الشاعرة ليلى العنزي
12-16-10, 08:50 PM
كنت امل ان الحقها بجزء اخر
لكن هي الايام ولا ندري ماتخفي
سلخت بعض التواريخ او .......عدلت............لغاية بالنفس
لانني سادع فتاتي تعبر براحتها
نشرت من سنوات بموقع واحد وسحبتها لسبب تعبوي
كانت تحت لقب......سديمه الاحلام لقبي انا
والان اخر رقصات الحبارى او ...بما قصدت>>اخر آلام انثى
.....................ليلى العنزي
اخر رقصات الحبارى
بسم الله الرحمن الرحيم
مازال في عمري بقية .......
ولكنني اليوم سأنهي قصتي معك ....
تواريخ تواريخ ..
تواريخ سئمتها لكن أعدك بأن اليوم سيكون تاريخاً مميزاً
فكل مفكرات السنين التي مضت منذ ذلك اليوم جمعتها واحتفظت بها.لم يكن فيها شيئاً مهماً
ولكني لم اترك تاريخ ورقة فيها يمر هكذا عبثياً او عادياً لأني لم أكن لأترك أوراقها بيضاء خالية وهي التعبة التي قبعت وسط اللاشيء فلا شيء يكسر لونها أو وحدتها .
لذا فقد كتبت على كل صفحة منها (أكرهك)
آه. عشرون عاماً وأنا في كل يوم اكتب على ورقة منها (أني اكرهك)
فتأخذ الورقة ميزتها ويحمل التاريخ ايضاً ميزته .فتصبح تلك التواريخ قيمة .
إذاً اليوم اعدك بأنه سيكون هناك تاريخا ًمميزاً .
تاريخاً ابقي من بعده كل الاوراق يتيمة .....
اليوم سينتهي كل شىء......
اتذكركم كنت تحب رقصاتي الكلاسيكية وكم كنت تعشقها ارجع بذاكرتك عشرين سنة وتذكر كم كنت تحبني عندما يهطل المطر فأسرع إلى الشارع لأرقص معه فنمتزج سويا ًفلا أعود إلا وشعري الطويل قد ابتل بطهر السماء وجسدي متمايل مع نغمات المطر ...
ها أنا ذا اليوم ارقص لك الرقصة الأخيرة.اليوم ارقص على روحك الممزقة المهترئة .سأرقص لك بجسدي الذي اتعبته السنين سنين خلت وشيء ما في عقلي يحترق ..اتراها بعض ذكرانا الجميلة أم قساوة ما حصل لنا وكيف باتت قصتنا حزينة لا أدري فأنا احترق كل يوم .لانني أعيش بمحرقة في داخلي .فاقت محرقة هتلر على كل حال ليس مهماً فكل شيء هذه الأيام صار مبهماًخفياً. ندري ولاندري به ام ترانا اعتدنا ان نعيش الحقيقة في عقولنا وننكرها أمام الناس؟؟ .ربما لاننا نخشاهم نوعاً ما.
اليوم ستسقط الأقنعة التي ألبسنا إياها الزمان .. بيدي ساكسر حاجز صمت بنته السنين . اليوم سيبدأ فجر جميل يستمد خيوطه من شعري الطويل من ضفائري الصغيرة .
كل شيء في عيني غروب .غروب وغربة .
يالهذه المصادفة غريبة بعيدة ...ادري انه ليس مهماً فلطالما كنت في بلدي غريبة ومغربة ومشاعري الملعونة ايضاً كانت مغربة .
اتدري ؟لاأعرف ماذاسأختار من موسيقا لأرقص لك بجسدي الذي أنهكته الأيام.ربما سأختار شوبان أو متزارت فهما مثلي يحبان أن يعلون بسرعة إلى القمة في اللحن ويهبطان فجأة فأعلو معهما واهبط كمن سقط من على جبل . فأسقط بقوة تلك السقطة الجميلة التي عوضاً عن أن تشعرك بالموت تذكرك بالحياة الحياة الجميلة ومعناها.
عشرون عاماً وأنا أحاول أن أقول لك شيئاً أو اكتبه .وما فائدة ذلك . فقد كنت كل يوم اكتب لك سطراً على ورقة وأمزقه في الصباح التالي وأعود لأكتب لك غيره ربما لأنه لم اكتب شيئاً مهماً أو لأني كنت أعيد السطر نفسه.
اليوم احس بشيء غريب في داخلي . كروح تنتهض من مقبرة الأحياء.اشعر بأني أريد أن أتكلم وأتكلم . ليس مهماًأن يكون كلامي منمقاً أو مرتباً ولست أريد أن يكون كلامي بذي أهمية.
الآن ستتكلم روحي وسيتكلم جسدي وسيكتب قلمي الذي لم يتحرك كل تلك السنين وكأنه قد مات . هاهوذايستعيد جره كأنما نهضت روحه مع روحي يبدو انه حتى هو ملّ من رقادي ورقاده.
آه.. شيء صعب لاادري من أين ابتدء ولاكيف ولا من أين . فبدايتك نهاية ونهايتك بداية كأننا في صراع مع الروح نبني ملحمة ملحمتنا أنا وأنت . لن تكون كيوبيدية لأنها ليست خرافة فدمك ودمي فيها.
سيكون كل شيء فيها حقيقي . هاهي الأوراق أمامي كما وضعتها في عام 1999. حينما فكرت أن أكتب روايتي للمرة الأولى . نفس الأوراق ونفس القلم فكل شيء على حاله منذ ذلك اليوم انظر للتاريخ
حتى هو مميز . كما ولحن الموسيقا الذي اخترته.
اليوم سأرقص لك بجسدي رقصتي الأخيرة رقصة الموت الذي لاحياة بعدها .أرقص لك . نعم سأرقص لك لكن لن أرقص كراقصة بل كأفعوان تتمايل بحركات هائجة .
وسأسطر لك كل شيء ياعزيزي على صفحاتي البيضاء التي غير لونها غبار كل تلك السنين وسأرسم حياتك البالية هنا من دمك العفن وسأضعها جدار خيانتك كي تتملق عليه ...
فلا جدار يحمل خيانتك كي تقلق عليه وليس هناك جدار يحمل ايقونة رسمت بدم خائن إلا روحه الممزقة المهترئة التي ما عاد فيعا سيء إلا الغرور .
ها أنا أقطف آخر ورقة بالمفكرة .../12/ /12/ 2009
اليوم سأرسم النهاية معك ولكن أي نهاية .
ماذا وكل شيء قد انتهى بيننا منذ زمن لم يعد هناك شيء يذكر . ام تراه الانتقام أم تراني اريد استرجاع ذكرياتي لأكتشف نفسي المسروقة... نفسي الضائعة التائهة . هل أريد أن استنزف الماضي واعصر مخزون ذاكرتي لأقطر منها شراباً يملأه كل مرار الأرض والدنيا .....
لا أدري فأنا لربما أصبحت عاجزة عن أي شيء هل تراها صحوة متأخرة كالعادة كل شيء في حياتي ناقص وينتهي دون نهاية......
لذا قررت هذه المرة أن أضع النهاية بنفسي مع هذا الصبح . الصبح الذي كان يذكرك بوجهي الجميل آنذاك.
أتذكر حينما كنت تقول لي أنني أشبه الياسمين الدمشقي الأبيض ....
حينها لم أكن أدري كيف أشبهه بوجهي ... أم برائحتي. لكن اليوم فقط عرفت مقصدك ...
شجرة تعطي أحلى ما عندها تتحدى سواد العالم تتحدى بشاعته بورودها البيضاء تهدي لونها الحاسم إلى القلوب النقية تملئ بأريجها مزابل أفكارنا وتخترق وحشية الشياطين التي تسكنها شجرة لو قطفتها أنبت لك الجزر منها من جديد ...
هاأنا اليوم ألملم أشيائي المبعثرة لأستعد للرحلة الأخيرة معك ومع نفسي ومع روحينا الضائعين .
لا أدري هل وجودي في هذا البلد أكان مهماً له ام لا ...
مؤكد لا .. فمؤكد لن يحزن علي أن فارقته ، فانا لاأعني له شيئاً، فهو لم يحمل معي إلا وزن جراحاتي وآهاتي وآلامي وبعضاًَمن أحلامي المنكسرة ..
أظنه لم يكن سعيداً بمواطنه /جامدة / إذ أن حتى التراب يكره الناس الاستهلاكية الناس التي تأخذ فقط وتعيش على تعب الآخرين . ليس مهماً عنده ماتدفع لكن يهمه أن تعطيه شيئاً غير مادي . رغم أن ترابنا يحتاج للمادة كي يعمر ويبني لكن أظنه يفضل أن نكون آزوتاً أو سماداً لترابه فقط. أليس غريباً
أن هناك شيئاً لا يقبض ثمناً مادياً ..
صحيح لم يكن هناك شيئاًمهماً أعطيه لهذا البلد .
لكن في هذا الصباح سيشهد ما كان ينتظره .
سيكون البلد الذي بدأت منه هذه الرواية الأولى ...وربما الأخيرة على كل حال لاأنتظر منه وسام شرف . وليس مهماً لي بعد أن أموت أن يمنحوني جائزة . كما لا يعني لي إذا أصبحت للسندويشات .
تلف بأوراقها وتعطي للزبائن وبالتالي للمهملات .
ولكن ......
من تراه يأكل شيء ملفوف بعفن كل تلك السنين !!!!!!
أم ان الناس اعتادت طعم العفن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كذاكرتنا العفنة التي لا شيء جديد فيها ...لربما كان يجب علينا أن نجدد كل شيء في حياتنا وأن لانقبع بين جدران الزمن ننتظر أن يعدُ وبنا . والمشكلة أننا لاندري إلى أين. او ربما قد صرنا نمشي مع الدنيا على هواها وليس هناك أهمية . فاليوم مثل البارحة ـ والبارحة مثل الغد . والاختلافات هنا نسبية أوإنما هنالك أصحاب للاختلاف وأصحاب للنجاح والتفوق . وأصحاب لمن باتو ملاك الغش والكذب . بالأحرى (الحزلقة) فنحن في زمن الشطار : والشاطر من لو انهار العالم لا ينهار . من لو جرف العالم كل شيء بقي صامداً لاينجرف . لا بل يجرفك ويجرف من حوله ......
أتعلم .....
لربما لم يعد مهماً أن نلتقي ......
فلا لقاء بعد اليوم ليجمعنا .
الآمال كلها انتهت ... وبات كل شيء مكشوفاً .
أقنعتنا زالت مع السنين ولم تعد وجوهنا مهمة . أصبحنا كشيء يجمع الماضي والحاضر .. يختصر الزمان بعجزه .لم تعد كما كانت سابقاً ... لربما عيوبنا لم تعد تبصر كاالامس . وأي أمس ؟؟ والزمان عندنا قد تجمد وتحجر .... وكيف تمر السنوات هذه كلها ونحن فيها لم تتغير . وغدونا رواية لزمن شلت فيه العقول عن القراءة فبات الزمن يعدو من أمامنا ومن خلفنا ولكنه دوماً أمامنا دون أن يعبء بنا . زمن لم تعد فيه للصباح طعمه ولم نعد نشتم فيه رائحة الزهور .زمان بات مظلماً رغم كل النور الذي ترسله الشمس إلينا وينوب عنها القمر ليلاً ...بقناديله المنتشرة /النجوم/
زمان يعتق فيه الأرواح النبيلة ويلقي بها خلف الجدران ...زمان يجعلنا كلنا فيه أسرى حرب . زمان يقتلنا من قبل أن نولد . ويرسم مصيرنا الأسود . والنهايات التعيسة فقط . أم تراه أنا و أنت ولدنا من قبل أن يولد حبنا العذري ... لا أدري ....
ولم أسأل ... من أسأل يا ترى نفسي ولا أدري أنا من أكون حقاً ومن هي نفسي ... أتراني لعنة أرسلها الماضي القابع بين كتب التاريخ المظلمة ... أو أنني من تلك الفلسفة البليدة التي يحاول بعض المهرطقون إقناعنا بها مع أنها قد تكون بلا قيمة ولانفع لنا أو لهم .
حياة ... ماعسانا نكون فيها ربما أنا وأنت محاور لا أكثر . ربما جسور يعدو عليها الزمن . حتى الزمن لا أظنه بحاجةالينا ومن له حاجة بجسدين بلا روح . لكن مهلاً من تراه قد سلب روحنا ومن علمنا فلسفة الأشتياق وسلبها ووضع عوضاً عنها كرهاً بليغاً .
من ذا الذي قتل حلمنا وجعلنا أرامل حب هرم . عشرون سنة وأنا أهديك في كل صباح لعناتي أرسلها لك مع فنجان قهوة سادة . لا أرسلها كي تكون سكراً ... ربما لتكون السم الزعاف الذي يستقر في الحشا ولكن مع هذا لم يكن ليقتلك بك . لربما أنا التي من كانت تريدك أن تبقى حياً فقد اعتدت على صباحي الأسود . قلبي الذي انغلق قد نسي النور فلم يعد يرغب في رؤية الضوء أو ربما لم يعد بحاجة ليرى وجهك أو يخوض في تعابيره وأخاديده التي حفرتها السنون ...
أنا لم أكن الفتاة الوحيدة التي رحلت إلى الماضي بحب عتيق ففي كل فتاة متحف تخفي فيه حباً عتيقاً . ربما حب من طرف واحد وربما حب كتب له الموت من قبل أن يولد . مثل الصغار الذين يموتون في أرحام أمهاتهم دون أن يمنحوا
فرصة لقول شيء أو حتى للبكاء . لربما كان كل واحد منهم يأمل أن يسرق من هذه الحياة اللعينة نفساً واحداً فقط .
لكن لا ...
فربما نفس واحد كان سيمنحهم الحياة ويعطيهم آلاف الأنفاس . وأكثر . هنالك أشخاص يولدون ولهم كل شيء .ومعهم كل شيء . ومقسوم لهم كل شيء .
وأشخاص كثر يولدون للا شيء . فيعيشون كنكرة على هذا الكون . يحاول واحدهم جاهداً أن يضع لنفسه مكاناً حتى لو ضئيل .
إن الأفراد أو الأشخاص أو الأطفال . غير مهمة التسمية الذين يموتون بالأرحام من قبل أن يولدوا هؤلاء الذين لم يكتب لهم حتى بضع من جزيئات الأوكسجين .
هذه هي الحياة ...
وهذه هي المعادلة ..... التي لم يفكر أحدا ًفي أن يحلها .... ولم يحلها وهي محلولة أصلاً .
أناس يكون عددهم ربما (10) أو (9) وأناساً يكونون صفراً نعم صفراً والمعادلة تحتاجهم ومؤكد هم مهمون بالنسبةإليها لذا يجب أن يظلوا صفراً ..والغريب أن الصفر هنا ليس بلا قيمة . لا يساوي شيء لكنه إذا أزيح من تلك العادلة فأنه يؤثر بالمعادلة كلها أصلا هي تقوم عليه .
مثل الأبنية التي نشيدها ونعلو بها وربما يأتي يوم وتسقط بنا ونتمنى حينما نكون تحت أتربتها لو أنها كانت طابقاً واحداً أو حجرة واحدة كي لا ندفن تحتها دون أن يرانا منقذ أو يكون قد فات الأوان على الإنقاذ أصلاً .
آه ..........
مالنا ومال تقسيمات هذه الحياة على كل الأحوال لم تكون عادلة معنا ... سئمنا منها وسئمت منا لا أحد منا يطيق الأخر لكن نحن نكمل بعضنا . مع أنه لا أحد منا يأخذ ليعطي الأخر بنفس القدر .
مثلنا أنا وأنت أنا أعطيتك كل شيء فكنت /كلي / وهبتك كل مالم تعطيك إياه حياتك . ومنحتني سنين من الغربة وألم الشقاء واللادارية لم أكن أدري أنني حمقاء أو با الأحرى مغفلة اتشحت بسوادك وبلؤمك المعهود بكل سرور.
أعطيتك صيفاً يدفء قلبك وربيعاً يسر ناظريك . فأهديتني شتاءً عاصفاً بالبرد ينقصه المطر الطاهر النظيف وأرسلت بي إلى خريف العمر المقحل . أرسلت بي إلى نهاية البداية أول بداية النهاية ؟
كيف لي أن أحبك وأنت قاتلي كيف أبتسم لصورتك التي لم تفارقني وسكينك في قلبي .. كيف أنظر إلى عينيك وعيني مكتحلة بدم خيانتك . كيف جعلت مني حمقاء غبية ؟ أنتظرك وهماً وانا التي كنت كشجرة الدر التي لم يخلق مثلها في النساء . ذكاء .. ودهاء ....وإشراقاً .....
بأي سحر سلبت عقلي وأي طلاسم قرأتها علي . كيف تقع من تهز عرش العالم بيدها كيف .... ؟
كيف أهبك حياتي فترمي بي في مقابر الأحياء . التي كنت أنت من غزل خيوط أكفانها بأوتار كذبك وخيوط غدرك كيف . ؟
لماذا تقع النساء ؟ وهن من وصفوا بالدهاء أم تراه وصف اخترعتموه لتخفوا مكركم . من الملام نحن أم دهرنا أم زمن خلفنا ورائه وعداً سريعاً وخلعنا من ذاكرته وأرسلنا إلى متاهات النسيان .
غريبة هذه الدنيا ...
الشر والطيبة فيها ندان . لكن معي أناتوحدا.. كنت الطيبة التي تتجرع شرك /20 / سنة
؟أتعرف حتى كرهك أصبح محبذاً عندي أسمع نغماته في أذني فتطربني .
تصور أنني أسمعه أيضاً في نغمات فيروز العتيقة التي كنت أسمعها كل صباح وأتذكر صباحاتنا الدمشقية التي كنا نعيشها سوياً . كنت كلما غنت فبروز أشتم رائحة القهوة وتفوح عبثاً رائحة الياسمين الأبيض وتنبعث رائحة الليمون اللبناني . وتكسر حدة رائحتهم رائحة الدماء الفلسطينية . كما ترسم في وجهي رمال صحرائنا العربية فأسمع حوافر الخيل ترقص مع دموعي المتراتبة .
كنت في فرنسا أعيش كل يوم صباحاً عربياً لكن بطريقة أخرى . كان صبحاً مسلوب الأنوار . مع أنني في بلد النور . لقد كنت حاجزاً بيني وبين الشمس . كنت مغيّب حياتي .
جعلتني أعيش كل صباح كأنه بداية لليلة جديدة . ليل حزين طويل . ليل يتبعه ليل .
كنت أتسأل هل شهرزاد روت قصتها في ألف ليلة ..... ومن منا يعيش ألف ليلة .
الأن قد أدركت معنى تلك العبارة . ألف ليلة وليلة .
أرجح أنها ليل ونهار فقط . فأنا كنت أعيش كل ليلة كأنها ألف ليلة . بالفعل .
لا أدري هل يجب أن أشكرك على أنك منحتني فرصة أن أعيش آلاف الليالي . ربما ....
لكن ما كنت أريدها . أأعترف لك بشيء كنت أتمنى أن أعيش بقربك ليلة واحدة من بعد ما افترقنا فهي عندي تساوي آلاف الليالي . آلاف الليالي لعمر واحد وربما لليلة واحدة .
على الأقل كنت لأعيش بقيمة ليلة تغني عني ليالي الدهر كله .
لم أكن لأحس ببرودة العمر تسري بي كما أحس اليوم . أو كنت فعلت أشياء جميلة وملئت روحي من المرح وأنا ألهو معك من بعدك باتت كل الليالي عندي سقيمة بعيدة لا تلبث أن تنتهي لتبدأ من جديد والمفارقة أن أسمي صبح . أسم جميل يجمع أشياء كثيرة ويعني الكثير .
إلا لي أنا صاحبت ، فقط يذكرني بأن ثمة شيء في هذا العالم يسمى صباح . وأي صباح . صباح ليلي متكرر . صباح ينتهي قبل بدايته . صباح يموت قبل الولادة . صباح من دون نور ولاشمس ما عساه يكون كسوفاً . كسف حياتي فكسف لها عشقي الأول والأخير .
عشقي الذي بدأ بي من النهاية . أرسلني إلى نهايات متعددة نهايات يولد فيها كل شيء إلا الصبح .
ربما هناك أناساً لا يعنون شيئاً لا هم ولا صباحاهم وأنا منهم فما عساه يزيد صباحي وما عساه يرد لي ولمن أصرخ ولمن أنادي . أأقول لك اعد لي صباحي . وأي صباح يشرق لي ونورك البغيض غائب .
أي صباح أعيش وأنا أعاني من كثرة حبك وكثرة كرهك .
ولا أدري أهما متعادلين أم أنه هناك من يطغى على الأخر . أم تراهما تآخيا لا أدري وليس مهماً أن أدري . فلقد انتهى كل شيء .
لم تعد هناك بداية ولم تعد هناك نهاية . دنيانا هكذا نعبرها بتصاريح كثيرة بأوراق وهموم كثيرة .
طوابع معاملات روتين ويجب أن ننفذ كل شيء إلا أنها حين تعبرنا لن تكون مضطرة لشيء أو حتى
الاستئذان على الأقل .
دنيا تنسل من بين أطرافنا المنكسرة على عتبات زمن يتشبث بنا رغم كرهه لنا . وإزدرائنا له!
دنيا تملأها براكين من الألحان تنتشر فيها الموسيقا الصاخبة . حين تفضل الاستماع للموسيقا الصاخبة تكون في لحظتها تستعد لتفجير نفسك ... لتفجير جسدك اللعين ... لأن تضرب أفكارك بألحان رهيبة أو أن تستدعي كل شياطين نفسك التعبة حيث تعيش جنوناً إراديا لا يشعرك بشيء لكن تستلذ بنهايته . جنون الفوضى جنون الأصوات العميقة التي تدخل أنفاسك وتسري بشرايينك أو تستقر بخلايا دماغك .
وهناك من يفضل الموسيقا الكلاسيكية الهادئة التي تزيد نفسه كسل على كسل التي تستدعي نفسه إلى الاسترخاء أو السفر بعيداً . ترسله في غربة منسية بعيدة وسعيدة . وفي الحالتين الموسيقى الأولى والثانية متشابهتين يحملان نفس الصفة والغرض ..... وعلينا أن نتكيف مع موسيقا الحياة ونعشقها
سواء كانت موسيقى حرب وأصوات انفجارات وقنابل منوعة .
أوموسيقى
حياة . فموسيقى أصوات الثكالا وألام المرضى تشبه نحيب الروح التائهة في جذع شجرة أسقطتها الفؤوس . لكن من الذي عرف موسيقى الدموع ؟
أن ذلك الدمع الأخرس له موسيقى لا يفقهها إلا قلة من من يهتمون لأمره أصلاً . لقد بكيت من الدموع لو جمع لألف سيمفونية في العشق لم يلحنها أحد . ولكنها كانت ألحان بحد ذاتها .
ذرفت دموعاً لوجرت لروت قواحل أرضنا وأينعت . لم تكن تحمل الملح .. بل كانت تحمل النقاء . نقاء الروح نقاء القلب وصفوة الروح كانت دموعا تحمل معها كل شيء جميل وترسم لك كل ما خبئت من حب لك في داخلي .
لكن لماذا كلنا نخشى أن ننظر إلى داخلنا كل منا يخاف من داخله . يخاف أن يغرق في أعماقه يخاف من المجهول الذي يحمله في داخله .
لا أحد منا يعرف من هو حق المعرفة .
كل منا يدعي أن قلبه أبيض .... ولكن . هل هذا صحيح .
وماذا يعني إذا كان قلبنا أبيض . ماذا يضيف لنا لون لم ولن نراه .
ربما يكون هذا اللون أصلاً مقيتاً مخيفاً .
على كل حال هنالك أناس أعماقهم مفرقة وهناك أناس أعماقهم فارغة تدور في اللاشيء فلا شيء أصلا فيها مهم . هنالك أناس اتبعوا سياسة التجويف هكذا لايحملون شيئاً البتة .ربما يخافون من الثقل وأي ثقل ثقل المشاعر أو الأوهام أوالهموم التي تحاصر الناس من كل حدب وصوب لقد أصبحنا في عالم لا ينفع الندم فيه شيئاً .
الساعة الآن التاسعة صباحاً .....
في هذا الوقت كان من المفترض أن تكون شوارع باريس منعدمة الزحام كل قد انصرف إلى عمله أومدرسته . تمشي كأنك تعد خطاك فقط لاغير .
صحيح أن الجو بارد لكن جمال المكان ينسيك كل شيء . ينسيك لماذا خرجت من بيتك أصلاً . كثرة الأنوار كثرة الجمال .. الناس التي لاتعبىء بك أصلاً .
كل هذا مزيج لخلطة غريبة لا تستغرب . فحياتنا مليئة با لخلطات . هاهي الحديقة أمامي ساكنة هادئة فيها قلة من الناس لكن يمكنك أن تتجاهلهم . الناس هنا لا يلاحقونك بنظراتهم وتكون نظراتهم إليك عابرة ولن تستدعيك بالسلام عليها ولن تنزعج من عدم التسليم .( العصافير وبعض العجائز أركان مهمة للحديقة ) . الورود كثيرة فيها لكن عبق بلادي ينقصها .
تنقصها روائح كثيرة في ذاكرتي . تنقصها ضحكات أولاد شقاوة فتيات أألفهم. أو ربما تنقصهم طفلة عمرها /10/ سنوات تلهو كأنها أميرة صغيرة خرجت من رحم الأزهار . طفلة ربما تكون أنا .
