- ولكن …
ووضع يده برفق وحنان على تغرها , قبل ان تكمل عبارتها , وبدأ فى الغناء :" مين اللى قام يدافع .. مين اللى هز المدافع " .
وبعد شهور قليلة , تسلل عائد فى مجموعة واحدة مع عائده الى داخل الوطن المحتل وهم ينشدون :- عائدون … عائدون … اننا لعائدون … فالقلاع والحصون لن تكون … اننا لعائدون ..
وفى منتصف الليل من ذلك اليوم , وضع "عائد" يده متشابكة فى يد "عائده " بعد أن حاصرتهم طائرات ومدرعات العدو , وقبل ان يستشهدوا فى معركة غير متكافئة سألها عائد : هل تتزوجيني … فأجابته : نعم .. أتزوجك … وكان يوم زفافهما هو يوم استشهادهما .
-------------
نشرت في الوحدة الظبيانية عام1983م
</b></i>

يسري راغب
05-13-12, 12:38 PM
تحديث
-------
ياقدري الذي يشدني الى قبري , ارجوك أجل دعوتي للسفر ..
الكل اصاب من هذه الدنيا وطره وأنا الباقي على الطرف المجمد فيها ,
ابحث عن حيويتي , وديمومتي ,
فلا اجد امامي سوى ذكرى سنين مضت من حياة الطفولة والشباب
تغنيني في فقري المدقع الذي اعيشه بعيدا عن وطني ..
ماذا جرى في الكون حتى يبدوا سود متجهما وغليظا , والأمل في تغييره اصبح من العقوبة , مرضا خطيرا ..
والحلم دواء وداء لكل علة فيه فلا يجدي معه صراخا او عويلا , ولا ينبري للوائه سوى المنافقين ؟
هذه الحياة ليس لي فيها نصيب كبير ,
ولا يهمني منها قليل او كثير ,
فما دمت مسيرا لا املك ارادتي الا مقهور ,
فالاختيار امامي محاصر او محدود