المقاعد هنا جميلة مرتبة . ليست كالحديقة التي استذكرها في مخيلتي التي أبقتها خيوط الذاكرة . لكن تلك المقاعد المكسرة كانت تعني لي أكثر .
تلك المقاعد كل مقعد يذكرني بصديق أو صديقة جلسوا معي وتناولوا بعض الأطعمة المحببة . أما هذه المقاعد فلا تذكرني إلا بالساعات التي كنت أجلس فيها وحيدة أسرح في ليل عقلي وسواد أفكاري وأحزاني . لذا لا بد أن أودع هذه المقاعد قبل أن أسافر وأكون وفيّة لشيء سيصبح مع مرور الوقت هو أيضاً ذكريات وربما سأحن إليه . أيعقل أني أتيت لأخلع رائحة أحزاني من هنا . جالت عيوني الحديقة كلها بأشجارها وعصافيرها وعجائزها . أحسست أنني أحبها . وأنها قد تكون شيئاً سيفتقدني .
وربما أكون قد خلفت ورائي مقعداً لبائسة أخرى سرقت أحلامها وأمالها . دفعة واحدة .
فما أكثر سارقي الأحلام .
لماذا هنالك من يحاول اغتصاب أحلام ونجاحات الناس . لماذا تدفع غيرة البعض إلى الحسد ومحاربة النجاح بدافع الغيرة وحب الأمتلاك . فقط ليستنزفوا أحلام الغير وطموحاتهم ويمنعون النجاح بإرساله
إلى هاوية الانعدام .
فكيف يكون هنالك قمة نجاح في عالم البؤساء .
أناس يحولون الماء في كأسك إلى أجن لأنهم يستخسرون عذبه فيك .
وداعاً يا مقعدي وداعاً ؟؟؟ لكن كن وفياً وتذكرني . ولا تشل ذكراي .
لا أدري لما اليوم أرى الشوارع بشيء غريب هذا اليوم الشارع منذ عشرين سنة وأنا أسكن فيه . لكنني اليوم أحس أني أتعرف إليه للمرة الأولى . ربما هو شعور الفراق أم أن الشوارع تريد أن تآزر معي في مسيرتي وانتفاضتي الأخيرة . أعلم شيئاً واحداً أنني ماضيةٌ إلى مكان أحمل فيه بقايا من روحي وبعض من السرائر التي باتت تتوق للأنعتاق .
أوقفت تاكسي لتوصلني إلى المطار فعلي أن أكون هناك في الحادية عشرة كي أستعد للسفر . ربما السفر الأخير وربما لا .
كانت اليوم باريس مزدحمة ليست كالأيام العادية التي تمر بها في مثل هذا الوقت لتراها عجوزاً سكنت تنتظر الظهيرة كي تستقبل أولادها .
فاليوم هو رأس السنة . اليوم ينهون عاماً ليستقبلون آخر ينكصون بعهد سنة ليوفوا بعهد آخر . الشوارع
كانت كلهامنيرة وكل شيء فيها جميل وحتى شجرة الميلاد التي تتربع وسط الساحة كانت تملأها الزينة بطريقة عجيبة وكانت تشتعل نوراً كانت عظيمة هائلة تملأ الأرجاء نوراً .
هذه الشجرة التي يقف تحتها أطفال ليتمنون لأنفسهم عاماً جديداً سعيداً . ربما مليء بالشوكلا لكن أنا عجزت أن أتمنى شيئاً وأنا أراقبها من التاكسي . ما عساني أتمنى وأنا في هذا العمر وقد فرغت آمالي بك .
كنت أراقب وجوه الناس وانظر إلى سعادتهم وكأنهم يجتمعون في مسبغة للسعادة الكل هنا ينتظر أن يرى عاماً أفضل من الذي قبله . لكن هل يا ترى ستتحقق آمالهم . لم يبقى على وصولي إلى المطار إلا القليل لكنني لم أكن أريد أن أفكر بشيء وأنا في التاكسي . كنت أريد أن أستودع المكان والناس بعيوني فقط . كنت أريد أن أختزن بعض من الذكرى وبعض من المشاهد . فكنت أريد أن أبدأ ذاكرتاً جديدة لعمر جديد .
ها هو مدخل المطار وهو ممتلئ بالناس . الكثير من الناس قد عادوا ليشاركون عائلاتهم بداية العام الجديد . ويحتفلون بسنة قد تكون الأتعس لهم أو الأسعد قدتحمل غنى وسعادة أحدهم وموت الأخر .
لكنهم يتبعون العادة ليس إلا . كنت أنتظر وصول طائرتي لأحلق في سماء هذا العالم لأقفز بروحي بعيدا لأتوحد بغيوم السماء وأداعب بأفكاري سطح القمر .
ياااه .يا لحظي رقم مقعدي هو /13/ لكن ليس غريباً . وليس مزعجاً على الأقل هو من المقاعدالأمامية .
وصلت الطائرة و قدماي ترتجفان ..اليوم سأزور تاريخاً سأزور ذاكرتي سأزور أحزاني وأفراحي سأدفن آلامي وأحزاني .
هاأنا أصعد المدرج وهاهو مقعدي بانتظاري لم تكن طائرتي مزدحمة . وهاهي تستعد الآن للانطلاق إذ كل شيء فيها كان يدفعني للرحيل أو لأن انطلق معها كأنما كانت هناك يد تشدني للسفر .
كم أكره هذه اللحظة التي هي بين الاستعداد للإقلاع والإقلاع
هاقد حلقت الطائرة في السماء أحسست كأن روحي اختطفت من الأرض إلى أعلى ببضع ثواني بين كوني على الأرض وبين صعودي إلى الأعلى . لم يكن شيئاً مخيفاً فلطالما رسمت لي أرجوحة في السماء وتخيلت أن روحي تسكن قصراً بين الغيوم ..
أغمضت عيني وتذكرت الرحلة الأخيرة لي ...
وتذكرت كيف رميت بي بين ثنايا فرنسا . وكيف جعلتني كسلة مهملات تحتوي نفاياتك ونفايات أفكارك الملعونة الساحرة بكل مافيها . أذكر حينما أتيت أول مرة لدمشق كنت فتاة في الثامنة عشرة وقد كنت أنهيت التعليم الثانوي وسافرت لسورية كي احقق حلمي في دراسة المسرح لأنني كنت اعشق المسرحيات واعشق فنها وفنانيها . واحترم فنهم الصادق الذي يؤدونه أمامك لتحس إنهم يتكلمون عنك لم أكن أحبذ المسرحيات الكوميدية مع أنها ممتعة إلا إنني كنت أفضل المسرحيات الاجتماعية .
التي يملأها الصراخ وحدة الغضب والثورة . حيث تحس بأنهم هم ثورة نفسك . من منا لم يعشق مسرحيات موليير ومن منا لم يعش مسرحية الحب واقعاً . مع أننا في زمن اغتيال الحب والبشرية .
لقد كنت أول من لتقيت به في مدخل المعهد وأول من سألته كيف وأين أسجل .
كنت لطيفاً وسيماً ولكن ليس هذا ما دعاني لسؤالك أحسست بأنني يجب أن أطلب مساعدتك دون كل الموجودين شعرت بأني أعرفك وليس هناك مسافة تفصلنا أو حرج بيننا كي أطلب عونك وفعلاً أرشدتني وساعدتني إلى أن أنهيت تسجيلي . وللمصادفة كنا أنا وأنت طلاب في نفس المعهد وفي نفس السنة السنة الأولى .
مرّت أيام ونحن ندرس أصبحنا زملاء درسنا سوياً ومرحنا وتشاركنا كثيراً من الأحلام والآمال . نسجنا مسرحيات عشق في الهواء وكنا المخرج والمؤلف والكاتب ايضاً . عملنا على أن نكون متفوقين جداً نحاول أن نثبت ذاتنا وفي نفسي كنت أحاول أن أتفوق عليك كي تزيد من حبك وفخرك بي . كان كل أصدقائنا يحسدوننا على التناغم الذي نحن فيه وعلى حبنا الجميل . كانت سنوات الدراسة تمر سريعاً دون أن نحس بها أو بثقلها . كانت سنوات جميلة كل ما فيها شاعري وبتنا نستحق تقدير الأساتذة والأصدقاء .
جميلة هي الأحلام التي عشناها وممتعة الأيام التي تقاسمنها لا أستطيع أ أنسى طعم أيام تداخلت في ثناياي تجسدت مع دمي تدافعات الذات والأنا والهوى تمتزج بك إن لم يكن الإنسان بمقدوره أن يضع
شيء فليصنع حلماً وأنا كنت مدركة أنني صنعتك حلماً لكن حلماً يتحدى وهم الخيال بالحقيقة . أيها العاشق المعشوق المبدع المنكفئ إلى النجاح المستديم . كنت متفوقاً في كل شيء قلما لا تكون متفوقاً علي . كان علي أن أعلم أن من يستطيع طحن العالم يسهل عليه طحن الحب في بوتقته .
في معبر هذه السنوات بت أدري أنه في حياتنا هذه كل شيء له ثمن . أننا مضطرين لأن ندفع ثمن كل شيء وكل كل مافي حياتنا يحمل ضريبة ما . لكن مع الحب تكون ضريبة مرتفعة جداً .
انك لا تدفع مالاً بل تدفع روحك وآمالك . وكل أحلامك المبعثرة . تدفع كل شيء مهم وربما كلك . (على مبدأ ادفع تندفع )
لكنك في بعض الأحيان لا تحصل شيئاً بالمقابل وترجع منكسراً خائباً تجر أذيال الخسارة والانهيار وما أصعب انهيار الروح صعب أن تستفيق يوماً وتجد أنك فقدت صفة الإنسان جسد لكن لا يحمل انسان ماعساه يكون أكثر من تلك الدمية التي تزرع في الحقل كي تبعد الغربان مع إنها قد تكون بحد ذاتها غراباً فهم يصنعونها بشكل قبيح . ربما يستخسرون الجمال فيها .
لقد حاولت أن تكون لي أنا وحدي
كنت أريد أن أتحدى العالم بحبك كنت أريد أن اقهر أعداء الحب والأنسانية أردت أن اقفل الأبواب بوجه سارقي الأحلام واصفع بحبي وجه المارقين أصحاب الهرطقة البالية الذين يهرطقون ويثرثرون بلا أهمية ويحاولون تدمير إنسانيتنا
لكن صعب عليهم أن يصكوا شعوباً خالية المشاعر كعملة خاوية الترانيم كجماد نزع منها ذلك الوتر الموجود مع أن تعزف عليه أو تداعبه بطرف الأصبع حتى يرق كل شيء في جسدك أو سيأتيك صدى من أعماقك ليهز خلاياك ويقول لك أنت إنسان ابكي . أبكي وطهر نفسك وأنعم بعمادة الروح . أنعم بالصفاء والصدق ولو للحظة .
الشيء الوحيد الذي لم يقدر أحد أن يسلبنا إياه هو الدموع . دموعنا ملكنا وحدنا فقط . هي هويتنا الإنسانية . هي ليست ضعف بل هي رحمة ورقة هي عذوبة وصدق هي البعد الإنساني الذي أختبئ وراء صدى الروح التي ملت من كثرة الأوام فيأتي الدمع كنهر يعيد الحياة إلى عيوننا ويغسل خدينا بلطف عميق ويحي جداول روح باتت قاحلة جافة .
دائما ًتبحث الروح عن روح أخرى تساكنها تحيا بها وتمتلئ فيها تماماً.. تماماً كما امتلأت فأصبحت كلي . كنت دائماً أحس بهجرة روحي إلى جسدك كنت أرى روحي تستقر فيك حتى أنني كنت أرى عيوني في عينيك يرسمان فيها سياسة الاستيطان حيث كانتا مستعمرتين بعيوني . كنا حبيبين يملئوهما حب المغامرة فقد كنا لا نزال شابان نمتلك الكثير من الأحلام العبثية التي لا وقت لها في حياتنا ولا مكان نحتاج لتحقيقها أن نعيش سنين كثيرة جداً لكن في وقتها كان حلمي الأهم هو أنت . أردتك أن تكون مسرحيتي .. من إخراجي وتأليفي أعدك كما أريد وأكون أنا جمهورك الوحيد .
هل تدري بأن حياتنا بحد ذاتها مدرسة اخراجية كبيرة تملأها المسرحيات ونحن أبطالها لقد جاهدنا أنا وأنت كثيراً كي نصبح ممثلين بارعين .
كنا نغوص في صفحات الكتب والنصوص ونحاول مافي وسعنا لأن نقدم شيئاً مميزاً صحيح أن سنوات الدراسة صعبة جداً.. خاصة أننا كنا نحمل نفسنا العبء الكبير . لم نكن نريد أن نصبح مجرد فنانين عاديين مهملين كقطعة خشب جافة يأكلها السوس .
مجرد فنانين ربما يأتيهم دور بسيط كل خمسة أعوام أن حالفها الحظ . فالفنانون كثر ولكن للأسف المسرح يعاني من قلة الاهتمام . والمسرحيات قليلة نسبياً والناس لم تعد مهتمة للمسرح .
سابقاً كان هو الوسيلة الوحيدة للترفيه أو التواصل مع الناس لكن في عصرنا لم يعد يملك الإنسان فيه وقتاً . ماعاد المسرح يعني شيئاً فالتلفاز غطى عليه عدا النتت والهموم اليومية التي باتت تحتجزهم في بوتقتها وترسم لهم حدود الشقاء .
أنا وأنت أردنا أن نغير فلسفة الناس تجاه المسرح أردنا أن نعيد الحياة للخشبة وأن نستعيد جمهورها .
قد كنت تكون تقول لي إن المسرح هو حياة وصحوة للضمير .
المسرح يترجم الناس . هو الشيء الذي يمكنك من قراءة نفسك ويوضح لك كل مآسيك هو ضوء الفرح ودمعة الحزن وسياسة الوطن تنبعث فيه رائحة الثورة والفكر تنبعث فيه رائحة الحرية ويفك رموز الاحتلال الفكري . هو فقط من يرسلك إلى قمة الصمود . هو من يرفع شعار الوفاء وكل شيء يتغير كل شيء يرحل إلاهو.
فقلت لك . صحيح أننا نبني مسرحا لكي نبني وطناً .لامكان فيه للحرية المقيدة .
نحن نرسم فضائنا فيه لنتحرر من فضاء رسم لنا لنعتزل قيود هيئت لناو نستعيد فضاءاتنا المرتحلة .
لكن يحزنني أن بعض أصدقائنا تركوه وحيداً وانصرفوا للتمثيل في التلفاز .
طبعاً ليس لأنهم يريدون خيانته أواعتزاله لكنهم يريدون العيش فالمسرح لا يمكن أن يمنحك مدخولاً يكفي لأن تعيش . لذا ما إن يفكر أحدنا في العائلة حتى يهاجر بعيداً عنه .
لحظتها وبعد أن أنهيت كلامي كان في داخلي سؤال يراودني وهل أنت سترحل يوماًما وتتركني مع هذه الخشبة وحدي . بعدها قطع وحدتنا وصمت أفكارنا صوت خط الأستاذ بدر كان يتجه نحونا بخطى
مثقلة لكن بالنهاية اقترب منا ورسم على وجهه ابتسامة صغيرة ابتسامته المعهودة التي تدفعك إلى الأمام وتمنحك شيئاً من الدعم . كان الأستاذ بدر مدرسنا الذي لم يكن سوى أب لنا .
قال وهو يتأملنا بعيون فرحة : صباح الخير يا أنسه صبح .
صباح الخير أستاذ بدر .
ثم ألتفت إليك وهز رأسه قائلاً لن أقول لك صباح الخير يا مجد يكفني أن صبح كلها معك فنظر الأستاذ بدر إلى الخشبة ثم قال أنتما روح المسرح أنتما العصافير التي تغرد وسط ركام الأرواح المتعبة . هل تعلمون كم عدد المسرحيات التي قدمت هنا . وكم من الأصوات علت وارتفعت معلنة ولادتها على هذه الخشبة .
قلت بصوت مرتبك . ليس مهماً أن أعلم كم من الولادات ولدت هنا فهذه الخشبة أم وأم لا تمل من كثرة الإنجاب .
بعدها ساد صمت لم يلبث أن قطعه صوتك يا مجد حينما قلت نحن أبناء الخشبة من أخذنا جزء من روحها لذا أشعراني ولدت هنا وأتمنى أن أستقر هنا .
كنت في لحظتها أشاهد فرحة في عيني الأستاذ بدر وتكسرها دمعة دمعة نزلت من عينيه كان فرحاً وفخوراً بنا كان يشعر بأن المسرح يستنهض روحه من جديد ...
هل كنت حقاً تنوي الاستقرار في المسرح أم أنك كنت تنوي الاستقرار بي والاندماج بين خلايا روحي إلى حد الانتشار فتستوطن بي وتستعمرني . كنت من دون أن أدري أتخذك مسرحي وأجعل منك المسرحية الوحيدة في حياتي مع أنك من حولني إلى نص مسرحي مهمل على بعض الرفوف ينتظر أن يبصر النور ويترقب لحظة أن يرفعه احد ما ولو عابراً ليقرأه أو يعيش بين صفحاته .
كثير من النصوص قتلت .. .. كثير منها اجهض دون رحمة هل هي كثرة الكتّاب أم أنها كثرة النصوص أم عدم الاكتراث . لربما صرنا في زمن تخطى هذه الأبعاد وعدا عنها سريعاً دون أن يشعر بها . في ذاكرة تلك الخشبة التي قد لا تعني للكثيرين أشياء كثيرة.. هنالك مخزون من الألم والحزن والفرح والثورة أن أعظم حالات التناغم في تلك الخشبة حين تتوحد مع روح الممثل فيمتزجان معاً حينها يخيل إليك أنهما يعيشان وحدة حال بعيدة عنا
خشبة لاأكثر غيرت في بعض الأزمان مفاهيم الكثير من الناس . صنعت ثورات وانتصارات وربما حروب فجرت براكين نفوس كانت تنتظر من يمنحها الشرارة الأولى لقد كان المسرح جزأً لايتجزء مني كان بيتي كان حلمي كنت كلما تمنيتك تعمقت فيه لا أزال اذكر حينما كنا نستعد لمسرحية الألم التي كنا أنا وأنت بطليها ما قاله الأستاذ بدر . اذكر حينما دخل قائلا : لاتنظروا إلى النص . لاتنظروا الي الكلمات انظروا إلى أعماقكم واستنتجوا النص . نظر إليك بحدة وقال انظر إلى آلامك أظنها أكثر من كافية . لايمكنك أن تقول كلام النص كأنك في درس قراءة عليك أن ترسم الألم في قلبك وعينيك وترسله الي وجهك هكذا تصبح مقنعاً أكثر . لم يفاجئني كلامه ابداً . شعرت انه يهزني بل شعرت انه جاء ليسيل دمعي من دون أن استدعي رائحة البصل الذي يعدونه خصيصاً ليستجدون دمع ممثل لم يعرف البكاء قط . شعرت أن الأستاذ بدر يريد أن يتخللني أنا ويكتشف المك فيّ فينشئ نصه ذلك النص الذي شعرت بأنه استوحى مفرداته مني ومنك ومن الناس اجمع كان النص مذهلاً كان ألماً محبذاً كان الماً يومياً .
غريب أن ترى نص يترجمك يكتبك في سطوره . لم يكن ذلك النص يعتمد على كثرة الأشخاص بقدر ما كان يجمع في شخص واحد كل الأشخاص يومها لم يكن الأستاذ بدر يريد المغادرة
كان الأستاذ بدر قد جهز كل شيء مسبقاً اختار عناصر مسرحيته سلفاً وكان كل شيء معداً . اختارني أنا وأنت وروند وشمس وخالد قال لنا : لن أقول لكم لاتفشلوا .
بل سأقول لكم انتم النص وانتم روح الخشب الأم . فلا تخذلوها . لااريد أن أقول لكم أتقنوا حفظ النص . بل كونوا النص .
فرحنا كلنا وشعرنا بروح التفوق وأسعدتنا نظرات الحسد التي نالتنا من رفاقنا يومها لم يكن غبطةً بل كان حسداً فقط .
لقد قرأت هذا النص كثيراً لدرجة أنني توحدت به لا بل وقد انصهرت به غريب أن ترى نص تسري كلماته بين شرايينك .
كنا في مقتبل العمر مفعمين بالشباب وأفكار الثورة ، الوحدة ، الحرية .
كان كل شيء ثوري يوحدنا بل يجعلنا نثور لن اقدر أن اصف كم ثورة بنيت في ذاكرتي وقلبي (إن مفردات العروبة قد تعني الكثير لمن يستغرق بها ) كان النص مليئاً إذا بالثورات .
قرأنا نصنا سريعا قراءة مبدئية وكأننا نريد استكشاف النص والتغلغل فيه كنا خمستنا نشكل فيه الثورة . لقد كنا ثورة الفكر و الشعب وربما ثورة الرغيف والضمير المنزلق إلى الخمود ونسطر قصته شعب لم يستسلم ابداً . لم نكن ثورة الجزائر ولا سورية ولا فلسطين .
إنما كنا ثورة الإنسان للتحرر من كون المرء عبداً .
عبودية الإنسان في أيامنا كثيرة ، أما عبداً للاحتلال يملاءه بوبائه ولن أقول أفكاره فا الفكرة السيئة وباء. وأما عبداً لنفسه لذاته وشهواته . وهنا أيضا لن أقول لأفكاره بل لسمومه (الناس هنا ضائعة وزحمة الناس هي من ضيعتها ) كان النص يتكلم عن الفقر لكن لم يقصد الفقر المادي بل تكلم عن الفقر الروحي الفقر العاطفي وكان هذا يثيرك كما تثيرك الكلمات التي تتكلم عن معانات الإنسان من رواسب أفكار الاحتلال ليست أفكار التحرر المنفرط بل بعض المعتقدات التي تشكلت كالخوف وحب السيطرة والتملك . لذا لم نشعر يا عزيزي أننا نمثل شخصاً أوبلداً بل كنا وطناً عربياً يستصرخ كنا حدوداً تبكي وتشكي من تفرقها عن الوطن الأم .
بأي حق نقسم وطننا العربي بأسلاك لنفرق دويلاته عنه . أحياناً يخيل إلي أن خارطة الوطن تبكي فراق أبنائها .
عندما ساد صمت بيننا ونحن نقرأ الأوراق التي بين يدينا كانت شمس مستغرقة بنا تنقل ناظريها في عيوننا وكنت أرى في عينيها سكوناً يخترقني وينتشر بي والكل كان يلاحظ مثلي .
قالت شمس : لاتستغربوا .
لكنني كنت أريد أن أرى كلمات هذا النص فيكم وفيّ . أتساءل إلى أي حد تشبهنا كلماته هل هو الثورة أم نحن ثورته . من نحن فيه أصوات الوطن أم رماح أبطال أهدونا انتصاراتهم وتفوقهم وأخذوا معهم صدى دمائهم .
حينها نزلت دمعة من عيني شعرت بحرقتها في عينيكم .
مضت اسابيع ونحن نتدرب ونستعد ونتهيأ في كل مرة ، نقدم المسرحية للتجربة (بروفا) كانت روحنا تنصهر تتوحد مع النص كنت أحس تلك الخشبة جزء مني كنت أحسها وطني الذي ابتعدت عنه لأصل إليها كنت أراها حلمي الذي أناضل كي أصل إليه وكان هذا الحلم هو سكني وراحتي .
كنت حينما أقف على تلك الخشبة أشعر كأنما أنا أتحرر من عبودية /2000/عام .
كأنني أولد من جديد كنت أشعر بخروجي منها كأنني أخرج من رحم أمي بل كنت أشتم رائحة أمي بتلك الخشبة .
خشبة لو ضربت بقدمك عليها لشعرت بصدى العالم كله يهتز لك وشعرت بعرشك المرسوم على أرض خرافية حينها تقلدك عليها ملكاً .
هاهو الموعد اقترب وهاهي مسرحيتنا الأولى تستعد لأن تشرق تستعد لأن تولد وأنا أكثر منها استعداداً
كان الارتباك بادياً على وجوههم . كنت أرى خوفاً من أن نكون وهماً لأشخاص وكنت أنت لاتخشى الفشل بل تخشى أن نموت .
تخشى أن لانكون مقنعين فنموت مع أول عرض لنا .
أما أنا فكنت متأكدة بأن أمي لن تضع شاهدتها على روحي بنفسها كنت آمل أن تعطيني بريق حياة أمتلئ به .
ضحكة الأستاذ بدر التي لم يكن لها معنى كانت تعني لي الكثير كنت أترجم لها كلمات عديدة كنت أفهم منها بأنه متفائل إلى أبعد الحدود . وطبعاً فتحت الستارة فتحت ، لأفتح عيني على العالم كله أول مرة أفتح عيني لأرى عشرات الناس ينتظرون ولا يدرون ما ينتظرون .
وقفت وأنا أنسي نفسي كل الأشخاص وأراهم مجموعة بلاد عربية .
كنت أراهم أرضاً وماءً وعشباً وحضارة .
كانت أول كلمات لي ...
إن كان نهاري بيدي فلما أخشى الليل . إن كان الموت يشفي من الألم فلما أخاف .
إن كان علمي الإسلام وشعاري العروبة فلما أخشى سياسة الاستعمار .
إن كنت أحمل دم عربي فلماذا أخشى على نفسي من سياسة التتريك والفرنسة والأمركة .
لاشيء يمكن أن يستعبدني وقد ولدت حرة .
في هذه اللحظة لم أكن أتكلم فقط . كنت أصرخ
كنت أصرخ وأنادي ... أنادي نفسي واستحضر شعوباً كثيرة . لا بل آلاما كثيرة .
كم أنا ممتنة لذلك الكاتب الذي ترك لي فرصة التأليف .
لم يسمي عنوان النص (الآلام) بل سماه الألم ليمنحنا فرصة إضافة بعض من آلامنا .
أنهيت الجزء الأول . فأتت شمس لتقول .
لم يسمني أبي عبثاً لم أخلق لأكون ظلاً . أنا شمس معرفة . أنا العرب الذي صهرته خيوطي أنا الفتاة التي قد تسلب الغاصب نهاره .
أنا من قد أرسل الخير ليكسر شر الأفكار المثلجة .
أنا التي لن أخضع لوجباتكم السريعة .
إن كان عنصر السرعة ينقلني إلى الشتات فأنا أفضل أن أكون السلحفاة وتكونوا أنتم الأرانب . إن جراحنا تلتئم مع كل ضحكة طفل ولو عابرة . أما جراحكم فيملأها تاريخكم الفاسد .
شرذمة عصركم لن تسبقنا . فنحن نملأ أرضنا أرثاً بما نهم الآباء من ثورات .
خرج صوتك صاخباً وأنت تمشي برهبة الممثل الذي يعطي دوراً يخاف أن ينهي نوره عند الناس قبل أن يشتعل . نظرت إلي بشيء من الخوف . وقد كنت هنا تمثل دور الغاضب . كنت كل المحتلين في شخص واحد وفي هيكل واحد .
خيّل لي أن المسرح انشطر لي ولك أنا وأنت وكأننا في مواجهة لأول مرة .
قد كنت ندي وكانت هذه معركتي لم أكن أريد الخسارة لأنني اعتبرتها قضيتي .
قلت وقتها: ما الفرق بين الجهاد والاستعباد نحن نستعبدكم ونستعبد أجسادكم .
لكن الجهاد موت يستعبد كل شيء فيكم . وربما لا يعيدكم إلى حياتكم . أما عندنا ففكرة الحياة موجودة
ثم تابعت كلامك بقول أن البقاء للأقوى .لمن يصنع انتصاراته . شريعة الغاب هي شريعة البشر أصلاً لا الحيوانات .
قطعت حصتك من الكلام . حيث أنه كان لديك الكثير لتقوله وجزءك لم ينتهي .
أنت ومن أنت أصلاً اغتصب جسدي بكل مالديك من اسلحة إليك إن كان هذا مرادك اغتصب مالي وعمري لكن أفهم بأنك لن تغتصب روحي ولم ولن تمتلك أفكاري وأرضي إن لم تلفظك فيكفيك أنها ستبتلع جسدك وتجعل منك نفاية .
حتى تميزك . لن يسعدك .ستكون أسيرها ستحيطك بدماء مقاتليها وتخنق فيك كبريائك المزيف .
ومن سيبقى في النهاية هو الله والوطن وذاكرة الدماء .
كنت منفعلة وكأننا عدوين نستعد لمعركة .
خرجت روند لتبكي ولدها الذي أفقدتها إياه نسمات الرحيل . كانت إذاً روند أم الشهيد .
قالت : لن ابكي أولادي الآن دمعاً . لن ألطم وجهي بعد اليوم .
اليوم سأتحدى أسرك واتحدي عنفك وقتلك وسأنجب أكثر . وفي كل صباح سأرسل لك طفلاً جديداً وربما خنجراً اغرسه في قلبك .
إن لم ترحل عن أرضي فإن ثمة يوم ستفوح منه رائحة دماء أولادي وهي من سيطردك .
إن لم ترحل عن أرضي ستطوي أرضي نفسها وتنفضك خارجها .
دخل خالد قائلاً : أماه لاتبكي علي فإنني استحي أن أرى دمعك يسقط على الخدود ولا يجد يدي كي تمسحه .
أماه . هاك دمي انظري فيه وجهي وابتسامتي وكلما اشتقت لي اسكبي نقطة منه على أرضي فأنتفض لثورتي من جديد .
صفق الجمهور بأعلى صوت لليدين . وظهر وجه الأستاذ بدر الذي شعرت حينها أنه لم يكن يريدنا أن نمثل ألم المسرحية بل ألمنا نحن ومشاعرنا نحن اختارنا نحن وكل واحد منا من بلد عربي مختلف .
لكنني أنا كنت أشعر أنك أنت بلدي . أنت موطني ليس بالضرورة أن أكون سورية كي أسكنك وكي انتشر بك وامتلئ.
كانتا روحانا قد عقدتا محالفة لدولتين عربيتين ينويان التوحد لا بل الذوبان ببعضهما .
كنت أشعر بانصهار روحي تدريجياً بك فكنا لوحة واحدة لرسام واحد لم يوقعها إلا بحبنا .
أسرع الأستاذ بدر إلينا ليلقي علينا مجموعة من المرادفات . مبروك رائع مميز .
لكن ماهو المميز في بضع أسطر للوطن . أظن أن وطناً سطر تاريخاً لايكتفي ببضع أسطر .
قال الأستاذ بدر : لن أقول لكم خير الكلام ما قل ودل .
لكن ربّ كلمة واحدة تشرح العالم وما فائدة الأسطر وأنتم الكتب وأنتم الرواية .شدة الفرح في أعين أصدقائنا كانت توحي بأنهم لم يتوقعوا نجاحنا بل خلت أنهم تخيلوا لنا نهاية سيئة .
ربما على الأقل صحن بيض يستهدف رؤوسنا .
أما أنا كنت أتمنى أن نتحول إلى قنبلة تستنهض رقاد العالم المستمتع بالنوم .
حتى النوم لم يعد بذي طعمه فااليالي باردة خاوية لا دفء فيها .
غادر الجميع القاعة وكذلك خمستنا كنا نريد الاحتفال احتفال نصر صغير لنا .
صحيح أنه العمل الأول والمسرحية دراسية لذلك كانت قصيرة ولا تحمل أجزاء لبدايات ونهايات إلا أنها كانت زمناً نملأ فيه بوح الكاتب وروحنا المنسية .
دخلنا إلى كافيه .
كان مقر ألتقاءاتنا . أما لنجعل منه مكان لاحتساء . قهوة بهدوء . نفس الأشخاص الذين يشكلون يومنا.
فهنالك أشخاص هم الجمر المهم في مسيرتك أو النور الذي يستجذبك حينما تكون تائهاً في سرداب دنيا ضاقت حتى بنا .
جلسنا نهنئ بعضنا أذكر يومها أنك قلت وهل ما قلناه كان كافياً وهل الوطن وحبه مختصر .
قال خالد : أن دمعة صبح كانت كافية لأن تشطر النفوس وتوصل لها آلاف الكلمات الصامتة .
هل كنا نشكل على طاولتنا وطناً هل كنا وحدة أم كنا جزء من بعض اللاشيء .
انسحب الجميع بعد فنجان قهوة سادة سادته أحاديث كثيرة وكثيرة من السعادة .
وبقينا أنا وأنت وطني الحبيب وعاصمتك أنا .
قلت لي إذن هذه البداية .
رددت عليك : آمل أن لا تكون النهاية وضحكت .
ثم قلت . أريد أن ننجز أكثر أن نبدع أو ربما أن نمتلك الخشبة .
كانت كلمة غريبة . نمتلك المسرح إذن وهل المسرح يغتصب . الخشبة لكل أبنائها .
قلت لك : إنني سأناضل سأكافح أنا لم أترك بلدي وأتحدى أناس كثر لافشل .
لن أهدي فشلي لمن أرادوا قتل أمنياتي وسلبوا متعتي في الفرحة .
قلت لي إن حياتنا تملأنا با لقراصنة وللأسف أكثرهن من الأقارب الذين يسعون لمصادرة نجاحاتنا وآمالنا ويدوسون أحلامنا وكل مرة بحجة جديدة لكن في النهاية كلها مجرد عادة فإن لم يستطيعوا إن ينجحوا حاولوا سلب النجاح إما بقتله أو بأن ينسبوه لأنفسهم
(أنت فاشل لأنك فاشل وإن نجحت فهذا لأنك تنتمي لهم ) هكذا يقتلون صنيعك ويغتالون نجاحك .
كان كلامك صادقاً لكن هؤلاء الناس في النهاية لم ولن يكونوا إلا محطات فشل والنجاح يدوس الفشل بنعاله ويعتليه . دراسة وتعب وآمال كثيرة وأحلام تزرع مرة وتفتقد مرة أخرى وصور كثيرة ترسم في المخيلة وتطبع فيها .
لاأنكر أن وجودك في حياتي خفف علي وطئت الأيام بل كنت أحياناً لاأرى في المعهد غيرك ، أنسى وجود الأشخاص وتبقى أنت ولا يشاركك أي بعد آخر .
كنت أحب فلسفتك وأحب خياراتك في هذه الحياة وربما شكلك الرتيب فقد كنت وسيماً أنيقاً وتمتلك سر لغة الكلام نعم كنت تتكلم بسحر غريب وكأنك تمارس علي طقوس التنويم المغنطيسي أو ترسلني إلى دوامة النسيان فأنسى عالمي وارحل إلى عالمك فأستقر بك وأنسجم معك . قضيت معك أوقاتاً كثيرة . كم كنت أحب أن أسمع منك المسرحيات ونصوصها برؤيتك الخاصة وانتقاداتك لبعض الكتاب والناقدين أيضاً . الذين ينتقدون لا لسيء بل لأنهم مجرد ناقدين خلقوا ليفسدوا الإبداع بنقد من رؤيتهم
متجاهلين آراء الناس . كنت تملك سر الكلام كنت المتكلم .
آه كم انبهرت بثقافتك وحبك للتاريخ وكم جعلتني أحبه .
كنت كمن يغوص في رمال الصحراء فينبش أبطالها واحداً تلو الأخر وتوزعهم أمامي وترسم كل بطولاتهم وتستحضر أمجاد أبطال من أعمق عمق في التاريخ لم نسمع حتى بهم .
ياااه ماأجمل التحدث إليك وأنت تتكلم بحماسة عن انتصارات بعض الأشخاص الذين مروا بكوكبنا وبمواقف العرب الحكماء .
كم من مرة نقلتني من عصر إلى آخر كنت أنتقل معك يا عزيزي إلى العصور بقفزة فكر واحدة وأعيش انتصارات السلف وكأنني أنا من صنعها أم تراك أنت من يريد أن ينتصر بي أو علي .
كنت تجيد لعبتك كنت حاذقاً مراوغا ًالفاظك تشد النفس إليك . ثقافتك رتابتك تضعك كل سيء فيك ممتع . خشيت أن تلبسني فكنت أنا من ألبسك . كنت الشخصية التي تتقمصني عوضاً عن تقمصها . كنت أنت من تترجمني أنت من تنتشل أفكاري الغارقة وسط ضحل الضياع اليومي . أنت من علمني حب الزهور ولما اعشقها .
أنت الزهرة التي تنبت في قلبي أنت من سلبني دون أي مقاومة . أحببت أن أضيع بك أنت الإنسان القريب مني الوحيد الذي يبعد عني أوهام الحياة بأوهامه بثقافته بمنحي الصبر بحبك لجلد الصقالبة الذين كنت تعشق فيهم جلدهم وقوة صبرهم على الأحتمال لذا فقد أهديتني رسالة ابن فضلان كي اقرأها واقتنع مسبقاً بحبك لهم وشجاعتهم .
لم يكن من داع لها إن كنت أنت رسالتي فكيف لاأصدقك لست بحاجة لشاهد .
مرت أيام وأيام ونحن نحاول أن نحصل على عرض مميز بعيداً عن النصوص المقررة في منهاج الدراسة أو بالأحرى نص جديد لايضر انتصارنا السابق .
ربما كنت وقتها تريد أن تعوض ما فاتك بالعرض الأول لنا . ربما شعرت أن التصفيق كان لي وحدي واستثناك .
أردت أن تبدع شيئاً أو تنتقم للشخصية التي أنا قاطعتها ولم أسمح لها أن تقول كل ما كان مقرر لها . لكن كنت تريد نصاً مختلفاً كنت تريد شيئا يشبهك شيئا يتقمصك لاتتقمصه وأنا كنت أنساب إليك شيئاً فشيئاً . كنت أقتنع بكلامك كنص كتب ليكون مقرراً له أن ينطق بكل حرفية . صحيح أنني كنت أعرف
أنك تسودني وتمتلكني وتمتلك صيرورتي ومكنون ذاتي ومؤكد أنني علمت بأنك الشلال الذي يجرفني بكل ما فيّ ويحولني إلى مساره ويلغي مساري لكن ما عساي أفعل لشيء بدأ يسري بي إلى حد التطابق . كنت تتقاذفني كموجة كتب لها أن تغرقني وتسدل على كل الصمت لم يعد يقنعني أن أمثل مسرحية مثلت منذ حين بأشخاص آخرين .
كنت تقول نحن حين ندخل المسرح لاندخل لنقدم عرضاً يستحق تصفيق الجمهور إننا نقدم شيئاً يحلق بنا خارج دوائر العقل خارج النسيان والذاكرة .
إن الفنان فقط هو من يعيش التناقض بكل تفاصيله لأنه الوحيد الذي يملك صفة التصنع دون رقابة يحق للممثل أن يكون لصاً دون أن يلاحق .
الممثل حينما يعطى دور مجنون يحلق بالدور حداً يطغى جنون المجانين أنفسهم لأنه على ثقة بأنه سيصفق له ويقال عنه بارع .
فيما لو فعل هذا الدور غيره لنعت بالمجنون .
وأي مجنون وأية مجنونة كنا .أنا التي كنت أمارس الحمق في حبك و عشقك .
أنا التي كنت أتغلغل بالعبثية لا تغلغل بك أكثر .
لم تكن حباً لم تكن عشقاً كنت وحدة امتزاج كنت جسدي وروحي معاً مراهقي انت نضالي واخر مراهقتي التي لم اكتشفها لتبدء .
احببت فيك كل شيىء بت راحتي وتسكعي في احلامي الضائعة .
كانت دمشق قبلك مجرد حلم لي ...حلم طفلة تدوس عتبات الشباب حلم فتاة تريد أن تصبح ممثلة أو نجمة فأصبحت دمشق الآن حلم امرأة تريد أن تشكل معك أحلامها المنسية . أتذكر حينما أتيت لتقول لي
ها هو ... هاهو ذا وكنت تركض فرحاً نحوي .
حينها صراخك قطع حديث بيني وبين شمس . سألتك وما هو الذي حصل ؟
ـ النص الذي كنت أنتظره .
ـ وأي نص . النصوص التي تتمنى الحصول عليها كثيرة (فقد كنت أعلم حبه لأن يجسد دوراً لأعمال موليير و حبه لهملت كما أن عشقه للموسيقا يدفعه لأن يحلم بدور يجسد أنغام بتهوفن ) .
يومها نظرت إلي بشيء غريب بنظرة من عين غيرعادية تلك النظرة التي تخترق أوصالك ولا تدري أشيء من الخوف فيها أم من الدهشة فكليهما يمنحك رعشة آنية
قلت لي لالا النص الذي سأكونه قبل أن يكونني النص الذي سأملئه قبل أن يملئني رحت أغيب في ذهني لأجد شيئاً أفهمه لكني لم أفهم .
نظرت إليك ثانية وقلت لك اجلس على المقعد واستغرق في جمال هذه الحديقة وعندما تهدأ أنفاسك افهمني .
ضحكت تلك الضحكة المختصرة وقلت الالياذة . نعم الالياذة .
فاجأني صوت شمس يقول وما الجديد فيها كي تعاد الآن إلى التمثيل من جديد غريبون نحن العرب نعيد تمجيد انتصارات الغير حتى في مسرحنا . المسرح الذي يغتصبونه بطريقة خاصة لا يملكون إدخال المدافع فيدخلون الأفكار . نحن لانفعل شيئاً سوى تمجيد أفكارهم وأعمالهم أين مافعلوه العرب ؟ هل انتهت قضاياهم ليعيشوا أو يعششوا في مقابر الغرب ومن ثم نطلب أن نتحرر إذا كانوا يسيطرون على حياتنا لدرجة عدم الأنفكاك فكيف نأمل أن نصنع مسرحنا الخاص .
ساد الصمت بيننا كانت على حق لكنك كالعادة أقنعتها كيف لا وأنت تجيد وتمتلك لغة الإقناع .
قلت لها الفن لغة عالمية والخشبة في كل بلد وكل مكان ذاتها وإن تغيرت أفكارها فهي ملك الشعوب وليس سياستها . وهي المنطق الإنساني المبتعد عن ثقافات الانتماء وتابعت حديثك الذي حول أفكاري بعيداً عنكم .
الالياذة ولما الالياذة أكنت تريد دور هميروس هل كنت تريد أن تتخيلني طروادة وأن تحتلني بحصانك أوخديعتك المنمقة على شكل هدية .(حينما تكون النساء لقمة سائغة ويتحول الشباب إلى ذئاب هنا ينتهي العالم وتسود الأنعدامية) .
كثيرة هي النصوص التي تتالت وكثيرة هي الأحلام التي رسمناها سوياً في شوارع دمشق لقد بت أعرف حجارها كلها وكنت أستمتع بحديثك عنها . عن ثوراتها عن لغة شعب لايموت عن أفكار تدور في الهواء إلى اللامنتهى . لقد قلت لي يوماً : الناس يخافون التفكير أو النطق بعقولهم فيسكتون عقلهم كي لاينطق بفكرة دون أن يحق لها أن تدون فتموت .
صحيح إذاً أن مقبرة الأفكار هي في داخلنا هي من صنيعنا هي مقابر جماعية لآلاف الأفكار آلاف الإبداعات التي نفضل قتلها داخلنا خوفاً أن تقتل خارجاً(منا لم لايحمل أفكارولاأحلام هو عالم اللاشيء)
لاأدري ما كنت في حياتي وقتها أنت الصديق أم الحبيب أم المعلم .
أنت من أشبعني به أنت من علمني فن التسكع في عينيك وشعاب روحك. أنت الذي كنت تطيل الحديث عن الانتصارات والهزائم أنت من علمني أن الشعوب هي ثورة وشعب بلا ثورة هو مجرد نسخة لشعب غير موجود .
أحببت سورية لأنني أحببتها فيك وأحببتك وأحببت كل ما فيها لأجلك أنت كنت قوتي وانتصاري كنت علوي وانحداري كنت صمتي الصارخ كنت نهايتي قبل البداية وبدايتي المختصرة .
كل شيء فيك جميل وهادئ . كما أن حماستك كانت مثيرة لاتمكنك من تجاهلها . لدرجة أنك صرت واقعي وحاضري ومستقبلي لم أكن أحقق نجاحاً دونك كانت مسرحياتنا تنجح تباعاً وروحنا تتجهز بمسرحها الخاص الذي نملكه سوياً وتتغلغل به إلى حد الانتشار .
ماأحلاك يا انتصاري في زمن قلّت به الانتصارات وما أمتعك يا هزيمتي أمام عتبات روح ملت الانتظار . أنت حلم لا يراود الكثير ولكن يستقر بذاتي .
وهكذا وبعد مرور سنوات الدراسة التي كانت تتقاذفنا بنجاحاتها وأحلامها كالموج في عرض البحر تلك السنوات التي نضجنا بها ونضج حبنا الذي شهدت له كل أعمالنا ابتداءً بالخشبة وأدوارها وانتهاء بقلبينا المتداخلين ببعضهما نجحنا أنا وأنت بتقدير ومجموع عالي كذلك الصحبة الذين كان أقربهم إلينا شمس وخالد وروند .
إذاً وأخيراً انتهينا من الدراسة . اليوم أصبحنا ممثلين بحق . اليوم تنتهي الأفكار الطفولية اليوم أنا وأنت سنضع قدمينا على الطريق الذي ترسمه الحياة .
اذكر أننا في هذا اليوم احتفلنا على نفس الطاولة التي احتفلنا عليها قبلاً عند النجاح الأول لنا الذي ضمنا خمستنا وجعل منا أصدقاء مقربين جداً .
الكل كان فرحاً الكل منجذباً لنفسه ليهنئها على طريقته الخاصة .
أما أنا فنسيت نفسي لأهنئك وحدك كنت أغمض عيني لأكتب تراجيديا جنا المحتجز في دوامته كنت أنهي آخر مسرحية لي في عقلي على طريقتي الخاصة أودع المعهد بمسرحية تدور على خشبة هي عقلي و أفكاري ممثليها.
حلمت بمسرحية لا تأبه بالكاتب ولا المخرج . تتحرر من النص وتحركها الخشبة كما يحلو لها دور وعمل يأبى التذبذب في هيمنة الأفكار و الانطواء لكي ينصاع كما يريد المخرج.
تخيلت نفسي أمثل دور جولييت و أنت روميو الحبيب الذي يسترق ساعات من الليل ليقدم لي بعضاً من الأزهار وكلام العاشقين تخيلتك تجثو على قدميك تحت نافذتي لتعترف لي بحبك و أن أعيش الدور بتفاصيله لكني غيرت النهاية. لم أكن أريد نهاية مأساوية لم أسمح لأهلي بإبعادي عنك وعوضا عن تناول السم خرجت إليك مسرعة لأحضنك وأمضي معك وأهرب بحبي بعيدا دونما أن توقفني كلمات كاتب أو صيحات مخرج يلبس ثياب العنجهية ويحاول دائما أن يشعرك بأنه أهم منك.
إذاً مضت سنوات الدراسة
ومضى معها كثير من الطفولة وبعض من حماقات الشباب
قابلنا أشخاصاً كثر وتعرفنا على زملاء كثر وامتلأنا بمشاعر الحب والحزن و الألق و الأرق عشنا كل الأضداد سوياً. مشينا طويلاً على أرصفة دمشق وقطفنا الكثير من زهورها التي كان يضطر بعض أصحابها لحراستها من يدينا مشينا في كل أزقتك يا شام لبسنا من لباسك وشربنا من مائك وامتلأنا بك
حد الجنون مدينة تحمل كل المدن اسمها يجمع اسم لأكثر من بلد (بلاد الشام) حتى عصافير دمشق حفظت أسماءنا . قد ألف أهلها وجهينا من كثرة التسكع بها بحثاً عن آمالنا .
إذن مرت أشهر على التخرج .
عرضت فيها علينا بعض الأعمال بعضها كان مقنعا مهما والآخر كان بضعة كلمات سطرها أحمق ليدعي لنفسه أنه كاتب أو لأنه يحب الثرثرة ولا يجد مفرغا لثرثرته إلا الورق الذي كانت كلماته الغبية تستصرخ هرباً منه.
آهٍ يا أيام الأستاذ بدر كيف رحلتي.........
مؤكد أنه مخرج من نوع آخر. لم أكن أدري أنني بعد التخرج سوف ألهث وراء أي مخرج يتذكرني بدور. وإن وجد فسيكون غبيا بلا قيمة لربما على الممثل أن يصبح كاتبا ليكتب شيئاً يمثله أو يشبهه. وإن وجدت دور فإنك ستكون تحت رحمة مخرج قد يجعلك تشعر بالندم كل لحظة على هذه المهنة حينها فقط تحس أن الخشبة تستنزفك عوضاً عن تضميد جراحك.
رأيت التذمر في عينيك رأيت حزنك وحجم الصاعقة التي كانت تهزك. أهذه هي ثمرة دراستنا قلت مرة لخالد علي أن أجد مسرحي.
استوقفتني هذه الكلمة وجعلتني أنسى أننا في المقهى تجد مسرحاً لك.
تريد امتلاك مسرح.
دخل خالد وروند من الباب واقتربا من الطاولة.
صباح الخير....صباح الخير جميعاً.
قالت روند: ما بالكم متجهمين؟ ما الذي جرى؟
ورحت تشرح لها نظريتك الجديدة . آه أيها البارع الذي يخترع نظرياته حسب أهوائه وتتغير نظرياته عشرات المرات .
أعلم أن المسرح يعاني بعضاً من البؤس أعلم أن مسرحية أدبية أو وطنية أو حتى فكاهية لا يفكر أحد بأن ينزل عنها إعلان أما لو استخدم المسرح لراقصة فإنك ستجد صورها في كل شارع وعلى كل باب يقارب المسرح لا وقد تجد إعلانا في الصحف والتلفاز ورغم ارتفاع سعر بطاقتها تأتي الناس لتحضرها . على عكس المسرح الذي تكون سعر البطاقة فيه رمزية ولا يأتيه إلا قلة من المثقفون الذين ربما لا يأتون ليتابعون المسرحية لكن ليثبتوا أنهم مثقفين ومحترمين فللمسرح احترامه ولم نسمع يوما عن إعلان في التلفاز لمسرحية كل ما في الأمر أن تلصق ورقة كتب فيها اسم المسرحية أو لافتة قماشية لفها الهواء ببعضها فلم ولن تتمكن من قراءتها. وقد تسمع عن مسرحية عرضت لم تكن تدري أنها قد عرضت ومنى عرضت أصلاً.
عندما كنا صغارا وأحلامنا في عقولنا لم نكن لنعلم أننا نحتفظ بأحلام قد تصبح بلا قيمة عند الكبر . نحلم ونحلم بأشياء يأتي الواقع ليفسدها وهو يتلذذ بحماقة نصره.
مضت أيام الطفولة. ومضت أيام اللامبالاة ومضت معها أيام المراهقة بكل ما فيها من حماقات وآمال منتهية قبل البدء .
أنا وأنت فقط لم نمضِ بقينا سويا نخطط للرحيل والبعد عن واقعنا .
أردنا أن نرحل إلى أحلامنا وأردنا تحدي واقعنا وعدم التنازل للركون إلى ما تمليه علينا الحياة .
بعد التخرج كانت تستهويك فكرة واحدة ........ الرحيل.
الرحيل فقط إلى بلد فيه مسرح أو إلى بلد يعطيك مسرح لنفسك.
حاولت جاهداً إقناع الكل بالسفر وكم رسمت لنا من آمال في الخارج .
بالنسبة لي ما كنت لأتركك ترحل دوني أبدا .
أما شمس فقد كانت مخطوبة أو بالأحرى مرهونة لشخص قبل أن تولد . وكأنما ولدت خصيصاً لابن عمها الذي كان يعمل في الخارج وينتظر تخرجها ليتزوجها .
لربما كان يفضل أن يجلب معه قفصه الذي سيزج بها داخله وينهي صفقة التملك التي منحوه إياها أهلها
وبالنسبة لروند
فلم تكن قادرة على السفر إذ أنها أكبر أخواتها البنات ولم يكن لأمها معيل غيرها لذا عليها أن تأخذ دور الأب والأخت وربما الوالدة.
أدوار تصوغها مسرحية الحياة تحت عنوان النهاية والتكسر.
كان لا بد لروند أن ترسم أحلامها ضمن دائرة الوضع الضيق الذي تعيشه أسرتها أسرة أتعبتها صفحات العيش وسط ركام الحياة المنسية التي لا تعني لهم سوى العيش لمجرد العيش نفس يمنحهم المزيد من البقاء الذي لا معنى له.
إذن لم يبقى سوى أنا وخالد وقد كنا موافقين ومذعنين لآرائك .
لربما قد وضعنا آمالنا وآمالك أو أردنا توحيد أحلامنا سوياً عسانا نكسر قوانين الحياة المتسلطة.
قال خالد: سأمنحك سنتين يا أخي لربما تغير شيئاً.
قد أخسر في هذه السنين بضعاً من الأدوار البسيطة. لكن ليس مهماً لربما أجد شيئاً هناك عند الضفة المقابلة لهذا النهر.
صمتنا لمدة دقيقة لربما كان كل يفكر في مأساته التي لم يكن يفكر بها يوماً.
هاهي شمس تنصدم بواقعها الذي رغم أنها فتاة متحضرة ومن عائلة منفتحة لا تزال تعتبر الفتاة هي منحة لابن العم (وآه يا لعصر الجواري).
وروند تكتشف أنها ستبدأ رحلة شقاء جديدة لأنها ستكون مسؤولة عن أسرة كاملة.
جاء صوتك مقاطعا كل الصمت ليكسر البؤس الذي بدا على الوجوه.
قلت أيها الرفاق أريد أن تشهدوا شيئاً
الكل صرخ: ما هو ؟؟؟
أخرجت من جيبك علبة صغيرة وقلت لي أن أفتحها.
قمت بفتحها وأنا أشعر برهبة الفتاة التي تتخيل ما في داخلها وتخاف أن تصدم.
كان في العلبة خاتم جميل جعلني اشعر بصعقة تسمرني في مكاني وتشدني إلى الأرض أحقاً..أحقاً هذا لي. أمعقول بأننا أخيرا سنتزوج .
دهشتي وفرحي جعلاني أبدو كغبية حمقاء جعلاني أطير وأنا أغوص في الأرض.
اختلطت مشاعري بين الخجل والفرح والخوف . مخيفة الأحلام عندما تتحقق . نظرت إلى الأصدقاء وكنت أرى في عينيهم تواطؤ أحقا كانوا على على أم أنهم كانوا يتوقعون هذا ويترقبونه مثلي .
فرحتي كانت تملأني وكنت سعيدة بأنك خطبتني بين أصدقائي وعلى طاولتنا .
مع أنني قد تمنيت ساعتها لو أن أمي على قيد الحياة فأخبرها علها تشاركني الفرحة أو تزغرد لي كباقي الأمهات .
وها أنا ألبس الخاتم الذي وضعته بيدك يا عزيزي بإصبع نحيل الذي كان يرتجف خوفاً وفرحاً.
تركت الجميع وركضت باتجاه قاعة المسرح كنت أريد أن أشارك الخشبة فرحي كنت أريد أن أضمها وأقول لها هنئيني يا أمي وارقصي مثل باقي البنات اذهبي لجاراتك وافتخري بأن ابنتك عروس.
ودون أن أشعر دموعي كانت ترافق خدودي وظللت أبكي لربما أفرغ شيئاً من نفسي بين قطرات الدموع.
رفعت رأسي إلى أعلى لأفاجأ بكم مرة أخرى ولكن بإضافة الأستاذ بدر وبعض من الرفاق وكأنكم أتيتم لتشهدوا نهاية عرضي المسرحي.
ارتبكت كثيرا ولم أدر ما أفعل . اقترب مني الأستاذ بدر قائلاً: ابنتي لا تخجلي .
كلنا أهل هنا لكن كان على والدكم أن يعلم أولاً (وكان يقصد نفسه)
اتصل بنا وجمعنا في اليوم التالي دخلنا المسرح لنجد رفاقنا الآخرين يحتلون القاعة وقد كانت ملأى
بالزهور ويتوسطها قالب حلوى كبير كتب عليه صبح ومجد إذن الحفل لنا.
كان السرور يغمرني بقوة مسكت يدك وقلت لك أحس اليوم أنني المشاهد أو المتفرج ولست الممثل.
أجبتني: إذاً انعمي بشعورك أنا الآن أنتظر تذوق الحلوى فقط.
وحضر الأستاذ بدر وقطعنا قالب الحلوى واحتفل الجميع بنا.
لربما أنا الفتاة الوحيدة التي احتفلت بخطوبتها بالمسرح عوضاً عن الصالة .
وهكذا قرر الأستاذ بدر أن تكون بدايتنا هنا وأن يجمع شملنا في هذا المكان كما التقينا أول مرة .
..............
إذاً حان وقت الرحيل .
فتحت عيني في الصباح بعد ما رن جرس الهاتف وإذا بك أنت تتصل . قلت لي قد حصلت على عقد لنا وأمامنا وقت قصير للمغادرة .
ها انت متعجل إذاً ـ قلت لك وكم يلزمنا من وقت . قلت لي أسبوع .
ثم أضفت يكفي الأسبوع لتجهيز أنفسنا سوف أخبر خالد .
وأنهيت المكالمة .
شربت قهوتي بسرعة وخرجت إلى الشارع أردت أن أودع دمشق أردت أن آخذ منها إذناً بالرحيل سنوات ليست بكثيرة جمعتنا لكنني كنت قد تعودت عليها . أصبحت جزءً لاينفك مني كيف سأنسى صباحها الجميل كيف سأنسى أنها هي من وهبتني إياك .
مشيت كل الدروب التي مشيناها سوياًوتأملت كل المحال التي كنا نرتادها لشراء أغراضنا اليومية . كانت عيناي تودعها وكأنها تريد أن تشبع منها تريد أن ترسم لها صوراً من كل الجهات .
وروحي تريد أن تحمل منها أكثر من مقطع شعرت كأنني أريد أن أختزن هوائها وبعضاً من شمسها لأيامي المقبلة .
وكم كانت رغبتي شديدة في أن أذهب إلى لكل الناس مودعة حتى دون أن أعرفهم .
مشيت ومشيت إلى أن أصبحت لاأشعر بقدماي المتعبتين . وعدت للبيت منهكة .
في الصباح التالي أتيت بصحبة الأصدقاء كي ننزل للسوق ونشتري ما قد يلزمنا أوما نحتاج إليه من الأغراض . واقترحت روند أن نذهب لسوق الحميدية أولاً . قالت ممازحة : مارأيكم أن نذهب لسوق الحميدية ونقصد المحلات الشعبية ونشتري بعضاً من تلك القطع التراثية ، التي يأتي لشرائها أناس من كل مكان ور توجد قطعة واحدة في بيوتنا . طبعاًهذه هي العادة يأخذون قطعة قماش أو نحاس ليشعروا أنهم بذلك يرتبطون بالوطن لكن الوطن والوطنية أكبر من أن تتجسد بقطعة خردة لم يكن أصحابها يملكون شيئاً لتصبح في مماتهم قطعاً ثمينة . ....وفي الآخر طبعاً اشترينا بعضاً من هذه القطع على الأقل كي لانكون مضطرين لتزيين جدراننا بتراثهم أو بإجزاء منهم واشترينا بعض الملابس . والحاجيات بالإضافة لبعض الكتب التي قد نحتاجها .
بعدها تابعنا التسكع في السوق ربما كان هو يريد أن يودعنا .
عندما فرغنا عدنا إلى البيت وكل منا يحاول أن ينهي أموره .
كنت أنت من خطط ودبر أنت الذي قمت بكل أعباء السفر ومعاملاته المميتة .
وقبل السفر بيومين قررنا أن نودع الشام سوياً خمستنا معاً كأصدقاء جمعتهم وهاهي تفرقهم .
شمس سترحل إلى لبنان وروند ستبقى في سورية تحاول عبثاً إنقاذ أسرتها . ونحن الثلاثة سنغرق في دوامة المهاجرين .
لم يبقى شارع دون أن نزره لم تبقى ياسمينة إلا وقطفنا جزء منها جمعنا وروداً كثيرة كنا نستعد لأن نودع الطفولة والمراهقة معاً . والعيش آخر يومين لنا في اللامبالاة .
بعضهم خالنا جننا وبعضهم ظن عندما رأى أننا نسير ونضحك بحرية دون أن نأبه لعيون المارة أننا سياح أجانب .
وـخيراً بقي أمامنا المسجد الأموي دخلنا إليه سوياَ وافترقنا النساء والرجال كل إلى قسمه المخصص له وأدينا آخر صلاة تجمعنا . في لحظات العبور للغربة . الأنسان يحاول أن ياخذ من بلاده كل شيء جميل لذا كان علينا أن ننهي جولتنا في مكان يذكرنا بديننا وأنه في وسط الزحام هنالك وقت للعبادة .
يوم الرحيل
اهذه النهاية إذاً يا شام اليوم ستودعي طفلتك
وداعاً .
وداعاً أيتها الخشبة وداعاً يا أمي وداعاً يا أستاذ بدر وداعاً أيها الرفاق هل ستذرفين دموعك علي يا شام
قالها لنا مودعاً (ستعودين يوماً ما.)
قالها الأستاذ بدر والغصة تملاه وهاهو يودعنا ومعه بعض الرفاق .
الوداع وما اكره الوداع وما اغرب الرحيل جميل أن نرحل إلى ما نريد وأن نحيى بسلام
جميل أن نمضي لنرسم لنا وجهاً على هذه الخليقة ... لكن في داخلي كنت اتمنى أن لا اجد بهذا الرحيل مزيداً من الغربة . اريد لروحي أن تستقر معك و تبدء خطة حياتها .
مشكلتي أنني اردت الحياة و أردت البقاء وعزف لن الخلود لي ولك وحلمت معك بأن نبني مستقبلنا . لابد للشباب من الكفاح لابد من آن يبحث الانسان عن فرصته لا آن يستجديها كي تصل إليه كما قال الشاعر (إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد آن يستجيب القدر.)لربما القدر يعرف كل
شيىء مسبقاًًًًًًًًً ويهيىء لنا ما شاء من افراح و الام.
الاحلام التي لا تنتهي من مخيلتنا الاحلام اللتي تراودنا كأنها جزء من مقومات العيش.
نعالي با لاحلام و ننمقها كما نريد لكن تبقى الاحلام آحلام و قلما تتحول إلى حقيقة.
وبدأت رحلتنا و بدأت لوحة الاحلام رحلة ترسم خالد وصبح و مجد بالوانها هي.
رحلة الاحلام رحلة النجاح و العمل الذي نعول عليه أو ربما رحلتي إليك ؟ .
لم يمضي وقت طويل حتى وصلنا إلى فرنسا و لم نشعر من فرط الفرحة بمرور الوقت.
طبعاً نحن سائرون إلى بلد غريب لاول مرة بلد لطالما سمعنا عنه ولم نره.
و بدأنا ترتيب حياتنا هناك.آخذت شقة لي و سكنت أنت وخالد في شقة ثانية.
هنا احسسنا بشيء غريب. فعند ما تذهب إلى بلد لا يعرفك ابداً وأناس لا يعرفونك البتة تحس كانك ولدت من جديد.
الشوارع الناس الهواء كل شيء فيها جديد لا شيء مما تحمله وتخزنه الذاكرة .
كأنما مسحت كل شيء .هنا ينسى الإنسان ماضيه ويبدء بصنع حاضر جديد له .لكن هناك بعض من الأشخاص اللذين لاشيء يمحي قزراتهم ووحشية أخلاقهم .باريس مدينة كبيرة وجميلة والناس فيها يتمتعون باللباقة والرتابة .على الأقل هذا البلد يجمع عرب كثر ممن يحملون جنسية فرنسية .ففي المكان الذي نسكن فيه كان معظم السكان فرنسيين من أصل جزائري أو مغاربي .
هذه هي أحوال المدن أو العواصم تصهر في بوتقتها ثقافات ولغات وجنسيات لتشكل شيئاً وقد لايكون سوى الزحام .
كثيرة هي البلدان التي تعاني الزحام لكن هنالك أوجه للزحام . زحام الناس الذي يضيق الصدر ويجعلك لاتريد أن تعرف أحد فا لناس كثر وزحام الأفكار والأحلام وزحام الأخلاق المهترئة في نفوس البعض.
في زحمة الأشخاص هنا تسنى لنا التعرف على بعض المخرجين وبعض الأصدقاء المسرحيين قد كانوا لطفاء جداَ . ويحولون تصنع اللباقة دائماً وكان من أبرز الأشخاص الذين لايمكن أن أنساهم (آنا)
آنا هي ممثلة مسرح ومخرجة .
والأستاذ (بيتر هانس) وهنالك رفاق من الممثلين مثل إيماسيدوإياد الذي كان جزائري الأصل .
هؤلاء الأشخاص الذين أرسلهم القدر لنا ليكون لنا معهم منحناً جديداً لمشوارنا .
وفرصة العمل معهم كانت بالنسبة لنا فرصة ثمينةوكنا جاهزين لاستغلالها بكل قوة .
وهكذا بدأت العلاقات تدريجياً تتعمق أكثر فأكثر .
الجميل أن الناس هناك رغم كل شيء لديهم وقت للمسرح وقد يعطي أحدهم أولوية لأحد أيام الشهر على الأقل ليذهب ليحضر المسرحية إما برفقة أحداً أولوحده .
وعندهم مجموعة من الأعمال الجيدة أو الممتازة وكثيرة عندهم النصوص التي تقدم لتمنحك فرصة انتقاء الأفضل منها وليس كما هو الحال عند العرب قد تجد كاتباً للمسرح وربما لايكون سلبياً لكل الإهداء أو تجد كاتباً كتب نصا لاينفع للتلفاز أو ليكون رواية فيرمي به إلى المسرح عله يقبل .
قمنا بعدة مسرحيات في فرنسا وكان العمل معهم جيداً صحيح لم تكن أدوارنا سياسية مهمة كفاية لكن أجرها كان معقولاً جداً وطريقة التعامل معهم أكثر من جيدة لم تكن مجبوراً أن تتبع أهواء المخرج وتحكم الكاتب وكان عندهم فسحة للمثل كي يعبر عن نفسه أكثر .
وعلى الأقل لن تكون مضطرين لأن تأخذ مبلغاً لايكفيك للمواصلات بعد أيام من التدرب والعمل بل كان كل شيء مرتب كل دور يمثل هناك تكتب عنه الصحف ويكرم الفنان .
وهكذا تتالت الأعمال والنجاحات . ولم نكن نفكر في شيء إلا بالعمل فانغمسنا به إلى درجة أننا نسينا أنفسنا . وبعد مضي أقل من سنة أصبحنا بحال مادية جيدة وأصبحت أنت مشهوراً ومعروفاً وبدأت روح الأنانية تظهر عليك حينما صرت تأخذ أدواراً وأكون أنا مستثنية من كل العمل وأصبح أنا هنا المتفرج كنت سعيدة لك مع أني كنت تعيسة لأجلي لم أكن أتوقع أن أعمل أو تعمل أنت أي دور دوني . لكن كنت أقول لربما هكذا يقتضي الدور .
وبعدما كنت أشكل نصفك الثاني في المسرح أخذت الدور (آنا) .
هل يمكن للإنسان أن يكون له نصفين هل يمكن أن يمتلك روحين .
طبعاً وقتها لم أكن أفكر هكذا كنت اعتقد أنه مجرد عمل وصداقة . لكن ما لبثت هذه الصداقة أن أخذتك مني لم أعد أراك لم أعد أتكلم معك مثل السابق ولقاءاتنا أصبحت قليلة . بات وقتك كله محصور معها . آه كم كنت غبية لم أكن أدرك أنك تخطط لنجاح جديد يعتلي جسدي ويرتقي فوقه والمصيبة أنني أرفعك لتدوسه .
بعد مضي سنة بدأت بالابتعاد عني تدريجياً في الوقت الذي كان المفروض فيه أن نتمم زواجنا أنا وأنت هاهي علاقتك بي تأخذ بعضاً من الفتور لذا قررت أن نعجل بالزواج .
كان لابد أن أتصل بك مع أنك تقيم بشقة مجاورة لي كان لابد أن أتصل لأنك لم تعد تعود للبيت إلا نادراً أو متأخراً . قلت لك سنقيم زفافنا هذا الأسبوع .
شعرت بتهربك لكنك وعدتني أنه في آخر الأسبوع سوف نتزوج وننهي كل شيء بطريقة بسيطة .
أردت أن أعيدك لي . الأسى في داخلي كان يشعرني بالخوف دائماً وإحساسي بمجرد التفكير في فقدانك يؤرقني ويغض مضجعي كيف لا وأنت الحبيب الذي رسمت معه الماضي والحاضر كيف لا وأنت كل شيء في حياتي بدأت الحب معك ولم أرد أن أنتهي إلا معك .
فجأة اختفيت في يوم بارد مثل مشاعرنا التي تباعدت اختفيت دون أي كلمة تطمئنا .
حتى خالد الذي كان يسكن معك لم يكن يعلم إلى أين أنت رحلت دونما وداع دونما أي كلمة تطمئننا عنك . جمعت كل أغراضك ولم تبقي شيئاً منها . ودونما استئذان مضيت إذاً .
مضيت كما يمضي خريف العمر مضيت كما تمضي الأفراح في وسط المآتم مضيت لتتركني أعاني فراقك .
كم قلقنا عليك أنا وخالد فلم نكن ندري أين نبحث عنك ولما رحلت . لم نترك أي مكان إلا وبحثنا عنك ولكن دون جدوى وبعد أقل من شهر فوجئنا بنبأ زواجك من المخرجة (آنا)
ذلك الخبر الذي أنتشر بين جميع الأصدقاء وصل إلينا نحن متأخراً .
كان هذا النبأ كصاعقة تفجرني وتحولني إلى أشلاء .
تزوجت هل يعقل ؟ لم أصدق أمعقول !
لم تكن روحي لتصدق وعقلي بات ينكر هذا الخبر ويعتبره مزحة ما .
أحسست بروحي تخلع من جسدي أحسست بدمائي تثور خارجي احترقت بنيراني ودموعي التي رفضت الانسكاب .
وكيف أصدق أنك من الممكن أن تتركني . أأشهر مع آنا تمحو سنين معي .
وحبنا وخطبتنا وخاتمي هل لازال في بأصبعك أم أنك رميته لتجد مكناً لخاتم (آنا) .
ليس سهلاً أن يقال لأحد أن أغلى إنسان لديه في العالم باعه وتركه هباءً ليس سهلا أن أستوعب ماحدث ولما.. كيف سأغفر لك كيف سأتقبل أنك بعتني وقتلتني .
هل من السهل أن تتخلص من روحي لاأدري كيف قررت أن تمحوني من قلبك ومن ذاكرتك . أنك لو استعدت ذاكرتك لن تجد فيها سواي أن شممت رائحة الماضي ستخرق رائحتي كل شيء . مهما لبست من وجوه سوف يبقى وجهي طاغياً . أين الحب أين العشق أنت يامن علمني سر الكلام .
قضيت أيام برفقة خالد بالمستشفى ولكنك لم تسأل ولم تأتي وماذا عساك تقول لي أصلاً وأنت السبب .
وهل شيء من الكلام يترجم خيانتك لي وغدرك هل من شيء يشفع لك سرقة عمري وأحلامي التي بعثرتها ،لاأدري كيف خانك الوجد فيّ . هل هي الغربة أم جشعك الذي كان ينتهز الفرصة .
قضيت أياماً أنا وخالد ونحن نبحث عنك ونعيش قلقاً كبيراً وإذ أنت في شهر العسل .
أين الحب أين أنا كيف سلختني من روحك ومن جسدك كيف انتزعت قلبك مني لتهديه لها ولماذا ؟
أمن السهل أن يتنكر الإنسان لفؤاده وروحه في لحظة هل يمكن للإنسان الطاهر النقي أن يصبح شخصًا لعينًا أين كنت تخبئ العذر يا مجد وأنا لم ألمح في عينيك إلا براءة الأطفال .
(آنا) أخذتك مني ومن دون معركة . لقد وهبتك عمري وأحلامي وتركت كل شيء لأرحل معك دون أن أشعر أني أرحل للغربة (غربتني بفعلتك) .
ضاع التوحد وضاع الانقسام وضاعت حروف العشق بين حروف الأبجدية ورحلت الآمال والأحلام معك . لو أنك قلت لي على الأقل أوأخبرتني لكان أفضل من فعلتك هذه التي تنم عن سلوك الجبناء فقط .
أخشيت أن تواجهني أخشيت أن تقول لي أريد أن أنسلخ وأنفك عنك. ماذا تقول؟؟ .
أتقول عذراً أضعت لك من عمرك بعضاً من الأيام وهدمت أحلامك مرة واحدة وتركتها لك رمالاً ورهجاً .
لاأدري كيف سحجة جلدك لي ببساطة وابتدعت غيره .
أم أنه لم يعد لدي شيء لتستنزفه فذهبت لمن يعطيك عجزاً جديداً .
تسلقت على روحي وعلى نجاحاتي في دمشق وها أنت تختار (آنا)
حصرياً لتأخذ أدواراً مهمة وتنفك من الأدوار البسيطة .
تريد أن تصبح مهماً ومشهوراً على حساب روحي وعمري وحبي وصداقتنا أنا وخالد . وخصوصاً بعد أن جلبتنا إلى هنا وورطننا في بلد غريب .
لربما كنت تنتظرني أن آتي إليك مهنئة . هنيئاً لك بهذا الفوز ها أنت أخيراً حققت أمنيتك وامتلكت المسرح (آنا) . وهكذا تدريجياً أخذت أنا دور المتفرج أراقب مسرحيتك الأخيرة معي وعرضك الذي أرتقب نهايته مع آنا لتمر الأيام سريعاً وبطيئة في آن واحد .
جاءتنا أنا وخالد أعمال في مسرح الدمى وبعضاً من المسرحيات المخصصة للأطفال بالإضافة لبعض المسرحيات في المركز الثقافي الفرنسي .
وحاولت أنا وخالد أن نلملم بعضنا في هذه المدينة التي أسماها مدينة الغرباء .
كل شيء فيها غريب حتى لو شاهدته ألف مرة . لربما شعورنا بالغربة كان يطغي على كل شيء فيمنع روحنا مع التآلف هنا . إن كل من يسافر إلى باريس لايفكر إلا ببرجها وقوس النصر ولا يتخيل صورة باريس إلا بينهما لكني لم أهرع من وصولي إليهما لالتقط بعض الصور فقد كنت أكره أن تغلف الأشياء والأهداف فنحن لم نذهب سياح بل ذهبنا لننحت من الصخور أنشودة نعتلي مسرح باريس وكل هذا تحقيق للنجاح . لم يعد لي هنا سوى الارتقاب ارتقاب نجاحاتك وشهرتك التي زادت بعبدنا وحولتنا إلى مجرد ماضي تروم نسيانه لو كانت (آنا) من خطفتك مني لكان تسنى لي وقت للدفاع عن حبي أولاً وأسوي معركة نسائية كما يقال . لكن كانت هي أيضًا ضحيتك .
أنت من أختارها وأقصاني فما عساي أفعل . لم يكن كبريائي ليجعلني أطرح نفسي عليك باكية ومتذللة .في بلد فيه الزواج مرة واحدة قد ألغاني وما كنت لأقبل بوجود غيري لذا قررت الصمت وسكنت الوحدة . تمر الناس من أمامي ومن ورائي ولا أشعر بأحد . أنسى نفسي كي أنسيها دموعاً كثيرة ذرفتها لأجل عينيك وليالي كثيرة لم أعرف سبيل للنوم فيها . صورتك تترامى إلي ذكرياتنا رائحتنا الممزوجة بعبق الشام كل شيء يذكرني بك .
وهكذا ألقيت نفسي في سراديب الصمت والأرق .
وبعد مرور /5/ أعوام تعرف خالد على أمل وهي فتاة من العراق كانت تعمل هناك كمراسلة للتلفاز في إحدى القنوات التلفزيونية . وقد كانت فتاة جميلة وأنيقة وأهم شيء جمع بينهما أنهما كانا يحبان بعضهما بطريقة عقلانية بعيداً عن مؤشر المراهقين .
لكن هي الايام ولا ندري ماتخفي
سلخت بعض التواريخ او .......عدلت............لغاية بالنفس
لانني سادع فتاتي تعبر براحتها
نشرت من سنوات بموقع واحد وسحبتها لسبب تعبوي
كانت تحت لقب......سديمه الاحلام لقبي انا
والان اخر رقصات الحبارى او ...بما قصدت>>اخر آلام انثى
.....................ليلى العنزي
اخر رقصات الحبارى
بسم الله الرحمن الرحيم
مازال في عمري بقية .......
ولكنني اليوم سأنهي قصتي معك ....
تواريخ تواريخ ..
تواريخ سئمتها لكن أعدك بأن اليوم سيكون تاريخاً مميزاً
فكل مفكرات السنين التي مضت منذ ذلك اليوم جمعتها واحتفظت بها.لم يكن فيها شيئاً مهماً
ولكني لم اترك تاريخ ورقة فيها يمر هكذا عبثياً او عادياً لأني لم أكن لأترك أوراقها بيضاء خالية وهي التعبة التي قبعت وسط اللاشيء فلا شيء يكسر لونها أو وحدتها .
لذا فقد كتبت على كل صفحة منها (أكرهك)
آه. عشرون عاماً وأنا في كل يوم اكتب على ورقة منها (أني اكرهك)
فتأخذ الورقة ميزتها ويحمل التاريخ ايضاً ميزته .فتصبح تلك التواريخ قيمة .
إذاً اليوم اعدك بأنه سيكون هناك تاريخا ًمميزاً .
تاريخاً ابقي من بعده كل الاوراق يتيمة .....
اليوم سينتهي كل شىء......
اتذكركم كنت تحب رقصاتي الكلاسيكية وكم كنت تعشقها ارجع بذاكرتك عشرين سنة وتذكر كم كنت تحبني عندما يهطل المطر فأسرع إلى الشارع لأرقص معه فنمتزج سويا ًفلا أعود إلا وشعري الطويل قد ابتل بطهر السماء وجسدي متمايل مع نغمات المطر ...
ها أنا ذا اليوم ارقص لك الرقصة الأخيرة.اليوم ارقص على روحك الممزقة المهترئة .سأرقص لك بجسدي الذي اتعبته السنين سنين خلت وشيء ما في عقلي يحترق ..اتراها بعض ذكرانا الجميلة أم قساوة ما حصل لنا وكيف باتت قصتنا حزينة لا أدري فأنا احترق كل يوم .لانني أعيش بمحرقة في داخلي .فاقت محرقة هتلر على كل حال ليس مهماً فكل شيء هذه الأيام صار مبهماًخفياً. ندري ولاندري به ام ترانا اعتدنا ان نعيش الحقيقة في عقولنا وننكرها أمام الناس؟؟ .ربما لاننا نخشاهم نوعاً ما.
اليوم ستسقط الأقنعة التي ألبسنا إياها الزمان .. بيدي ساكسر حاجز صمت بنته السنين . اليوم سيبدأ فجر جميل يستمد خيوطه من شعري الطويل من ضفائري الصغيرة .
كل شيء في عيني غروب .غروب وغربة .
يالهذه المصادفة غريبة بعيدة ...ادري انه ليس مهماً فلطالما كنت في بلدي غريبة ومغربة ومشاعري الملعونة ايضاً كانت مغربة .
اتدري ؟لاأعرف ماذاسأختار من موسيقا لأرقص لك بجسدي الذي أنهكته الأيام.ربما سأختار شوبان أو متزارت فهما مثلي يحبان أن يعلون بسرعة إلى القمة في اللحن ويهبطان فجأة فأعلو معهما واهبط كمن سقط من على جبل . فأسقط بقوة تلك السقطة الجميلة التي عوضاً عن أن تشعرك بالموت تذكرك بالحياة الحياة الجميلة ومعناها.
عشرون عاماً وأنا أحاول أن أقول لك شيئاً أو اكتبه .وما فائدة ذلك . فقد كنت كل يوم اكتب لك سطراً على ورقة وأمزقه في الصباح التالي وأعود لأكتب لك غيره ربما لأنه لم اكتب شيئاً مهماً أو لأني كنت أعيد السطر نفسه.
اليوم احس بشيء غريب في داخلي . كروح تنتهض من مقبرة الأحياء.اشعر بأني أريد أن أتكلم وأتكلم . ليس مهماًأن يكون كلامي منمقاً أو مرتباً ولست أريد أن يكون كلامي بذي أهمية.
الآن ستتكلم روحي وسيتكلم جسدي وسيكتب قلمي الذي لم يتحرك كل تلك السنين وكأنه قد مات . هاهوذايستعيد جره كأنما نهضت روحه مع روحي يبدو انه حتى هو ملّ من رقادي ورقاده.
آه.. شيء صعب لاادري من أين ابتدء ولاكيف ولا من أين . فبدايتك نهاية ونهايتك بداية كأننا في صراع مع الروح نبني ملحمة ملحمتنا أنا وأنت . لن تكون كيوبيدية لأنها ليست خرافة فدمك ودمي فيها.
سيكون كل شيء فيها حقيقي . هاهي الأوراق أمامي كما وضعتها في عام 1999. حينما فكرت أن أكتب روايتي للمرة الأولى . نفس الأوراق ونفس القلم فكل شيء على حاله منذ ذلك اليوم انظر للتاريخ
حتى هو مميز . كما ولحن الموسيقا الذي اخترته.
اليوم سأرقص لك بجسدي رقصتي الأخيرة رقصة الموت الذي لاحياة بعدها .أرقص لك . نعم سأرقص لك لكن لن أرقص كراقصة بل كأفعوان تتمايل بحركات هائجة .
وسأسطر لك كل شيء ياعزيزي على صفحاتي البيضاء التي غير لونها غبار كل تلك السنين وسأرسم حياتك البالية هنا من دمك العفن وسأضعها جدار خيانتك كي تتملق عليه ...
فلا جدار يحمل خيانتك كي تقلق عليه وليس هناك جدار يحمل ايقونة رسمت بدم خائن إلا روحه الممزقة المهترئة التي ما عاد فيعا سيء إلا الغرور .
ها أنا أقطف آخر ورقة بالمفكرة .../12/ /12/ 2009
اليوم سأرسم النهاية معك ولكن أي نهاية .
ماذا وكل شيء قد انتهى بيننا منذ زمن لم يعد هناك شيء يذكر . ام تراه الانتقام أم تراني اريد استرجاع ذكرياتي لأكتشف نفسي المسروقة... نفسي الضائعة التائهة . هل أريد أن استنزف الماضي واعصر مخزون ذاكرتي لأقطر منها شراباً يملأه كل مرار الأرض والدنيا .....
لا أدري فأنا لربما أصبحت عاجزة عن أي شيء هل تراها صحوة متأخرة كالعادة كل شيء في حياتي ناقص وينتهي دون نهاية......
لذا قررت هذه المرة أن أضع النهاية بنفسي مع هذا الصبح . الصبح الذي كان يذكرك بوجهي الجميل آنذاك.
أتذكر حينما كنت تقول لي أنني أشبه الياسمين الدمشقي الأبيض ....
حينها لم أكن أدري كيف أشبهه بوجهي ... أم برائحتي. لكن اليوم فقط عرفت مقصدك ...
شجرة تعطي أحلى ما عندها تتحدى سواد العالم تتحدى بشاعته بورودها البيضاء تهدي لونها الحاسم إلى القلوب النقية تملئ بأريجها مزابل أفكارنا وتخترق وحشية الشياطين التي تسكنها شجرة لو قطفتها أنبت لك الجزر منها من جديد ...
هاأنا اليوم ألملم أشيائي المبعثرة لأستعد للرحلة الأخيرة معك ومع نفسي ومع روحينا الضائعين .
لا أدري هل وجودي في هذا البلد أكان مهماً له ام لا ...
مؤكد لا .. فمؤكد لن يحزن علي أن فارقته ، فانا لاأعني له شيئاً، فهو لم يحمل معي إلا وزن جراحاتي وآهاتي وآلامي وبعضاًَمن أحلامي المنكسرة ..
أظنه لم يكن سعيداً بمواطنه /جامدة / إذ أن حتى التراب يكره الناس الاستهلاكية الناس التي تأخذ فقط وتعيش على تعب الآخرين . ليس مهماً عنده ماتدفع لكن يهمه أن تعطيه شيئاً غير مادي . رغم أن ترابنا يحتاج للمادة كي يعمر ويبني لكن أظنه يفضل أن نكون آزوتاً أو سماداً لترابه فقط. أليس غريباً
أن هناك شيئاً لا يقبض ثمناً مادياً ..
صحيح لم يكن هناك شيئاًمهماً أعطيه لهذا البلد .
لكن في هذا الصباح سيشهد ما كان ينتظره .
سيكون البلد الذي بدأت منه هذه الرواية الأولى ...وربما الأخيرة على كل حال لاأنتظر منه وسام شرف . وليس مهماً لي بعد أن أموت أن يمنحوني جائزة . كما لا يعني لي إذا أصبحت للسندويشات .
تلف بأوراقها وتعطي للزبائن وبالتالي للمهملات .
ولكن ......
من تراه يأكل شيء ملفوف بعفن كل تلك السنين !!!!!!
أم ان الناس اعتادت طعم العفن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كذاكرتنا العفنة التي لا شيء جديد فيها ...لربما كان يجب علينا أن نجدد كل شيء في حياتنا وأن لانقبع بين جدران الزمن ننتظر أن يعدُ وبنا . والمشكلة أننا لاندري إلى أين. او ربما قد صرنا نمشي مع الدنيا على هواها وليس هناك أهمية . فاليوم مثل البارحة ـ والبارحة مثل الغد . والاختلافات هنا نسبية أوإنما هنالك أصحاب للاختلاف وأصحاب للنجاح والتفوق . وأصحاب لمن باتو ملاك الغش والكذب . بالأحرى (الحزلقة) فنحن في زمن الشطار : والشاطر من لو انهار العالم لا ينهار . من لو جرف العالم كل شيء بقي صامداً لاينجرف . لا بل يجرفك ويجرف من حوله ......
أتعلم .....
لربما لم يعد مهماً أن نلتقي ......
فلا لقاء بعد اليوم ليجمعنا .
الآمال كلها انتهت ... وبات كل شيء مكشوفاً .
أقنعتنا زالت مع السنين ولم تعد وجوهنا مهمة . أصبحنا كشيء يجمع الماضي والحاضر .. يختصر الزمان بعجزه .لم تعد كما كانت سابقاً ... لربما عيوبنا لم تعد تبصر كاالامس . وأي أمس ؟؟ والزمان عندنا قد تجمد وتحجر .... وكيف تمر السنوات هذه كلها ونحن فيها لم تتغير . وغدونا رواية لزمن شلت فيه العقول عن القراءة فبات الزمن يعدو من أمامنا ومن خلفنا ولكنه دوماً أمامنا دون أن يعبء بنا . زمن لم تعد فيه للصباح طعمه ولم نعد نشتم فيه رائحة الزهور .زمان بات مظلماً رغم كل النور الذي ترسله الشمس إلينا وينوب عنها القمر ليلاً ...بقناديله المنتشرة /النجوم/
زمان يعتق فيه الأرواح النبيلة ويلقي بها خلف الجدران ...زمان يجعلنا كلنا فيه أسرى حرب . زمان يقتلنا من قبل أن نولد . ويرسم مصيرنا الأسود . والنهايات التعيسة فقط . أم تراه أنا و أنت ولدنا من قبل أن يولد حبنا العذري ... لا أدري ....
ولم أسأل ... من أسأل يا ترى نفسي ولا أدري أنا من أكون حقاً ومن هي نفسي ... أتراني لعنة أرسلها الماضي القابع بين كتب التاريخ المظلمة ... أو أنني من تلك الفلسفة البليدة التي يحاول بعض المهرطقون إقناعنا بها مع أنها قد تكون بلا قيمة ولانفع لنا أو لهم .
حياة ... ماعسانا نكون فيها ربما أنا وأنت محاور لا أكثر . ربما جسور يعدو عليها الزمن . حتى الزمن لا أظنه بحاجةالينا ومن له حاجة بجسدين بلا روح . لكن مهلاً من تراه قد سلب روحنا ومن علمنا فلسفة الأشتياق وسلبها ووضع عوضاً عنها كرهاً بليغاً .
من ذا الذي قتل حلمنا وجعلنا أرامل حب هرم . عشرون سنة وأنا أهديك في كل صباح لعناتي أرسلها لك مع فنجان قهوة سادة . لا أرسلها كي تكون سكراً ... ربما لتكون السم الزعاف الذي يستقر في الحشا ولكن مع هذا لم يكن ليقتلك بك . لربما أنا التي من كانت تريدك أن تبقى حياً فقد اعتدت على صباحي الأسود . قلبي الذي انغلق قد نسي النور فلم يعد يرغب في رؤية الضوء أو ربما لم يعد بحاجة ليرى وجهك أو يخوض في تعابيره وأخاديده التي حفرتها السنون ...
أنا لم أكن الفتاة الوحيدة التي رحلت إلى الماضي بحب عتيق ففي كل فتاة متحف تخفي فيه حباً عتيقاً . ربما حب من طرف واحد وربما حب كتب له الموت من قبل أن يولد . مثل الصغار الذين يموتون في أرحام أمهاتهم دون أن يمنحوا
فرصة لقول شيء أو حتى للبكاء . لربما كان كل واحد منهم يأمل أن يسرق من هذه الحياة اللعينة نفساً واحداً فقط .
لكن لا ...
فربما نفس واحد كان سيمنحهم الحياة ويعطيهم آلاف الأنفاس . وأكثر . هنالك أشخاص يولدون ولهم كل شيء .ومعهم كل شيء . ومقسوم لهم كل شيء .
وأشخاص كثر يولدون للا شيء . فيعيشون كنكرة على هذا الكون . يحاول واحدهم جاهداً أن يضع لنفسه مكاناً حتى لو ضئيل .
إن الأفراد أو الأشخاص أو الأطفال . غير مهمة التسمية الذين يموتون بالأرحام من قبل أن يولدوا هؤلاء الذين لم يكتب لهم حتى بضع من جزيئات الأوكسجين .
هذه هي الحياة ...
وهذه هي المعادلة ..... التي لم يفكر أحدا ًفي أن يحلها .... ولم يحلها وهي محلولة أصلاً .
أناس يكون عددهم ربما (10) أو (9) وأناساً يكونون صفراً نعم صفراً والمعادلة تحتاجهم ومؤكد هم مهمون بالنسبةإليها لذا يجب أن يظلوا صفراً ..والغريب أن الصفر هنا ليس بلا قيمة . لا يساوي شيء لكنه إذا أزيح من تلك العادلة فأنه يؤثر بالمعادلة كلها أصلا هي تقوم عليه .
مثل الأبنية التي نشيدها ونعلو بها وربما يأتي يوم وتسقط بنا ونتمنى حينما نكون تحت أتربتها لو أنها كانت طابقاً واحداً أو حجرة واحدة كي لا ندفن تحتها دون أن يرانا منقذ أو يكون قد فات الأوان على الإنقاذ أصلاً .
آه ..........
مالنا ومال تقسيمات هذه الحياة على كل الأحوال لم تكون عادلة معنا ... سئمنا منها وسئمت منا لا أحد منا يطيق الأخر لكن نحن نكمل بعضنا . مع أنه لا أحد منا يأخذ ليعطي الأخر بنفس القدر .
مثلنا أنا وأنت أنا أعطيتك كل شيء فكنت /كلي / وهبتك كل مالم تعطيك إياه حياتك . ومنحتني سنين من الغربة وألم الشقاء واللادارية لم أكن أدري أنني حمقاء أو با الأحرى مغفلة اتشحت بسوادك وبلؤمك المعهود بكل سرور.
أعطيتك صيفاً يدفء قلبك وربيعاً يسر ناظريك . فأهديتني شتاءً عاصفاً بالبرد ينقصه المطر الطاهر النظيف وأرسلت بي إلى خريف العمر المقحل . أرسلت بي إلى نهاية البداية أول بداية النهاية ؟
كيف لي أن أحبك وأنت قاتلي كيف أبتسم لصورتك التي لم تفارقني وسكينك في قلبي .. كيف أنظر إلى عينيك وعيني مكتحلة بدم خيانتك . كيف جعلت مني حمقاء غبية ؟ أنتظرك وهماً وانا التي كنت كشجرة الدر التي لم يخلق مثلها في النساء . ذكاء .. ودهاء ....وإشراقاً .....
بأي سحر سلبت عقلي وأي طلاسم قرأتها علي . كيف تقع من تهز عرش العالم بيدها كيف .... ؟
كيف أهبك حياتي فترمي بي في مقابر الأحياء . التي كنت أنت من غزل خيوط أكفانها بأوتار كذبك وخيوط غدرك كيف . ؟
لماذا تقع النساء ؟ وهن من وصفوا بالدهاء أم تراه وصف اخترعتموه لتخفوا مكركم . من الملام نحن أم دهرنا أم زمن خلفنا ورائه وعداً سريعاً وخلعنا من ذاكرته وأرسلنا إلى متاهات النسيان .
غريبة هذه الدنيا ...
الشر والطيبة فيها ندان . لكن معي أناتوحدا.. كنت الطيبة التي تتجرع شرك /20 / سنة
؟أتعرف حتى كرهك أصبح محبذاً عندي أسمع نغماته في أذني فتطربني .
تصور أنني أسمعه أيضاً في نغمات فيروز العتيقة التي كنت أسمعها كل صباح وأتذكر صباحاتنا الدمشقية التي كنا نعيشها سوياً . كنت كلما غنت فبروز أشتم رائحة القهوة وتفوح عبثاً رائحة الياسمين الأبيض وتنبعث رائحة الليمون اللبناني . وتكسر حدة رائحتهم رائحة الدماء الفلسطينية . كما ترسم في وجهي رمال صحرائنا العربية فأسمع حوافر الخيل ترقص مع دموعي المتراتبة .
كنت في فرنسا أعيش كل يوم صباحاً عربياً لكن بطريقة أخرى . كان صبحاً مسلوب الأنوار . مع أنني في بلد النور . لقد كنت حاجزاً بيني وبين الشمس . كنت مغيّب حياتي .
جعلتني أعيش كل صباح كأنه بداية لليلة جديدة . ليل حزين طويل . ليل يتبعه ليل .
كنت أتسأل هل شهرزاد روت قصتها في ألف ليلة ..... ومن منا يعيش ألف ليلة .
الأن قد أدركت معنى تلك العبارة . ألف ليلة وليلة .
أرجح أنها ليل ونهار فقط . فأنا كنت أعيش كل ليلة كأنها ألف ليلة . بالفعل .
لا أدري هل يجب أن أشكرك على أنك منحتني فرصة أن أعيش آلاف الليالي . ربما ....
لكن ما كنت أريدها . أأعترف لك بشيء كنت أتمنى أن أعيش بقربك ليلة واحدة من بعد ما افترقنا فهي عندي تساوي آلاف الليالي . آلاف الليالي لعمر واحد وربما لليلة واحدة .
على الأقل كنت لأعيش بقيمة ليلة تغني عني ليالي الدهر كله .
لم أكن لأحس ببرودة العمر تسري بي كما أحس اليوم . أو كنت فعلت أشياء جميلة وملئت روحي من المرح وأنا ألهو معك من بعدك باتت كل الليالي عندي سقيمة بعيدة لا تلبث أن تنتهي لتبدأ من جديد والمفارقة أن أسمي صبح . أسم جميل يجمع أشياء كثيرة ويعني الكثير .
إلا لي أنا صاحبت ، فقط يذكرني بأن ثمة شيء في هذا العالم يسمى صباح . وأي صباح . صباح ليلي متكرر . صباح ينتهي قبل بدايته . صباح يموت قبل الولادة . صباح من دون نور ولاشمس ما عساه يكون كسوفاً . كسف حياتي فكسف لها عشقي الأول والأخير .
عشقي الذي بدأ بي من النهاية . أرسلني إلى نهايات متعددة نهايات يولد فيها كل شيء إلا الصبح .
ربما هناك أناساً لا يعنون شيئاً لا هم ولا صباحاهم وأنا منهم فما عساه يزيد صباحي وما عساه يرد لي ولمن أصرخ ولمن أنادي . أأقول لك اعد لي صباحي . وأي صباح يشرق لي ونورك البغيض غائب .
أي صباح أعيش وأنا أعاني من كثرة حبك وكثرة كرهك .
ولا أدري أهما متعادلين أم أنه هناك من يطغى على الأخر . أم تراهما تآخيا لا أدري وليس مهماً أن أدري . فلقد انتهى كل شيء .
لم تعد هناك بداية ولم تعد هناك نهاية . دنيانا هكذا نعبرها بتصاريح كثيرة بأوراق وهموم كثيرة .
طوابع معاملات روتين ويجب أن ننفذ كل شيء إلا أنها حين تعبرنا لن تكون مضطرة لشيء أو حتى
الاستئذان على الأقل .
دنيا تنسل من بين أطرافنا المنكسرة على عتبات زمن يتشبث بنا رغم كرهه لنا . وإزدرائنا له!
دنيا تملأها براكين من الألحان تنتشر فيها الموسيقا الصاخبة . حين تفضل الاستماع للموسيقا الصاخبة تكون في لحظتها تستعد لتفجير نفسك ... لتفجير جسدك اللعين ... لأن تضرب أفكارك بألحان رهيبة أو أن تستدعي كل شياطين نفسك التعبة حيث تعيش جنوناً إراديا لا يشعرك بشيء لكن تستلذ بنهايته . جنون الفوضى جنون الأصوات العميقة التي تدخل أنفاسك وتسري بشرايينك أو تستقر بخلايا دماغك .
وهناك من يفضل الموسيقا الكلاسيكية الهادئة التي تزيد نفسه كسل على كسل التي تستدعي نفسه إلى الاسترخاء أو السفر بعيداً . ترسله في غربة منسية بعيدة وسعيدة . وفي الحالتين الموسيقى الأولى والثانية متشابهتين يحملان نفس الصفة والغرض ..... وعلينا أن نتكيف مع موسيقا الحياة ونعشقها
سواء كانت موسيقى حرب وأصوات انفجارات وقنابل منوعة .
أوموسيقى
حياة . فموسيقى أصوات الثكالا وألام المرضى تشبه نحيب الروح التائهة في جذع شجرة أسقطتها الفؤوس . لكن من الذي عرف موسيقى الدموع ؟
أن ذلك الدمع الأخرس له موسيقى لا يفقهها إلا قلة من من يهتمون لأمره أصلاً . لقد بكيت من الدموع لو جمع لألف سيمفونية في العشق لم يلحنها أحد . ولكنها كانت ألحان بحد ذاتها .
ذرفت دموعاً لوجرت لروت قواحل أرضنا وأينعت . لم تكن تحمل الملح .. بل كانت تحمل النقاء . نقاء الروح نقاء القلب وصفوة الروح كانت دموعا تحمل معها كل شيء جميل وترسم لك كل ما خبئت من حب لك في داخلي .
لكن لماذا كلنا نخشى أن ننظر إلى داخلنا كل منا يخاف من داخله . يخاف أن يغرق في أعماقه يخاف من المجهول الذي يحمله في داخله .
لا أحد منا يعرف من هو حق المعرفة .
كل منا يدعي أن قلبه أبيض .... ولكن . هل هذا صحيح .
وماذا يعني إذا كان قلبنا أبيض . ماذا يضيف لنا لون لم ولن نراه .
ربما يكون هذا اللون أصلاً مقيتاً مخيفاً .
على كل حال هنالك أناس أعماقهم مفرقة وهناك أناس أعماقهم فارغة تدور في اللاشيء فلا شيء أصلا فيها مهم . هنالك أناس اتبعوا سياسة التجويف هكذا لايحملون شيئاً البتة .ربما يخافون من الثقل وأي ثقل ثقل المشاعر أو الأوهام أوالهموم التي تحاصر الناس من كل حدب وصوب لقد أصبحنا في عالم لا ينفع الندم فيه شيئاً .
الساعة الآن التاسعة صباحاً .....
في هذا الوقت كان من المفترض أن تكون شوارع باريس منعدمة الزحام كل قد انصرف إلى عمله أومدرسته . تمشي كأنك تعد خطاك فقط لاغير .
صحيح أن الجو بارد لكن جمال المكان ينسيك كل شيء . ينسيك لماذا خرجت من بيتك أصلاً . كثرة الأنوار كثرة الجمال .. الناس التي لاتعبىء بك أصلاً .
كل هذا مزيج لخلطة غريبة لا تستغرب . فحياتنا مليئة با لخلطات . هاهي الحديقة أمامي ساكنة هادئة فيها قلة من الناس لكن يمكنك أن تتجاهلهم . الناس هنا لا يلاحقونك بنظراتهم وتكون نظراتهم إليك عابرة ولن تستدعيك بالسلام عليها ولن تنزعج من عدم التسليم .( العصافير وبعض العجائز أركان مهمة للحديقة ) . الورود كثيرة فيها لكن عبق بلادي ينقصها .
تنقصها روائح كثيرة في ذاكرتي . تنقصها ضحكات أولاد شقاوة فتيات أألفهم. أو ربما تنقصهم طفلة عمرها /10/ سنوات تلهو كأنها أميرة صغيرة خرجت من رحم الأزهار . طفلة ربما تكون أنا .
المقاعد هنا جميلة مرتبة . ليست كالحديقة التي استذكرها في مخيلتي التي أبقتها خيوط الذاكرة . لكن تلك المقاعد المكسرة كانت تعني لي أكثر .
تلك المقاعد كل مقعد يذكرني بصديق أو صديقة جلسوا معي وتناولوا بعض الأطعمة المحببة . أما هذه المقاعد فلا تذكرني إلا بالساعات التي كنت أجلس فيها وحيدة أسرح في ليل عقلي وسواد أفكاري وأحزاني . لذا لا بد أن أودع هذه المقاعد قبل أن أسافر وأكون وفيّة لشيء سيصبح مع مرور الوقت هو أيضاً ذكريات وربما سأحن إليه . أيعقل أني أتيت لأخلع رائحة أحزاني من هنا . جالت عيوني الحديقة كلها بأشجارها وعصافيرها وعجائزها . أحسست أنني أحبها . وأنها قد تكون شيئاً سيفتقدني .
وربما أكون قد خلفت ورائي مقعداً لبائسة أخرى سرقت أحلامها وأمالها . دفعة واحدة .
فما أكثر سارقي الأحلام .
لماذا هنالك من يحاول اغتصاب أحلام ونجاحات الناس . لماذا تدفع غيرة البعض إلى الحسد ومحاربة النجاح بدافع الغيرة وحب الأمتلاك . فقط ليستنزفوا أحلام الغير وطموحاتهم ويمنعون النجاح بإرساله
إلى هاوية الانعدام .
فكيف يكون هنالك قمة نجاح في عالم البؤساء .
أناس يحولون الماء في كأسك إلى أجن لأنهم يستخسرون عذبه فيك .
وداعاً يا مقعدي وداعاً ؟؟؟ لكن كن وفياً وتذكرني . ولا تشل ذكراي .
لا أدري لما اليوم أرى الشوارع بشيء غريب هذا اليوم الشارع منذ عشرين سنة وأنا أسكن فيه . لكنني اليوم أحس أني أتعرف إليه للمرة الأولى . ربما هو شعور الفراق أم أن الشوارع تريد أن تآزر معي في مسيرتي وانتفاضتي الأخيرة . أعلم شيئاً واحداً أنني ماضيةٌ إلى مكان أحمل فيه بقايا من روحي وبعض من السرائر التي باتت تتوق للأنعتاق .
أوقفت تاكسي لتوصلني إلى المطار فعلي أن أكون هناك في الحادية عشرة كي أستعد للسفر . ربما السفر الأخير وربما لا .
كانت اليوم باريس مزدحمة ليست كالأيام العادية التي تمر بها في مثل هذا الوقت لتراها عجوزاً سكنت تنتظر الظهيرة كي تستقبل أولادها .
فاليوم هو رأس السنة . اليوم ينهون عاماً ليستقبلون آخر ينكصون بعهد سنة ليوفوا بعهد آخر . الشوارع
كانت كلهامنيرة وكل شيء فيها جميل وحتى شجرة الميلاد التي تتربع وسط الساحة كانت تملأها الزينة بطريقة عجيبة وكانت تشتعل نوراً كانت عظيمة هائلة تملأ الأرجاء نوراً .
هذه الشجرة التي يقف تحتها أطفال ليتمنون لأنفسهم عاماً جديداً سعيداً . ربما مليء بالشوكلا لكن أنا عجزت أن أتمنى شيئاً وأنا أراقبها من التاكسي . ما عساني أتمنى وأنا في هذا العمر وقد فرغت آمالي بك .
كنت أراقب وجوه الناس وانظر إلى سعادتهم وكأنهم يجتمعون في مسبغة للسعادة الكل هنا ينتظر أن يرى عاماً أفضل من الذي قبله . لكن هل يا ترى ستتحقق آمالهم . لم يبقى على وصولي إلى المطار إلا القليل لكنني لم أكن أريد أن أفكر بشيء وأنا في التاكسي . كنت أريد أن أستودع المكان والناس بعيوني فقط . كنت أريد أن أختزن بعض من الذكرى وبعض من المشاهد . فكنت أريد أن أبدأ ذاكرتاً جديدة لعمر جديد .
ها هو مدخل المطار وهو ممتلئ بالناس . الكثير من الناس قد عادوا ليشاركون عائلاتهم بداية العام الجديد . ويحتفلون بسنة قد تكون الأتعس لهم أو الأسعد قدتحمل غنى وسعادة أحدهم وموت الأخر .
لكنهم يتبعون العادة ليس إلا . كنت أنتظر وصول طائرتي لأحلق في سماء هذا العالم لأقفز بروحي بعيدا لأتوحد بغيوم السماء وأداعب بأفكاري سطح القمر .
ياااه .يا لحظي رقم مقعدي هو /13/ لكن ليس غريباً . وليس مزعجاً على الأقل هو من المقاعدالأمامية .
وصلت الطائرة و قدماي ترتجفان ..اليوم سأزور تاريخاً سأزور ذاكرتي سأزور أحزاني وأفراحي سأدفن آلامي وأحزاني .
هاأنا أصعد المدرج وهاهو مقعدي بانتظاري لم تكن طائرتي مزدحمة . وهاهي تستعد الآن للانطلاق إذ كل شيء فيها كان يدفعني للرحيل أو لأن انطلق معها كأنما كانت هناك يد تشدني للسفر .
كم أكره هذه اللحظة التي هي بين الاستعداد للإقلاع والإقلاع
هاقد حلقت الطائرة في السماء أحسست كأن روحي اختطفت من الأرض إلى أعلى ببضع ثواني بين كوني على الأرض وبين صعودي إلى الأعلى . لم يكن شيئاً مخيفاً فلطالما رسمت لي أرجوحة في السماء وتخيلت أن روحي تسكن قصراً بين الغيوم ..
أغمضت عيني وتذكرت الرحلة الأخيرة لي ...
وتذكرت كيف رميت بي بين ثنايا فرنسا . وكيف جعلتني كسلة مهملات تحتوي نفاياتك ونفايات أفكارك الملعونة الساحرة بكل مافيها . أذكر حينما أتيت أول مرة لدمشق كنت فتاة في الثامنة عشرة وقد كنت أنهيت التعليم الثانوي وسافرت لسورية كي احقق حلمي في دراسة المسرح لأنني كنت اعشق المسرحيات واعشق فنها وفنانيها . واحترم فنهم الصادق الذي يؤدونه أمامك لتحس إنهم يتكلمون عنك لم أكن أحبذ المسرحيات الكوميدية مع أنها ممتعة إلا إنني كنت أفضل المسرحيات الاجتماعية .
التي يملأها الصراخ وحدة الغضب والثورة . حيث تحس بأنهم هم ثورة نفسك . من منا لم يعشق مسرحيات موليير ومن منا لم يعش مسرحية الحب واقعاً . مع أننا في زمن اغتيال الحب والبشرية .
لقد كنت أول من لتقيت به في مدخل المعهد وأول من سألته كيف وأين أسجل .
كنت لطيفاً وسيماً ولكن ليس هذا ما دعاني لسؤالك أحسست بأنني يجب أن أطلب مساعدتك دون كل الموجودين شعرت بأني أعرفك وليس هناك مسافة تفصلنا أو حرج بيننا كي أطلب عونك وفعلاً أرشدتني وساعدتني إلى أن أنهيت تسجيلي . وللمصادفة كنا أنا وأنت طلاب في نفس المعهد وفي نفس السنة السنة الأولى .
مرّت أيام ونحن ندرس أصبحنا زملاء درسنا سوياً ومرحنا وتشاركنا كثيراً من الأحلام والآمال . نسجنا مسرحيات عشق في الهواء وكنا المخرج والمؤلف والكاتب ايضاً . عملنا على أن نكون متفوقين جداً نحاول أن نثبت ذاتنا وفي نفسي كنت أحاول أن أتفوق عليك كي تزيد من حبك وفخرك بي . كان كل أصدقائنا يحسدوننا على التناغم الذي نحن فيه وعلى حبنا الجميل . كانت سنوات الدراسة تمر سريعاً دون أن نحس بها أو بثقلها . كانت سنوات جميلة كل ما فيها شاعري وبتنا نستحق تقدير الأساتذة والأصدقاء .
جميلة هي الأحلام التي عشناها وممتعة الأيام التي تقاسمنها لا أستطيع أ أنسى طعم أيام تداخلت في ثناياي تجسدت مع دمي تدافعات الذات والأنا والهوى تمتزج بك إن لم يكن الإنسان بمقدوره أن يضع
شيء فليصنع حلماً وأنا كنت مدركة أنني صنعتك حلماً لكن حلماً يتحدى وهم الخيال بالحقيقة . أيها العاشق المعشوق المبدع المنكفئ إلى النجاح المستديم . كنت متفوقاً في كل شيء قلما لا تكون متفوقاً علي . كان علي أن أعلم أن من يستطيع طحن العالم يسهل عليه طحن الحب في بوتقته .
في معبر هذه السنوات بت أدري أنه في حياتنا هذه كل شيء له ثمن . أننا مضطرين لأن ندفع ثمن كل شيء وكل كل مافي حياتنا يحمل ضريبة ما . لكن مع الحب تكون ضريبة مرتفعة جداً .
انك لا تدفع مالاً بل تدفع روحك وآمالك . وكل أحلامك المبعثرة . تدفع كل شيء مهم وربما كلك . (على مبدأ ادفع تندفع )
لكنك في بعض الأحيان لا تحصل شيئاً بالمقابل وترجع منكسراً خائباً تجر أذيال الخسارة والانهيار وما أصعب انهيار الروح صعب أن تستفيق يوماً وتجد أنك فقدت صفة الإنسان جسد لكن لا يحمل انسان ماعساه يكون أكثر من تلك الدمية التي تزرع في الحقل كي تبعد الغربان مع إنها قد تكون بحد ذاتها غراباً فهم يصنعونها بشكل قبيح . ربما يستخسرون الجمال فيها .
لقد حاولت أن تكون لي أنا وحدي
كنت أريد أن أتحدى العالم بحبك كنت أريد أن اقهر أعداء الحب والأنسانية أردت أن اقفل الأبواب بوجه سارقي الأحلام واصفع بحبي وجه المارقين أصحاب الهرطقة البالية الذين يهرطقون ويثرثرون بلا أهمية ويحاولون تدمير إنسانيتنا
لكن صعب عليهم أن يصكوا شعوباً خالية المشاعر كعملة خاوية الترانيم كجماد نزع منها ذلك الوتر الموجود مع أن تعزف عليه أو تداعبه بطرف الأصبع حتى يرق كل شيء في جسدك أو سيأتيك صدى من أعماقك ليهز خلاياك ويقول لك أنت إنسان ابكي . أبكي وطهر نفسك وأنعم بعمادة الروح . أنعم بالصفاء والصدق ولو للحظة .
الشيء الوحيد الذي لم يقدر أحد أن يسلبنا إياه هو الدموع . دموعنا ملكنا وحدنا فقط . هي هويتنا الإنسانية . هي ليست ضعف بل هي رحمة ورقة هي عذوبة وصدق هي البعد الإنساني الذي أختبئ وراء صدى الروح التي ملت من كثرة الأوام فيأتي الدمع كنهر يعيد الحياة إلى عيوننا ويغسل خدينا بلطف عميق ويحي جداول روح باتت قاحلة جافة .
دائما ًتبحث الروح عن روح أخرى تساكنها تحيا بها وتمتلئ فيها تماماً.. تماماً كما امتلأت فأصبحت كلي . كنت دائماً أحس بهجرة روحي إلى جسدك كنت أرى روحي تستقر فيك حتى أنني كنت أرى عيوني في عينيك يرسمان فيها سياسة الاستيطان حيث كانتا مستعمرتين بعيوني . كنا حبيبين يملئوهما حب المغامرة فقد كنا لا نزال شابان نمتلك الكثير من الأحلام العبثية التي لا وقت لها في حياتنا ولا مكان نحتاج لتحقيقها أن نعيش سنين كثيرة جداً لكن في وقتها كان حلمي الأهم هو أنت . أردتك أن تكون مسرحيتي .. من إخراجي وتأليفي أعدك كما أريد وأكون أنا جمهورك الوحيد .
هل تدري بأن حياتنا بحد ذاتها مدرسة اخراجية كبيرة تملأها المسرحيات ونحن أبطالها لقد جاهدنا أنا وأنت كثيراً كي نصبح ممثلين بارعين .
كنا نغوص في صفحات الكتب والنصوص ونحاول مافي وسعنا لأن نقدم شيئاً مميزاً صحيح أن سنوات الدراسة صعبة جداً.. خاصة أننا كنا نحمل نفسنا العبء الكبير . لم نكن نريد أن نصبح مجرد فنانين عاديين مهملين كقطعة خشب جافة يأكلها السوس .
مجرد فنانين ربما يأتيهم دور بسيط كل خمسة أعوام أن حالفها الحظ . فالفنانون كثر ولكن للأسف المسرح يعاني من قلة الاهتمام . والمسرحيات قليلة نسبياً والناس لم تعد مهتمة للمسرح .
سابقاً كان هو الوسيلة الوحيدة للترفيه أو التواصل مع الناس لكن في عصرنا لم يعد يملك الإنسان فيه وقتاً . ماعاد المسرح يعني شيئاً فالتلفاز غطى عليه عدا النتت والهموم اليومية التي باتت تحتجزهم في بوتقتها وترسم لهم حدود الشقاء .
أنا وأنت أردنا أن نغير فلسفة الناس تجاه المسرح أردنا أن نعيد الحياة للخشبة وأن نستعيد جمهورها .
قد كنت تكون تقول لي إن المسرح هو حياة وصحوة للضمير .
المسرح يترجم الناس . هو الشيء الذي يمكنك من قراءة نفسك ويوضح لك كل مآسيك هو ضوء الفرح ودمعة الحزن وسياسة الوطن تنبعث فيه رائحة الثورة والفكر تنبعث فيه رائحة الحرية ويفك رموز الاحتلال الفكري . هو فقط من يرسلك إلى قمة الصمود . هو من يرفع شعار الوفاء وكل شيء يتغير كل شيء يرحل إلاهو.
فقلت لك . صحيح أننا نبني مسرحا لكي نبني وطناً .لامكان فيه للحرية المقيدة .
نحن نرسم فضائنا فيه لنتحرر من فضاء رسم لنا لنعتزل قيود هيئت لناو نستعيد فضاءاتنا المرتحلة .
لكن يحزنني أن بعض أصدقائنا تركوه وحيداً وانصرفوا للتمثيل في التلفاز .
طبعاً ليس لأنهم يريدون خيانته أواعتزاله لكنهم يريدون العيش فالمسرح لا يمكن أن يمنحك مدخولاً يكفي لأن تعيش . لذا ما إن يفكر أحدنا في العائلة حتى يهاجر بعيداً عنه .
لحظتها وبعد أن أنهيت كلامي كان في داخلي سؤال يراودني وهل أنت سترحل يوماًما وتتركني مع هذه الخشبة وحدي . بعدها قطع وحدتنا وصمت أفكارنا صوت خط الأستاذ بدر كان يتجه نحونا بخطى
مثقلة لكن بالنهاية اقترب منا ورسم على وجهه ابتسامة صغيرة ابتسامته المعهودة التي تدفعك إلى الأمام وتمنحك شيئاً من الدعم . كان الأستاذ بدر مدرسنا الذي لم يكن سوى أب لنا .
قال وهو يتأملنا بعيون فرحة : صباح الخير يا أنسه صبح .
صباح الخير أستاذ بدر .
ثم ألتفت إليك وهز رأسه قائلاً لن أقول لك صباح الخير يا مجد يكفني أن صبح كلها معك فنظر الأستاذ بدر إلى الخشبة ثم قال أنتما روح المسرح أنتما العصافير التي تغرد وسط ركام الأرواح المتعبة . هل تعلمون كم عدد المسرحيات التي قدمت هنا . وكم من الأصوات علت وارتفعت معلنة ولادتها على هذه الخشبة .
قلت بصوت مرتبك . ليس مهماً أن أعلم كم من الولادات ولدت هنا فهذه الخشبة أم وأم لا تمل من كثرة الإنجاب .
بعدها ساد صمت لم يلبث أن قطعه صوتك يا مجد حينما قلت نحن أبناء الخشبة من أخذنا جزء من روحها لذا أشعراني ولدت هنا وأتمنى أن أستقر هنا .
كنت في لحظتها أشاهد فرحة في عيني الأستاذ بدر وتكسرها دمعة دمعة نزلت من عينيه كان فرحاً وفخوراً بنا كان يشعر بأن المسرح يستنهض روحه من جديد ...
هل كنت حقاً تنوي الاستقرار في المسرح أم أنك كنت تنوي الاستقرار بي والاندماج بين خلايا روحي إلى حد الانتشار فتستوطن بي وتستعمرني . كنت من دون أن أدري أتخذك مسرحي وأجعل منك المسرحية الوحيدة في حياتي مع أنك من حولني إلى نص مسرحي مهمل على بعض الرفوف ينتظر أن يبصر النور ويترقب لحظة أن يرفعه احد ما ولو عابراً ليقرأه أو يعيش بين صفحاته .
كثير من النصوص قتلت .. .. كثير منها اجهض دون رحمة هل هي كثرة الكتّاب أم أنها كثرة النصوص أم عدم الاكتراث . لربما صرنا في زمن تخطى هذه الأبعاد وعدا عنها سريعاً دون أن يشعر بها . في ذاكرة تلك الخشبة التي قد لا تعني للكثيرين أشياء كثيرة.. هنالك مخزون من الألم والحزن والفرح والثورة أن أعظم حالات التناغم في تلك الخشبة حين تتوحد مع روح الممثل فيمتزجان معاً حينها يخيل إليك أنهما يعيشان وحدة حال بعيدة عنا
خشبة لاأكثر غيرت في بعض الأزمان مفاهيم الكثير من الناس . صنعت ثورات وانتصارات وربما حروب فجرت براكين نفوس كانت تنتظر من يمنحها الشرارة الأولى لقد كان المسرح جزأً لايتجزء مني كان بيتي كان حلمي كنت كلما تمنيتك تعمقت فيه لا أزال اذكر حينما كنا نستعد لمسرحية الألم التي كنا أنا وأنت بطليها ما قاله الأستاذ بدر . اذكر حينما دخل قائلا : لاتنظروا إلى النص . لاتنظروا الي الكلمات انظروا إلى أعماقكم واستنتجوا النص . نظر إليك بحدة وقال انظر إلى آلامك أظنها أكثر من كافية . لايمكنك أن تقول كلام النص كأنك في درس قراءة عليك أن ترسم الألم في قلبك وعينيك وترسله الي وجهك هكذا تصبح مقنعاً أكثر . لم يفاجئني كلامه ابداً . شعرت انه يهزني بل شعرت انه جاء ليسيل دمعي من دون أن استدعي رائحة البصل الذي يعدونه خصيصاً ليستجدون دمع ممثل لم يعرف البكاء قط . شعرت أن الأستاذ بدر يريد أن يتخللني أنا ويكتشف المك فيّ فينشئ نصه ذلك النص الذي شعرت بأنه استوحى مفرداته مني ومنك ومن الناس اجمع كان النص مذهلاً كان ألماً محبذاً كان الماً يومياً .
غريب أن ترى نص يترجمك يكتبك في سطوره . لم يكن ذلك النص يعتمد على كثرة الأشخاص بقدر ما كان يجمع في شخص واحد كل الأشخاص يومها لم يكن الأستاذ بدر يريد المغادرة
كان الأستاذ بدر قد جهز كل شيء مسبقاً اختار عناصر مسرحيته سلفاً وكان كل شيء معداً . اختارني أنا وأنت وروند وشمس وخالد قال لنا : لن أقول لكم لاتفشلوا .
بل سأقول لكم انتم النص وانتم روح الخشب الأم . فلا تخذلوها . لااريد أن أقول لكم أتقنوا حفظ النص . بل كونوا النص .
فرحنا كلنا وشعرنا بروح التفوق وأسعدتنا نظرات الحسد التي نالتنا من رفاقنا يومها لم يكن غبطةً بل كان حسداً فقط .
لقد قرأت هذا النص كثيراً لدرجة أنني توحدت به لا بل وقد انصهرت به غريب أن ترى نص تسري كلماته بين شرايينك .
كنا في مقتبل العمر مفعمين بالشباب وأفكار الثورة ، الوحدة ، الحرية .
كان كل شيء ثوري يوحدنا بل يجعلنا نثور لن اقدر أن اصف كم ثورة بنيت في ذاكرتي وقلبي (إن مفردات العروبة قد تعني الكثير لمن يستغرق بها ) كان النص مليئاً إذا بالثورات .
قرأنا نصنا سريعا قراءة مبدئية وكأننا نريد استكشاف النص والتغلغل فيه كنا خمستنا نشكل فيه الثورة . لقد كنا ثورة الفكر و الشعب وربما ثورة الرغيف والضمير المنزلق إلى الخمود ونسطر قصته شعب لم يستسلم ابداً . لم نكن ثورة الجزائر ولا سورية ولا فلسطين .
إنما كنا ثورة الإنسان للتحرر من كون المرء عبداً .
عبودية الإنسان في أيامنا كثيرة ، أما عبداً للاحتلال يملاءه بوبائه ولن أقول أفكاره فا الفكرة السيئة وباء. وأما عبداً لنفسه لذاته وشهواته . وهنا أيضا لن أقول لأفكاره بل لسمومه (الناس هنا ضائعة وزحمة الناس هي من ضيعتها ) كان النص يتكلم عن الفقر لكن لم يقصد الفقر المادي بل تكلم عن الفقر الروحي الفقر العاطفي وكان هذا يثيرك كما تثيرك الكلمات التي تتكلم عن معانات الإنسان من رواسب أفكار الاحتلال ليست أفكار التحرر المنفرط بل بعض المعتقدات التي تشكلت كالخوف وحب السيطرة والتملك . لذا لم نشعر يا عزيزي أننا نمثل شخصاً أوبلداً بل كنا وطناً عربياً يستصرخ كنا حدوداً تبكي وتشكي من تفرقها عن الوطن الأم .
بأي حق نقسم وطننا العربي بأسلاك لنفرق دويلاته عنه . أحياناً يخيل إلي أن خارطة الوطن تبكي فراق أبنائها .
عندما ساد صمت بيننا ونحن نقرأ الأوراق التي بين يدينا كانت شمس مستغرقة بنا تنقل ناظريها في عيوننا وكنت أرى في عينيها سكوناً يخترقني وينتشر بي والكل كان يلاحظ مثلي .
قالت شمس : لاتستغربوا .
لكنني كنت أريد أن أرى كلمات هذا النص فيكم وفيّ . أتساءل إلى أي حد تشبهنا كلماته هل هو الثورة أم نحن ثورته . من نحن فيه أصوات الوطن أم رماح أبطال أهدونا انتصاراتهم وتفوقهم وأخذوا معهم صدى دمائهم .
حينها نزلت دمعة من عيني شعرت بحرقتها في عينيكم .
مضت اسابيع ونحن نتدرب ونستعد ونتهيأ في كل مرة ، نقدم المسرحية للتجربة (بروفا) كانت روحنا تنصهر تتوحد مع النص كنت أحس تلك الخشبة جزء مني كنت أحسها وطني الذي ابتعدت عنه لأصل إليها كنت أراها حلمي الذي أناضل كي أصل إليه وكان هذا الحلم هو سكني وراحتي .
كنت حينما أقف على تلك الخشبة أشعر كأنما أنا أتحرر من عبودية /2000/عام .
كأنني أولد من جديد كنت أشعر بخروجي منها كأنني أخرج من رحم أمي بل كنت أشتم رائحة أمي بتلك الخشبة .
خشبة لو ضربت بقدمك عليها لشعرت بصدى العالم كله يهتز لك وشعرت بعرشك المرسوم على أرض خرافية حينها تقلدك عليها ملكاً .
هاهو الموعد اقترب وهاهي مسرحيتنا الأولى تستعد لأن تشرق تستعد لأن تولد وأنا أكثر منها استعداداً
كان الارتباك بادياً على وجوههم . كنت أرى خوفاً من أن نكون وهماً لأشخاص وكنت أنت لاتخشى الفشل بل تخشى أن نموت .
تخشى أن لانكون مقنعين فنموت مع أول عرض لنا .
أما أنا فكنت متأكدة بأن أمي لن تضع شاهدتها على روحي بنفسها كنت آمل أن تعطيني بريق حياة أمتلئ به .
ضحكة الأستاذ بدر التي لم يكن لها معنى كانت تعني لي الكثير كنت أترجم لها كلمات عديدة كنت أفهم منها بأنه متفائل إلى أبعد الحدود . وطبعاً فتحت الستارة فتحت ، لأفتح عيني على العالم كله أول مرة أفتح عيني لأرى عشرات الناس ينتظرون ولا يدرون ما ينتظرون .
وقفت وأنا أنسي نفسي كل الأشخاص وأراهم مجموعة بلاد عربية .
كنت أراهم أرضاً وماءً وعشباً وحضارة .
كانت أول كلمات لي ...
إن كان نهاري بيدي فلما أخشى الليل . إن كان الموت يشفي من الألم فلما أخاف .
إن كان علمي الإسلام وشعاري العروبة فلما أخشى سياسة الاستعمار .
إن كنت أحمل دم عربي فلماذا أخشى على نفسي من سياسة التتريك والفرنسة والأمركة .
لاشيء يمكن أن يستعبدني وقد ولدت حرة .
في هذه اللحظة لم أكن أتكلم فقط . كنت أصرخ
كنت أصرخ وأنادي ... أنادي نفسي واستحضر شعوباً كثيرة . لا بل آلاما كثيرة .
كم أنا ممتنة لذلك الكاتب الذي ترك لي فرصة التأليف .
لم يسمي عنوان النص (الآلام) بل سماه الألم ليمنحنا فرصة إضافة بعض من آلامنا .
أنهيت الجزء الأول . فأتت شمس لتقول .
لم يسمني أبي عبثاً لم أخلق لأكون ظلاً . أنا شمس معرفة . أنا العرب الذي صهرته خيوطي أنا الفتاة التي قد تسلب الغاصب نهاره .
أنا من قد أرسل الخير ليكسر شر الأفكار المثلجة .
أنا التي لن أخضع لوجباتكم السريعة .
إن كان عنصر السرعة ينقلني إلى الشتات فأنا أفضل أن أكون السلحفاة وتكونوا أنتم الأرانب . إن جراحنا تلتئم مع كل ضحكة طفل ولو عابرة . أما جراحكم فيملأها تاريخكم الفاسد .
شرذمة عصركم لن تسبقنا . فنحن نملأ أرضنا أرثاً بما نهم الآباء من ثورات .
خرج صوتك صاخباً وأنت تمشي برهبة الممثل الذي يعطي دوراً يخاف أن ينهي نوره عند الناس قبل أن يشتعل . نظرت إلي بشيء من الخوف . وقد كنت هنا تمثل دور الغاضب . كنت كل المحتلين في شخص واحد وفي هيكل واحد .
خيّل لي أن المسرح انشطر لي ولك أنا وأنت وكأننا في مواجهة لأول مرة .
قد كنت ندي وكانت هذه معركتي لم أكن أريد الخسارة لأنني اعتبرتها قضيتي .
قلت وقتها: ما الفرق بين الجهاد والاستعباد نحن نستعبدكم ونستعبد أجسادكم .
لكن الجهاد موت يستعبد كل شيء فيكم . وربما لا يعيدكم إلى حياتكم . أما عندنا ففكرة الحياة موجودة
ثم تابعت كلامك بقول أن البقاء للأقوى .لمن يصنع انتصاراته . شريعة الغاب هي شريعة البشر أصلاً لا الحيوانات .
قطعت حصتك من الكلام . حيث أنه كان لديك الكثير لتقوله وجزءك لم ينتهي .
أنت ومن أنت أصلاً اغتصب جسدي بكل مالديك من اسلحة إليك إن كان هذا مرادك اغتصب مالي وعمري لكن أفهم بأنك لن تغتصب روحي ولم ولن تمتلك أفكاري وأرضي إن لم تلفظك فيكفيك أنها ستبتلع جسدك وتجعل منك نفاية .
حتى تميزك . لن يسعدك .ستكون أسيرها ستحيطك بدماء مقاتليها وتخنق فيك كبريائك المزيف .
ومن سيبقى في النهاية هو الله والوطن وذاكرة الدماء .
كنت منفعلة وكأننا عدوين نستعد لمعركة .
خرجت روند لتبكي ولدها الذي أفقدتها إياه نسمات الرحيل . كانت إذاً روند أم الشهيد .
قالت : لن ابكي أولادي الآن دمعاً . لن ألطم وجهي بعد اليوم .
اليوم سأتحدى أسرك واتحدي عنفك وقتلك وسأنجب أكثر . وفي كل صباح سأرسل لك طفلاً جديداً وربما خنجراً اغرسه في قلبك .
إن لم ترحل عن أرضي فإن ثمة يوم ستفوح منه رائحة دماء أولادي وهي من سيطردك .
إن لم ترحل عن أرضي ستطوي أرضي نفسها وتنفضك خارجها .
دخل خالد قائلاً : أماه لاتبكي علي فإنني استحي أن أرى دمعك يسقط على الخدود ولا يجد يدي كي تمسحه .
أماه . هاك دمي انظري فيه وجهي وابتسامتي وكلما اشتقت لي اسكبي نقطة منه على أرضي فأنتفض لثورتي من جديد .
صفق الجمهور بأعلى صوت لليدين . وظهر وجه الأستاذ بدر الذي شعرت حينها أنه لم يكن يريدنا أن نمثل ألم المسرحية بل ألمنا نحن ومشاعرنا نحن اختارنا نحن وكل واحد منا من بلد عربي مختلف .
لكنني أنا كنت أشعر أنك أنت بلدي . أنت موطني ليس بالضرورة أن أكون سورية كي أسكنك وكي انتشر بك وامتلئ.
كانتا روحانا قد عقدتا محالفة لدولتين عربيتين ينويان التوحد لا بل الذوبان ببعضهما .
كنت أشعر بانصهار روحي تدريجياً بك فكنا لوحة واحدة لرسام واحد لم يوقعها إلا بحبنا .
أسرع الأستاذ بدر إلينا ليلقي علينا مجموعة من المرادفات . مبروك رائع مميز .
لكن ماهو المميز في بضع أسطر للوطن . أظن أن وطناً سطر تاريخاً لايكتفي ببضع أسطر .
قال الأستاذ بدر : لن أقول لكم خير الكلام ما قل ودل .
لكن ربّ كلمة واحدة تشرح العالم وما فائدة الأسطر وأنتم الكتب وأنتم الرواية .شدة الفرح في أعين أصدقائنا كانت توحي بأنهم لم يتوقعوا نجاحنا بل خلت أنهم تخيلوا لنا نهاية سيئة .
ربما على الأقل صحن بيض يستهدف رؤوسنا .
أما أنا كنت أتمنى أن نتحول إلى قنبلة تستنهض رقاد العالم المستمتع بالنوم .
حتى النوم لم يعد بذي طعمه فااليالي باردة خاوية لا دفء فيها .
غادر الجميع القاعة وكذلك خمستنا كنا نريد الاحتفال احتفال نصر صغير لنا .
صحيح أنه العمل الأول والمسرحية دراسية لذلك كانت قصيرة ولا تحمل أجزاء لبدايات ونهايات إلا أنها كانت زمناً نملأ فيه بوح الكاتب وروحنا المنسية .
دخلنا إلى كافيه .
كان مقر ألتقاءاتنا . أما لنجعل منه مكان لاحتساء . قهوة بهدوء . نفس الأشخاص الذين يشكلون يومنا.
فهنالك أشخاص هم الجمر المهم في مسيرتك أو النور الذي يستجذبك حينما تكون تائهاً في سرداب دنيا ضاقت حتى بنا .
جلسنا نهنئ بعضنا أذكر يومها أنك قلت وهل ما قلناه كان كافياً وهل الوطن وحبه مختصر .
قال خالد : أن دمعة صبح كانت كافية لأن تشطر النفوس وتوصل لها آلاف الكلمات الصامتة .
هل كنا نشكل على طاولتنا وطناً هل كنا وحدة أم كنا جزء من بعض اللاشيء .
انسحب الجميع بعد فنجان قهوة سادة سادته أحاديث كثيرة وكثيرة من السعادة .
وبقينا أنا وأنت وطني الحبيب وعاصمتك أنا .
قلت لي إذن هذه البداية .
رددت عليك : آمل أن لا تكون النهاية وضحكت .
ثم قلت . أريد أن ننجز أكثر أن نبدع أو ربما أن نمتلك الخشبة .
كانت كلمة غريبة . نمتلك المسرح إذن وهل المسرح يغتصب . الخشبة لكل أبنائها .
قلت لك : إنني سأناضل سأكافح أنا لم أترك بلدي وأتحدى أناس كثر لافشل .
لن أهدي فشلي لمن أرادوا قتل أمنياتي وسلبوا متعتي في الفرحة .
قلت لي إن حياتنا تملأنا با لقراصنة وللأسف أكثرهن من الأقارب الذين يسعون لمصادرة نجاحاتنا وآمالنا ويدوسون أحلامنا وكل مرة بحجة جديدة لكن في النهاية كلها مجرد عادة فإن لم يستطيعوا إن ينجحوا حاولوا سلب النجاح إما بقتله أو بأن ينسبوه لأنفسهم
(أنت فاشل لأنك فاشل وإن نجحت فهذا لأنك تنتمي لهم ) هكذا يقتلون صنيعك ويغتالون نجاحك .
كان كلامك صادقاً لكن هؤلاء الناس في النهاية لم ولن يكونوا إلا محطات فشل والنجاح يدوس الفشل بنعاله ويعتليه . دراسة وتعب وآمال كثيرة وأحلام تزرع مرة وتفتقد مرة أخرى وصور كثيرة ترسم في المخيلة وتطبع فيها .
لاأنكر أن وجودك في حياتي خفف علي وطئت الأيام بل كنت أحياناً لاأرى في المعهد غيرك ، أنسى وجود الأشخاص وتبقى أنت ولا يشاركك أي بعد آخر .
كنت أحب فلسفتك وأحب خياراتك في هذه الحياة وربما شكلك الرتيب فقد كنت وسيماً أنيقاً وتمتلك سر لغة الكلام نعم كنت تتكلم بسحر غريب وكأنك تمارس علي طقوس التنويم المغنطيسي أو ترسلني إلى دوامة النسيان فأنسى عالمي وارحل إلى عالمك فأستقر بك وأنسجم معك . قضيت معك أوقاتاً كثيرة . كم كنت أحب أن أسمع منك المسرحيات ونصوصها برؤيتك الخاصة وانتقاداتك لبعض الكتاب والناقدين أيضاً . الذين ينتقدون لا لسيء بل لأنهم مجرد ناقدين خلقوا ليفسدوا الإبداع بنقد من رؤيتهم
متجاهلين آراء الناس . كنت تملك سر الكلام كنت المتكلم .
آه كم انبهرت بثقافتك وحبك للتاريخ وكم جعلتني أحبه .
كنت كمن يغوص في رمال الصحراء فينبش أبطالها واحداً تلو الأخر وتوزعهم أمامي وترسم كل بطولاتهم وتستحضر أمجاد أبطال من أعمق عمق في التاريخ لم نسمع حتى بهم .
ياااه ماأجمل التحدث إليك وأنت تتكلم بحماسة عن انتصارات بعض الأشخاص الذين مروا بكوكبنا وبمواقف العرب الحكماء .
كم من مرة نقلتني من عصر إلى آخر كنت أنتقل معك يا عزيزي إلى العصور بقفزة فكر واحدة وأعيش انتصارات السلف وكأنني أنا من صنعها أم تراك أنت من يريد أن ينتصر بي أو علي .
كنت تجيد لعبتك كنت حاذقاً مراوغا ًالفاظك تشد النفس إليك . ثقافتك رتابتك تضعك كل سيء فيك ممتع . خشيت أن تلبسني فكنت أنا من ألبسك . كنت الشخصية التي تتقمصني عوضاً عن تقمصها . كنت أنت من تترجمني أنت من تنتشل أفكاري الغارقة وسط ضحل الضياع اليومي . أنت من علمني حب الزهور ولما اعشقها .
أنت الزهرة التي تنبت في قلبي أنت من سلبني دون أي مقاومة . أحببت أن أضيع بك أنت الإنسان القريب مني الوحيد الذي يبعد عني أوهام الحياة بأوهامه بثقافته بمنحي الصبر بحبك لجلد الصقالبة الذين كنت تعشق فيهم جلدهم وقوة صبرهم على الأحتمال لذا فقد أهديتني رسالة ابن فضلان كي اقرأها واقتنع مسبقاً بحبك لهم وشجاعتهم .
لم يكن من داع لها إن كنت أنت رسالتي فكيف لاأصدقك لست بحاجة لشاهد .
مرت أيام وأيام ونحن نحاول أن نحصل على عرض مميز بعيداً عن النصوص المقررة في منهاج الدراسة أو بالأحرى نص جديد لايضر انتصارنا السابق .
ربما كنت وقتها تريد أن تعوض ما فاتك بالعرض الأول لنا . ربما شعرت أن التصفيق كان لي وحدي واستثناك .
أردت أن تبدع شيئاً أو تنتقم للشخصية التي أنا قاطعتها ولم أسمح لها أن تقول كل ما كان مقرر لها . لكن كنت تريد نصاً مختلفاً كنت تريد شيئا يشبهك شيئا يتقمصك لاتتقمصه وأنا كنت أنساب إليك شيئاً فشيئاً . كنت أقتنع بكلامك كنص كتب ليكون مقرراً له أن ينطق بكل حرفية . صحيح أنني كنت أعرف
أنك تسودني وتمتلكني وتمتلك صيرورتي ومكنون ذاتي ومؤكد أنني علمت بأنك الشلال الذي يجرفني بكل ما فيّ ويحولني إلى مساره ويلغي مساري لكن ما عساي أفعل لشيء بدأ يسري بي إلى حد التطابق . كنت تتقاذفني كموجة كتب لها أن تغرقني وتسدل على كل الصمت لم يعد يقنعني أن أمثل مسرحية مثلت منذ حين بأشخاص آخرين .
كنت تقول نحن حين ندخل المسرح لاندخل لنقدم عرضاً يستحق تصفيق الجمهور إننا نقدم شيئاً يحلق بنا خارج دوائر العقل خارج النسيان والذاكرة .
إن الفنان فقط هو من يعيش التناقض بكل تفاصيله لأنه الوحيد الذي يملك صفة التصنع دون رقابة يحق للممثل أن يكون لصاً دون أن يلاحق .
الممثل حينما يعطى دور مجنون يحلق بالدور حداً يطغى جنون المجانين أنفسهم لأنه على ثقة بأنه سيصفق له ويقال عنه بارع .
فيما لو فعل هذا الدور غيره لنعت بالمجنون .
وأي مجنون وأية مجنونة كنا .أنا التي كنت أمارس الحمق في حبك و عشقك .
أنا التي كنت أتغلغل بالعبثية لا تغلغل بك أكثر .
لم تكن حباً لم تكن عشقاً كنت وحدة امتزاج كنت جسدي وروحي معاً مراهقي انت نضالي واخر مراهقتي التي لم اكتشفها لتبدء .
احببت فيك كل شيىء بت راحتي وتسكعي في احلامي الضائعة .
كانت دمشق قبلك مجرد حلم لي ...حلم طفلة تدوس عتبات الشباب حلم فتاة تريد أن تصبح ممثلة أو نجمة فأصبحت دمشق الآن حلم امرأة تريد أن تشكل معك أحلامها المنسية . أتذكر حينما أتيت لتقول لي
ها هو ... هاهو ذا وكنت تركض فرحاً نحوي .
حينها صراخك قطع حديث بيني وبين شمس . سألتك وما هو الذي حصل ؟
ـ النص الذي كنت أنتظره .
ـ وأي نص . النصوص التي تتمنى الحصول عليها كثيرة (فقد كنت أعلم حبه لأن يجسد دوراً لأعمال موليير و حبه لهملت كما أن عشقه للموسيقا يدفعه لأن يحلم بدور يجسد أنغام بتهوفن ) .
يومها نظرت إلي بشيء غريب بنظرة من عين غيرعادية تلك النظرة التي تخترق أوصالك ولا تدري أشيء من الخوف فيها أم من الدهشة فكليهما يمنحك رعشة آنية
قلت لي لالا النص الذي سأكونه قبل أن يكونني النص الذي سأملئه قبل أن يملئني رحت أغيب في ذهني لأجد شيئاً أفهمه لكني لم أفهم .
نظرت إليك ثانية وقلت لك اجلس على المقعد واستغرق في جمال هذه الحديقة وعندما تهدأ أنفاسك افهمني .
ضحكت تلك الضحكة المختصرة وقلت الالياذة . نعم الالياذة .
فاجأني صوت شمس يقول وما الجديد فيها كي تعاد الآن إلى التمثيل من جديد غريبون نحن العرب نعيد تمجيد انتصارات الغير حتى في مسرحنا . المسرح الذي يغتصبونه بطريقة خاصة لا يملكون إدخال المدافع فيدخلون الأفكار . نحن لانفعل شيئاً سوى تمجيد أفكارهم وأعمالهم أين مافعلوه العرب ؟ هل انتهت قضاياهم ليعيشوا أو يعششوا في مقابر الغرب ومن ثم نطلب أن نتحرر إذا كانوا يسيطرون على حياتنا لدرجة عدم الأنفكاك فكيف نأمل أن نصنع مسرحنا الخاص .
ساد الصمت بيننا كانت على حق لكنك كالعادة أقنعتها كيف لا وأنت تجيد وتمتلك لغة الإقناع .
قلت لها الفن لغة عالمية والخشبة في كل بلد وكل مكان ذاتها وإن تغيرت أفكارها فهي ملك الشعوب وليس سياستها . وهي المنطق الإنساني المبتعد عن ثقافات الانتماء وتابعت حديثك الذي حول أفكاري بعيداً عنكم .
الالياذة ولما الالياذة أكنت تريد دور هميروس هل كنت تريد أن تتخيلني طروادة وأن تحتلني بحصانك أوخديعتك المنمقة على شكل هدية .(حينما تكون النساء لقمة سائغة ويتحول الشباب إلى ذئاب هنا ينتهي العالم وتسود الأنعدامية) .
كثيرة هي النصوص التي تتالت وكثيرة هي الأحلام التي رسمناها سوياً في شوارع دمشق لقد بت أعرف حجارها كلها وكنت أستمتع بحديثك عنها . عن ثوراتها عن لغة شعب لايموت عن أفكار تدور في الهواء إلى اللامنتهى . لقد قلت لي يوماً : الناس يخافون التفكير أو النطق بعقولهم فيسكتون عقلهم كي لاينطق بفكرة دون أن يحق لها أن تدون فتموت .
صحيح إذاً أن مقبرة الأفكار هي في داخلنا هي من صنيعنا هي مقابر جماعية لآلاف الأفكار آلاف الإبداعات التي نفضل قتلها داخلنا خوفاً أن تقتل خارجاً(منا لم لايحمل أفكارولاأحلام هو عالم اللاشيء)
لاأدري ما كنت في حياتي وقتها أنت الصديق أم الحبيب أم المعلم .
أنت من أشبعني به أنت من علمني فن التسكع في عينيك وشعاب روحك. أنت الذي كنت تطيل الحديث عن الانتصارات والهزائم أنت من علمني أن الشعوب هي ثورة وشعب بلا ثورة هو مجرد نسخة لشعب غير موجود .
أحببت سورية لأنني أحببتها فيك وأحببتك وأحببت كل ما فيها لأجلك أنت كنت قوتي وانتصاري كنت علوي وانحداري كنت صمتي الصارخ كنت نهايتي قبل البداية وبدايتي المختصرة .
كل شيء فيك جميل وهادئ . كما أن حماستك كانت مثيرة لاتمكنك من تجاهلها . لدرجة أنك صرت واقعي وحاضري ومستقبلي لم أكن أحقق نجاحاً دونك كانت مسرحياتنا تنجح تباعاً وروحنا تتجهز بمسرحها الخاص الذي نملكه سوياً وتتغلغل به إلى حد الانتشار .
ماأحلاك يا انتصاري في زمن قلّت به الانتصارات وما أمتعك يا هزيمتي أمام عتبات روح ملت الانتظار . أنت حلم لا يراود الكثير ولكن يستقر بذاتي .
وهكذا وبعد مرور سنوات الدراسة التي كانت تتقاذفنا بنجاحاتها وأحلامها كالموج في عرض البحر تلك السنوات التي نضجنا بها ونضج حبنا الذي شهدت له كل أعمالنا ابتداءً بالخشبة وأدوارها وانتهاء بقلبينا المتداخلين ببعضهما نجحنا أنا وأنت بتقدير ومجموع عالي كذلك الصحبة الذين كان أقربهم إلينا شمس وخالد وروند .
إذاً وأخيراً انتهينا من الدراسة . اليوم أصبحنا ممثلين بحق . اليوم تنتهي الأفكار الطفولية اليوم أنا وأنت سنضع قدمينا على الطريق الذي ترسمه الحياة .
اذكر أننا في هذا اليوم احتفلنا على نفس الطاولة التي احتفلنا عليها قبلاً عند النجاح الأول لنا الذي ضمنا خمستنا وجعل منا أصدقاء مقربين جداً .
الكل كان فرحاً الكل منجذباً لنفسه ليهنئها على طريقته الخاصة .
أما أنا فنسيت نفسي لأهنئك وحدك كنت أغمض عيني لأكتب تراجيديا جنا المحتجز في دوامته كنت أنهي آخر مسرحية لي في عقلي على طريقتي الخاصة أودع المعهد بمسرحية تدور على خشبة هي عقلي و أفكاري ممثليها.
حلمت بمسرحية لا تأبه بالكاتب ولا المخرج . تتحرر من النص وتحركها الخشبة كما يحلو لها دور وعمل يأبى التذبذب في هيمنة الأفكار و الانطواء لكي ينصاع كما يريد المخرج.
تخيلت نفسي أمثل دور جولييت و أنت روميو الحبيب الذي يسترق ساعات من الليل ليقدم لي بعضاً من الأزهار وكلام العاشقين تخيلتك تجثو على قدميك تحت نافذتي لتعترف لي بحبك و أن أعيش الدور بتفاصيله لكني غيرت النهاية. لم أكن أريد نهاية مأساوية لم أسمح لأهلي بإبعادي عنك وعوضا عن تناول السم خرجت إليك مسرعة لأحضنك وأمضي معك وأهرب بحبي بعيدا دونما أن توقفني كلمات كاتب أو صيحات مخرج يلبس ثياب العنجهية ويحاول دائما أن يشعرك بأنه أهم منك.
إذاً مضت سنوات الدراسة
ومضى معها كثير من الطفولة وبعض من حماقات الشباب
قابلنا أشخاصاً كثر وتعرفنا على زملاء كثر وامتلأنا بمشاعر الحب والحزن و الألق و الأرق عشنا كل الأضداد سوياً. مشينا طويلاً على أرصفة دمشق وقطفنا الكثير من زهورها التي كان يضطر بعض أصحابها لحراستها من يدينا مشينا في كل أزقتك يا شام لبسنا من لباسك وشربنا من مائك وامتلأنا بك
حد الجنون مدينة تحمل كل المدن اسمها يجمع اسم لأكثر من بلد (بلاد الشام) حتى عصافير دمشق حفظت أسماءنا . قد ألف أهلها وجهينا من كثرة التسكع بها بحثاً عن آمالنا .
إذن مرت أشهر على التخرج .
عرضت فيها علينا بعض الأعمال بعضها كان مقنعا مهما والآخر كان بضعة كلمات سطرها أحمق ليدعي لنفسه أنه كاتب أو لأنه يحب الثرثرة ولا يجد مفرغا لثرثرته إلا الورق الذي كانت كلماته الغبية تستصرخ هرباً منه.
آهٍ يا أيام الأستاذ بدر كيف رحلتي.........
مؤكد أنه مخرج من نوع آخر. لم أكن أدري أنني بعد التخرج سوف ألهث وراء أي مخرج يتذكرني بدور. وإن وجد فسيكون غبيا بلا قيمة لربما على الممثل أن يصبح كاتبا ليكتب شيئاً يمثله أو يشبهه. وإن وجدت دور فإنك ستكون تحت رحمة مخرج قد يجعلك تشعر بالندم كل لحظة على هذه المهنة حينها فقط تحس أن الخشبة تستنزفك عوضاً عن تضميد جراحك.
رأيت التذمر في عينيك رأيت حزنك وحجم الصاعقة التي كانت تهزك. أهذه هي ثمرة دراستنا قلت مرة لخالد علي أن أجد مسرحي.
استوقفتني هذه الكلمة وجعلتني أنسى أننا في المقهى تجد مسرحاً لك.
تريد امتلاك مسرح.
دخل خالد وروند من الباب واقتربا من الطاولة.
صباح الخير....صباح الخير جميعاً.
قالت روند: ما بالكم متجهمين؟ ما الذي جرى؟
ورحت تشرح لها نظريتك الجديدة . آه أيها البارع الذي يخترع نظرياته حسب أهوائه وتتغير نظرياته عشرات المرات .
أعلم أن المسرح يعاني بعضاً من البؤس أعلم أن مسرحية أدبية أو وطنية أو حتى فكاهية لا يفكر أحد بأن ينزل عنها إعلان أما لو استخدم المسرح لراقصة فإنك ستجد صورها في كل شارع وعلى كل باب يقارب المسرح لا وقد تجد إعلانا في الصحف والتلفاز ورغم ارتفاع سعر بطاقتها تأتي الناس لتحضرها . على عكس المسرح الذي تكون سعر البطاقة فيه رمزية ولا يأتيه إلا قلة من المثقفون الذين ربما لا يأتون ليتابعون المسرحية لكن ليثبتوا أنهم مثقفين ومحترمين فللمسرح احترامه ولم نسمع يوما عن إعلان في التلفاز لمسرحية كل ما في الأمر أن تلصق ورقة كتب فيها اسم المسرحية أو لافتة قماشية لفها الهواء ببعضها فلم ولن تتمكن من قراءتها. وقد تسمع عن مسرحية عرضت لم تكن تدري أنها قد عرضت ومنى عرضت أصلاً.
عندما كنا صغارا وأحلامنا في عقولنا لم نكن لنعلم أننا نحتفظ بأحلام قد تصبح بلا قيمة عند الكبر . نحلم ونحلم بأشياء يأتي الواقع ليفسدها وهو يتلذذ بحماقة نصره.
مضت أيام الطفولة. ومضت أيام اللامبالاة ومضت معها أيام المراهقة بكل ما فيها من حماقات وآمال منتهية قبل البدء .
أنا وأنت فقط لم نمضِ بقينا سويا نخطط للرحيل والبعد عن واقعنا .
أردنا أن نرحل إلى أحلامنا وأردنا تحدي واقعنا وعدم التنازل للركون إلى ما تمليه علينا الحياة .
بعد التخرج كانت تستهويك فكرة واحدة ........ الرحيل.
الرحيل فقط إلى بلد فيه مسرح أو إلى بلد يعطيك مسرح لنفسك.
حاولت جاهداً إقناع الكل بالسفر وكم رسمت لنا من آمال في الخارج .
بالنسبة لي ما كنت لأتركك ترحل دوني أبدا .
أما شمس فقد كانت مخطوبة أو بالأحرى مرهونة لشخص قبل أن تولد . وكأنما ولدت خصيصاً لابن عمها الذي كان يعمل في الخارج وينتظر تخرجها ليتزوجها .
لربما كان يفضل أن يجلب معه قفصه الذي سيزج بها داخله وينهي صفقة التملك التي منحوه إياها أهلها
وبالنسبة لروند
فلم تكن قادرة على السفر إذ أنها أكبر أخواتها البنات ولم يكن لأمها معيل غيرها لذا عليها أن تأخذ دور الأب والأخت وربما الوالدة.
أدوار تصوغها مسرحية الحياة تحت عنوان النهاية والتكسر.
كان لا بد لروند أن ترسم أحلامها ضمن دائرة الوضع الضيق الذي تعيشه أسرتها أسرة أتعبتها صفحات العيش وسط ركام الحياة المنسية التي لا تعني لهم سوى العيش لمجرد العيش نفس يمنحهم المزيد من البقاء الذي لا معنى له.
إذن لم يبقى سوى أنا وخالد وقد كنا موافقين ومذعنين لآرائك .
لربما قد وضعنا آمالنا وآمالك أو أردنا توحيد أحلامنا سوياً عسانا نكسر قوانين الحياة المتسلطة.
قال خالد: سأمنحك سنتين يا أخي لربما تغير شيئاً.
قد أخسر في هذه السنين بضعاً من الأدوار البسيطة. لكن ليس مهماً لربما أجد شيئاً هناك عند الضفة المقابلة لهذا النهر.
صمتنا لمدة دقيقة لربما كان كل يفكر في مأساته التي لم يكن يفكر بها يوماً.
هاهي شمس تنصدم بواقعها الذي رغم أنها فتاة متحضرة ومن عائلة منفتحة لا تزال تعتبر الفتاة هي منحة لابن العم (وآه يا لعصر الجواري).
وروند تكتشف أنها ستبدأ رحلة شقاء جديدة لأنها ستكون مسؤولة عن أسرة كاملة.
جاء صوتك مقاطعا كل الصمت ليكسر البؤس الذي بدا على الوجوه.
قلت أيها الرفاق أريد أن تشهدوا شيئاً
الكل صرخ: ما هو ؟؟؟
أخرجت من جيبك علبة صغيرة وقلت لي أن أفتحها.
قمت بفتحها وأنا أشعر برهبة الفتاة التي تتخيل ما في داخلها وتخاف أن تصدم.
كان في العلبة خاتم جميل جعلني اشعر بصعقة تسمرني في مكاني وتشدني إلى الأرض أحقاً..أحقاً هذا لي. أمعقول بأننا أخيرا سنتزوج .
دهشتي وفرحي جعلاني أبدو كغبية حمقاء جعلاني أطير وأنا أغوص في الأرض.
اختلطت مشاعري بين الخجل والفرح والخوف . مخيفة الأحلام عندما تتحقق . نظرت إلى الأصدقاء وكنت أرى في عينيهم تواطؤ أحقا كانوا على على أم أنهم كانوا يتوقعون هذا ويترقبونه مثلي .
فرحتي كانت تملأني وكنت سعيدة بأنك خطبتني بين أصدقائي وعلى طاولتنا .
مع أنني قد تمنيت ساعتها لو أن أمي على قيد الحياة فأخبرها علها تشاركني الفرحة أو تزغرد لي كباقي الأمهات .
وها أنا ألبس الخاتم الذي وضعته بيدك يا عزيزي بإصبع نحيل الذي كان يرتجف خوفاً وفرحاً.
تركت الجميع وركضت باتجاه قاعة المسرح كنت أريد أن أشارك الخشبة فرحي كنت أريد أن أضمها وأقول لها هنئيني يا أمي وارقصي مثل باقي البنات اذهبي لجاراتك وافتخري بأن ابنتك عروس.
ودون أن أشعر دموعي كانت ترافق خدودي وظللت أبكي لربما أفرغ شيئاً من نفسي بين قطرات الدموع.
رفعت رأسي إلى أعلى لأفاجأ بكم مرة أخرى ولكن بإضافة الأستاذ بدر وبعض من الرفاق وكأنكم أتيتم لتشهدوا نهاية عرضي المسرحي.
ارتبكت كثيرا ولم أدر ما أفعل . اقترب مني الأستاذ بدر قائلاً: ابنتي لا تخجلي .
كلنا أهل هنا لكن كان على والدكم أن يعلم أولاً (وكان يقصد نفسه)
اتصل بنا وجمعنا في اليوم التالي دخلنا المسرح لنجد رفاقنا الآخرين يحتلون القاعة وقد كانت ملأى
بالزهور ويتوسطها قالب حلوى كبير كتب عليه صبح ومجد إذن الحفل لنا.
كان السرور يغمرني بقوة مسكت يدك وقلت لك أحس اليوم أنني المشاهد أو المتفرج ولست الممثل.
أجبتني: إذاً انعمي بشعورك أنا الآن أنتظر تذوق الحلوى فقط.
وحضر الأستاذ بدر وقطعنا قالب الحلوى واحتفل الجميع بنا.
لربما أنا الفتاة الوحيدة التي احتفلت بخطوبتها بالمسرح عوضاً عن الصالة .
وهكذا قرر الأستاذ بدر أن تكون بدايتنا هنا وأن يجمع شملنا في هذا المكان كما التقينا أول مرة .
..............
إذاً حان وقت الرحيل .
فتحت عيني في الصباح بعد ما رن جرس الهاتف وإذا بك أنت تتصل . قلت لي قد حصلت على عقد لنا وأمامنا وقت قصير للمغادرة .
ها انت متعجل إذاً ـ قلت لك وكم يلزمنا من وقت . قلت لي أسبوع .
ثم أضفت يكفي الأسبوع لتجهيز أنفسنا سوف أخبر خالد .
وأنهيت المكالمة .
شربت قهوتي بسرعة وخرجت إلى الشارع أردت أن أودع دمشق أردت أن آخذ منها إذناً بالرحيل سنوات ليست بكثيرة جمعتنا لكنني كنت قد تعودت عليها . أصبحت جزءً لاينفك مني كيف سأنسى صباحها الجميل كيف سأنسى أنها هي من وهبتني إياك .
مشيت كل الدروب التي مشيناها سوياًوتأملت كل المحال التي كنا نرتادها لشراء أغراضنا اليومية . كانت عيناي تودعها وكأنها تريد أن تشبع منها تريد أن ترسم لها صوراً من كل الجهات .
وروحي تريد أن تحمل منها أكثر من مقطع شعرت كأنني أريد أن أختزن هوائها وبعضاً من شمسها لأيامي المقبلة .
وكم كانت رغبتي شديدة في أن أذهب إلى لكل الناس مودعة حتى دون أن أعرفهم .
مشيت ومشيت إلى أن أصبحت لاأشعر بقدماي المتعبتين . وعدت للبيت منهكة .
في الصباح التالي أتيت بصحبة الأصدقاء كي ننزل للسوق ونشتري ما قد يلزمنا أوما نحتاج إليه من الأغراض . واقترحت روند أن نذهب لسوق الحميدية أولاً . قالت ممازحة : مارأيكم أن نذهب لسوق الحميدية ونقصد المحلات الشعبية ونشتري بعضاً من تلك القطع التراثية ، التي يأتي لشرائها أناس من كل مكان ور توجد قطعة واحدة في بيوتنا . طبعاًهذه هي العادة يأخذون قطعة قماش أو نحاس ليشعروا أنهم بذلك يرتبطون بالوطن لكن الوطن والوطنية أكبر من أن تتجسد بقطعة خردة لم يكن أصحابها يملكون شيئاً لتصبح في مماتهم قطعاً ثمينة . ....وفي الآخر طبعاً اشترينا بعضاً من هذه القطع على الأقل كي لانكون مضطرين لتزيين جدراننا بتراثهم أو بإجزاء منهم واشترينا بعض الملابس . والحاجيات بالإضافة لبعض الكتب التي قد نحتاجها .
بعدها تابعنا التسكع في السوق ربما كان هو يريد أن يودعنا .
عندما فرغنا عدنا إلى البيت وكل منا يحاول أن ينهي أموره .
كنت أنت من خطط ودبر أنت الذي قمت بكل أعباء السفر ومعاملاته المميتة .
وقبل السفر بيومين قررنا أن نودع الشام سوياً خمستنا معاً كأصدقاء جمعتهم وهاهي تفرقهم .
شمس سترحل إلى لبنان وروند ستبقى في سورية تحاول عبثاً إنقاذ أسرتها . ونحن الثلاثة سنغرق في دوامة المهاجرين .
لم يبقى شارع دون أن نزره لم تبقى ياسمينة إلا وقطفنا جزء منها جمعنا وروداً كثيرة كنا نستعد لأن نودع الطفولة والمراهقة معاً . والعيش آخر يومين لنا في اللامبالاة .
بعضهم خالنا جننا وبعضهم ظن عندما رأى أننا نسير ونضحك بحرية دون أن نأبه لعيون المارة أننا سياح أجانب .
وـخيراً بقي أمامنا المسجد الأموي دخلنا إليه سوياَ وافترقنا النساء والرجال كل إلى قسمه المخصص له وأدينا آخر صلاة تجمعنا . في لحظات العبور للغربة . الأنسان يحاول أن ياخذ من بلاده كل شيء جميل لذا كان علينا أن ننهي جولتنا في مكان يذكرنا بديننا وأنه في وسط الزحام هنالك وقت للعبادة .
يوم الرحيل
اهذه النهاية إذاً يا شام اليوم ستودعي طفلتك
وداعاً .
وداعاً أيتها الخشبة وداعاً يا أمي وداعاً يا أستاذ بدر وداعاً أيها الرفاق هل ستذرفين دموعك علي يا شام
قالها لنا مودعاً (ستعودين يوماً ما.)
قالها الأستاذ بدر والغصة تملاه وهاهو يودعنا ومعه بعض الرفاق .
الوداع وما اكره الوداع وما اغرب الرحيل جميل أن نرحل إلى ما نريد وأن نحيى بسلام
جميل أن نمضي لنرسم لنا وجهاً على هذه الخليقة ... لكن في داخلي كنت اتمنى أن لا اجد بهذا الرحيل مزيداً من الغربة . اريد لروحي أن تستقر معك و تبدء خطة حياتها .
مشكلتي أنني اردت الحياة و أردت البقاء وعزف لن الخلود لي ولك وحلمت معك بأن نبني مستقبلنا . لابد للشباب من الكفاح لابد من آن يبحث الانسان عن فرصته لا آن يستجديها كي تصل إليه كما قال الشاعر (إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد آن يستجيب القدر.)لربما القدر يعرف كل
شيىء مسبقاًًًًًًًًً ويهيىء لنا ما شاء من افراح و الام.
الاحلام التي لا تنتهي من مخيلتنا الاحلام اللتي تراودنا كأنها جزء من مقومات العيش.
نعالي با لاحلام و ننمقها كما نريد لكن تبقى الاحلام آحلام و قلما تتحول إلى حقيقة.
وبدأت رحلتنا و بدأت لوحة الاحلام رحلة ترسم خالد وصبح و مجد بالوانها هي.
رحلة الاحلام رحلة النجاح و العمل الذي نعول عليه أو ربما رحلتي إليك ؟ .
لم يمضي وقت طويل حتى وصلنا إلى فرنسا و لم نشعر من فرط الفرحة بمرور الوقت.
طبعاً نحن سائرون إلى بلد غريب لاول مرة بلد لطالما سمعنا عنه ولم نره.
و بدأنا ترتيب حياتنا هناك.آخذت شقة لي و سكنت أنت وخالد في شقة ثانية.
هنا احسسنا بشيء غريب. فعند ما تذهب إلى بلد لا يعرفك ابداً وأناس لا يعرفونك البتة تحس كانك ولدت من جديد.
الشوارع الناس الهواء كل شيء فيها جديد لا شيء مما تحمله وتخزنه الذاكرة .
كأنما مسحت كل شيء .هنا ينسى الإنسان ماضيه ويبدء بصنع حاضر جديد له .لكن هناك بعض من الأشخاص اللذين لاشيء يمحي قزراتهم ووحشية أخلاقهم .باريس مدينة كبيرة وجميلة والناس فيها يتمتعون باللباقة والرتابة .على الأقل هذا البلد يجمع عرب كثر ممن يحملون جنسية فرنسية .ففي المكان الذي نسكن فيه كان معظم السكان فرنسيين من أصل جزائري أو مغاربي .
هذه هي أحوال المدن أو العواصم تصهر في بوتقتها ثقافات ولغات وجنسيات لتشكل شيئاً وقد لايكون سوى الزحام .
كثيرة هي البلدان التي تعاني الزحام لكن هنالك أوجه للزحام . زحام الناس الذي يضيق الصدر ويجعلك لاتريد أن تعرف أحد فا لناس كثر وزحام الأفكار والأحلام وزحام الأخلاق المهترئة في نفوس البعض.
في زحمة الأشخاص هنا تسنى لنا التعرف على بعض المخرجين وبعض الأصدقاء المسرحيين قد كانوا لطفاء جداَ . ويحولون تصنع اللباقة دائماً وكان من أبرز الأشخاص الذين لايمكن أن أنساهم (آنا)
آنا هي ممثلة مسرح ومخرجة .
والأستاذ (بيتر هانس) وهنالك رفاق من الممثلين مثل إيماسيدوإياد الذي كان جزائري الأصل .
هؤلاء الأشخاص الذين أرسلهم القدر لنا ليكون لنا معهم منحناً جديداً لمشوارنا .
وفرصة العمل معهم كانت بالنسبة لنا فرصة ثمينةوكنا جاهزين لاستغلالها بكل قوة .
وهكذا بدأت العلاقات تدريجياً تتعمق أكثر فأكثر .
الجميل أن الناس هناك رغم كل شيء لديهم وقت للمسرح وقد يعطي أحدهم أولوية لأحد أيام الشهر على الأقل ليذهب ليحضر المسرحية إما برفقة أحداً أولوحده .
وعندهم مجموعة من الأعمال الجيدة أو الممتازة وكثيرة عندهم النصوص التي تقدم لتمنحك فرصة انتقاء الأفضل منها وليس كما هو الحال عند العرب قد تجد كاتباً للمسرح وربما لايكون سلبياً لكل الإهداء أو تجد كاتباً كتب نصا لاينفع للتلفاز أو ليكون رواية فيرمي به إلى المسرح عله يقبل .
قمنا بعدة مسرحيات في فرنسا وكان العمل معهم جيداً صحيح لم تكن أدوارنا سياسية مهمة كفاية لكن أجرها كان معقولاً جداً وطريقة التعامل معهم أكثر من جيدة لم تكن مجبوراً أن تتبع أهواء المخرج وتحكم الكاتب وكان عندهم فسحة للمثل كي يعبر عن نفسه أكثر .
وعلى الأقل لن تكون مضطرين لأن تأخذ مبلغاً لايكفيك للمواصلات بعد أيام من التدرب والعمل بل كان كل شيء مرتب كل دور يمثل هناك تكتب عنه الصحف ويكرم الفنان .
وهكذا تتالت الأعمال والنجاحات . ولم نكن نفكر في شيء إلا بالعمل فانغمسنا به إلى درجة أننا نسينا أنفسنا . وبعد مضي أقل من سنة أصبحنا بحال مادية جيدة وأصبحت أنت مشهوراً ومعروفاً وبدأت روح الأنانية تظهر عليك حينما صرت تأخذ أدواراً وأكون أنا مستثنية من كل العمل وأصبح أنا هنا المتفرج كنت سعيدة لك مع أني كنت تعيسة لأجلي لم أكن أتوقع أن أعمل أو تعمل أنت أي دور دوني . لكن كنت أقول لربما هكذا يقتضي الدور .
وبعدما كنت أشكل نصفك الثاني في المسرح أخذت الدور (آنا) .
هل يمكن للإنسان أن يكون له نصفين هل يمكن أن يمتلك روحين .
طبعاً وقتها لم أكن أفكر هكذا كنت اعتقد أنه مجرد عمل وصداقة . لكن ما لبثت هذه الصداقة أن أخذتك مني لم أعد أراك لم أعد أتكلم معك مثل السابق ولقاءاتنا أصبحت قليلة . بات وقتك كله محصور معها . آه كم كنت غبية لم أكن أدرك أنك تخطط لنجاح جديد يعتلي جسدي ويرتقي فوقه والمصيبة أنني أرفعك لتدوسه .
بعد مضي سنة بدأت بالابتعاد عني تدريجياً في الوقت الذي كان المفروض فيه أن نتمم زواجنا أنا وأنت هاهي علاقتك بي تأخذ بعضاً من الفتور لذا قررت أن نعجل بالزواج .
كان لابد أن أتصل بك مع أنك تقيم بشقة مجاورة لي كان لابد أن أتصل لأنك لم تعد تعود للبيت إلا نادراً أو متأخراً . قلت لك سنقيم زفافنا هذا الأسبوع .
شعرت بتهربك لكنك وعدتني أنه في آخر الأسبوع سوف نتزوج وننهي كل شيء بطريقة بسيطة .
أردت أن أعيدك لي . الأسى في داخلي كان يشعرني بالخوف دائماً وإحساسي بمجرد التفكير في فقدانك يؤرقني ويغض مضجعي كيف لا وأنت الحبيب الذي رسمت معه الماضي والحاضر كيف لا وأنت كل شيء في حياتي بدأت الحب معك ولم أرد أن أنتهي إلا معك .
فجأة اختفيت في يوم بارد مثل مشاعرنا التي تباعدت اختفيت دون أي كلمة تطمئنا .
حتى خالد الذي كان يسكن معك لم يكن يعلم إلى أين أنت رحلت دونما وداع دونما أي كلمة تطمئننا عنك . جمعت كل أغراضك ولم تبقي شيئاً منها . ودونما استئذان مضيت إذاً .
مضيت كما يمضي خريف العمر مضيت كما تمضي الأفراح في وسط المآتم مضيت لتتركني أعاني فراقك .
كم قلقنا عليك أنا وخالد فلم نكن ندري أين نبحث عنك ولما رحلت . لم نترك أي مكان إلا وبحثنا عنك ولكن دون جدوى وبعد أقل من شهر فوجئنا بنبأ زواجك من المخرجة (آنا)
ذلك الخبر الذي أنتشر بين جميع الأصدقاء وصل إلينا نحن متأخراً .
كان هذا النبأ كصاعقة تفجرني وتحولني إلى أشلاء .
تزوجت هل يعقل ؟ لم أصدق أمعقول !
لم تكن روحي لتصدق وعقلي بات ينكر هذا الخبر ويعتبره مزحة ما .
أحسست بروحي تخلع من جسدي أحسست بدمائي تثور خارجي احترقت بنيراني ودموعي التي رفضت الانسكاب .
وكيف أصدق أنك من الممكن أن تتركني . أأشهر مع آنا تمحو سنين معي .
وحبنا وخطبتنا وخاتمي هل لازال في بأصبعك أم أنك رميته لتجد مكناً لخاتم (آنا) .
ليس سهلاً أن يقال لأحد أن أغلى إنسان لديه في العالم باعه وتركه هباءً ليس سهلا أن أستوعب ماحدث ولما.. كيف سأغفر لك كيف سأتقبل أنك بعتني وقتلتني .
هل من السهل أن تتخلص من روحي لاأدري كيف قررت أن تمحوني من قلبك ومن ذاكرتك . أنك لو استعدت ذاكرتك لن تجد فيها سواي أن شممت رائحة الماضي ستخرق رائحتي كل شيء . مهما لبست من وجوه سوف يبقى وجهي طاغياً . أين الحب أين العشق أنت يامن علمني سر الكلام .
قضيت أيام برفقة خالد بالمستشفى ولكنك لم تسأل ولم تأتي وماذا عساك تقول لي أصلاً وأنت السبب .
وهل شيء من الكلام يترجم خيانتك لي وغدرك هل من شيء يشفع لك سرقة عمري وأحلامي التي بعثرتها ،لاأدري كيف خانك الوجد فيّ . هل هي الغربة أم جشعك الذي كان ينتهز الفرصة .
قضيت أياماً أنا وخالد ونحن نبحث عنك ونعيش قلقاً كبيراً وإذ أنت في شهر العسل .
أين الحب أين أنا كيف سلختني من روحك ومن جسدك كيف انتزعت قلبك مني لتهديه لها ولماذا ؟
أمن السهل أن يتنكر الإنسان لفؤاده وروحه في لحظة هل يمكن للإنسان الطاهر النقي أن يصبح شخصًا لعينًا أين كنت تخبئ العذر يا مجد وأنا لم ألمح في عينيك إلا براءة الأطفال .
(آنا) أخذتك مني ومن دون معركة . لقد وهبتك عمري وأحلامي وتركت كل شيء لأرحل معك دون أن أشعر أني أرحل للغربة (غربتني بفعلتك) .
ضاع التوحد وضاع الانقسام وضاعت حروف العشق بين حروف الأبجدية ورحلت الآمال والأحلام معك . لو أنك قلت لي على الأقل أوأخبرتني لكان أفضل من فعلتك هذه التي تنم عن سلوك الجبناء فقط .
أخشيت أن تواجهني أخشيت أن تقول لي أريد أن أنسلخ وأنفك عنك. ماذا تقول؟؟ .
أتقول عذراً أضعت لك من عمرك بعضاً من الأيام وهدمت أحلامك مرة واحدة وتركتها لك رمالاً ورهجاً .
لاأدري كيف سحجة جلدك لي ببساطة وابتدعت غيره .
أم أنه لم يعد لدي شيء لتستنزفه فذهبت لمن يعطيك عجزاً جديداً .
تسلقت على روحي وعلى نجاحاتي في دمشق وها أنت تختار (آنا)
حصرياً لتأخذ أدواراً مهمة وتنفك من الأدوار البسيطة .
تريد أن تصبح مهماً ومشهوراً على حساب روحي وعمري وحبي وصداقتنا أنا وخالد . وخصوصاً بعد أن جلبتنا إلى هنا وورطننا في بلد غريب .
لربما كنت تنتظرني أن آتي إليك مهنئة . هنيئاً لك بهذا الفوز ها أنت أخيراً حققت أمنيتك وامتلكت المسرح (آنا) . وهكذا تدريجياً أخذت أنا دور المتفرج أراقب مسرحيتك الأخيرة معي وعرضك الذي أرتقب نهايته مع آنا لتمر الأيام سريعاً وبطيئة في آن واحد .
جاءتنا أنا وخالد أعمال في مسرح الدمى وبعضاً من المسرحيات المخصصة للأطفال بالإضافة لبعض المسرحيات في المركز الثقافي الفرنسي .
وحاولت أنا وخالد أن نلملم بعضنا في هذه المدينة التي أسماها مدينة الغرباء .
كل شيء فيها غريب حتى لو شاهدته ألف مرة . لربما شعورنا بالغربة كان يطغي على كل شيء فيمنع روحنا مع التآلف هنا . إن كل من يسافر إلى باريس لايفكر إلا ببرجها وقوس النصر ولا يتخيل صورة باريس إلا بينهما لكني لم أهرع من وصولي إليهما لالتقط بعض الصور فقد كنت أكره أن تغلف الأشياء والأهداف فنحن لم نذهب سياح بل ذهبنا لننحت من الصخور أنشودة نعتلي مسرح باريس وكل هذا تحقيق للنجاح . لم يعد لي هنا سوى الارتقاب ارتقاب نجاحاتك وشهرتك التي زادت بعبدنا وحولتنا إلى مجرد ماضي تروم نسيانه لو كانت (آنا) من خطفتك مني لكان تسنى لي وقت للدفاع عن حبي أولاً وأسوي معركة نسائية كما يقال . لكن كانت هي أيضًا ضحيتك .
أنت من أختارها وأقصاني فما عساي أفعل . لم يكن كبريائي ليجعلني أطرح نفسي عليك باكية ومتذللة .في بلد فيه الزواج مرة واحدة قد ألغاني وما كنت لأقبل بوجود غيري لذا قررت الصمت وسكنت الوحدة . تمر الناس من أمامي ومن ورائي ولا أشعر بأحد . أنسى نفسي كي أنسيها دموعاً كثيرة ذرفتها لأجل عينيك وليالي كثيرة لم أعرف سبيل للنوم فيها . صورتك تترامى إلي ذكرياتنا رائحتنا الممزوجة بعبق الشام كل شيء يذكرني بك .
وهكذا ألقيت نفسي في سراديب الصمت والأرق .
وبعد مرور /5/ أعوام تعرف خالد على أمل وهي فتاة من العراق كانت تعمل هناك كمراسلة للتلفاز في إحدى القنوات التلفزيونية . وقد كانت فتاة جميلة وأنيقة وأهم شيء جمع بينهما أنهما كانا يحبان بعضهما بطريقة عقلانية بعيداً عن مؤشر المراهقين .