مشاهدة النسخة كاملة : اخر رقصات الحبارى


الشاعرة ليلى العنزي
12-16-10, 08:50 PM
كنت امل ان الحقها بجزء اخر

لكن هي الايام ولا ندري ماتخفي


سلخت بعض التواريخ او .......عدلت............لغاية بالنفس

لانني سادع فتاتي تعبر براحتها


نشرت من سنوات بموقع واحد وسحبتها لسبب تعبوي


كانت تحت لقب......سديمه الاحلام لقبي انا




والان اخر رقصات الحبارى او ...بما قصدت>>اخر آلام انثى


.....................ليلى العنزي






اخر رقصات الحبارى





بسم الله الرحمن الرحيم

مازال في عمري بقية .......
ولكنني اليوم سأنهي قصتي معك ....
تواريخ تواريخ ..
تواريخ سئمتها لكن أعدك بأن اليوم سيكون تاريخاً مميزاً
فكل مفكرات السنين التي مضت منذ ذلك اليوم جمعتها واحتفظت بها.لم يكن فيها شيئاً مهماً
ولكني لم اترك تاريخ ورقة فيها يمر هكذا عبثياً او عادياً لأني لم أكن لأترك أوراقها بيضاء خالية وهي التعبة التي قبعت وسط اللاشيء فلا شيء يكسر لونها أو وحدتها .
لذا فقد كتبت على كل صفحة منها (أكرهك)
آه. عشرون عاماً وأنا في كل يوم اكتب على ورقة منها (أني اكرهك)
فتأخذ الورقة ميزتها ويحمل التاريخ ايضاً ميزته .فتصبح تلك التواريخ قيمة .
إذاً اليوم اعدك بأنه سيكون هناك تاريخا ًمميزاً .
تاريخاً ابقي من بعده كل الاوراق يتيمة .....
اليوم سينتهي كل شىء......
اتذكركم كنت تحب رقصاتي الكلاسيكية وكم كنت تعشقها ارجع بذاكرتك عشرين سنة وتذكر كم كنت تحبني عندما يهطل المطر فأسرع إلى الشارع لأرقص معه فنمتزج سويا ًفلا أعود إلا وشعري الطويل قد ابتل بطهر السماء وجسدي متمايل مع نغمات المطر ...
ها أنا ذا اليوم ارقص لك الرقصة الأخيرة.اليوم ارقص على روحك الممزقة المهترئة .سأرقص لك بجسدي الذي اتعبته السنين سنين خلت وشيء ما في عقلي يحترق ..اتراها بعض ذكرانا الجميلة أم قساوة ما حصل لنا وكيف باتت قصتنا حزينة لا أدري فأنا احترق كل يوم .لانني أعيش بمحرقة في داخلي .فاقت محرقة هتلر على كل حال ليس مهماً فكل شيء هذه الأيام صار مبهماًخفياً. ندري ولاندري به ام ترانا اعتدنا ان نعيش الحقيقة في عقولنا وننكرها أمام الناس؟؟ .ربما لاننا نخشاهم نوعاً ما.
اليوم ستسقط الأقنعة التي ألبسنا إياها الزمان .. بيدي ساكسر حاجز صمت بنته السنين . اليوم سيبدأ فجر جميل يستمد خيوطه من شعري الطويل من ضفائري الصغيرة .
كل شيء في عيني غروب .غروب وغربة .
يالهذه المصادفة غريبة بعيدة ...ادري انه ليس مهماً فلطالما كنت في بلدي غريبة ومغربة ومشاعري الملعونة ايضاً كانت مغربة .
اتدري ؟لاأعرف ماذاسأختار من موسيقا لأرقص لك بجسدي الذي أنهكته الأيام.ربما سأختار شوبان أو متزارت فهما مثلي يحبان أن يعلون بسرعة إلى القمة في اللحن ويهبطان فجأة فأعلو معهما واهبط كمن سقط من على جبل . فأسقط بقوة تلك السقطة الجميلة التي عوضاً عن أن تشعرك بالموت تذكرك بالحياة الحياة الجميلة ومعناها.
عشرون عاماً وأنا أحاول أن أقول لك شيئاً أو اكتبه .وما فائدة ذلك . فقد كنت كل يوم اكتب لك سطراً على ورقة وأمزقه في الصباح التالي وأعود لأكتب لك غيره ربما لأنه لم اكتب شيئاً مهماً أو لأني كنت أعيد السطر نفسه.
اليوم احس بشيء غريب في داخلي . كروح تنتهض من مقبرة الأحياء.اشعر بأني أريد أن أتكلم وأتكلم . ليس مهماًأن يكون كلامي منمقاً أو مرتباً ولست أريد أن يكون كلامي بذي أهمية.
الآن ستتكلم روحي وسيتكلم جسدي وسيكتب قلمي الذي لم يتحرك كل تلك السنين وكأنه قد مات . هاهوذايستعيد جره كأنما نهضت روحه مع روحي يبدو انه حتى هو ملّ من رقادي ورقاده.
آه.. شيء صعب لاادري من أين ابتدء ولاكيف ولا من أين . فبدايتك نهاية ونهايتك بداية كأننا في صراع مع الروح نبني ملحمة ملحمتنا أنا وأنت . لن تكون كيوبيدية لأنها ليست خرافة فدمك ودمي فيها.
سيكون كل شيء فيها حقيقي . هاهي الأوراق أمامي كما وضعتها في عام 1999. حينما فكرت أن أكتب روايتي للمرة الأولى . نفس الأوراق ونفس القلم فكل شيء على حاله منذ ذلك اليوم انظر للتاريخ
حتى هو مميز . كما ولحن الموسيقا الذي اخترته.
اليوم سأرقص لك بجسدي رقصتي الأخيرة رقصة الموت الذي لاحياة بعدها .أرقص لك . نعم سأرقص لك لكن لن أرقص كراقصة بل كأفعوان تتمايل بحركات هائجة .
وسأسطر لك كل شيء ياعزيزي على صفحاتي البيضاء التي غير لونها غبار كل تلك السنين وسأرسم حياتك البالية هنا من دمك العفن وسأضعها جدار خيانتك كي تتملق عليه ...
فلا جدار يحمل خيانتك كي تقلق عليه وليس هناك جدار يحمل ايقونة رسمت بدم خائن إلا روحه الممزقة المهترئة التي ما عاد فيعا سيء إلا الغرور .
ها أنا أقطف آخر ورقة بالمفكرة .../12/ /12/ 2009
اليوم سأرسم النهاية معك ولكن أي نهاية .
ماذا وكل شيء قد انتهى بيننا منذ زمن لم يعد هناك شيء يذكر . ام تراه الانتقام أم تراني اريد استرجاع ذكرياتي لأكتشف نفسي المسروقة... نفسي الضائعة التائهة . هل أريد أن استنزف الماضي واعصر مخزون ذاكرتي لأقطر منها شراباً يملأه كل مرار الأرض والدنيا .....
لا أدري فأنا لربما أصبحت عاجزة عن أي شيء هل تراها صحوة متأخرة كالعادة كل شيء في حياتي ناقص وينتهي دون نهاية......
لذا قررت هذه المرة أن أضع النهاية بنفسي مع هذا الصبح . الصبح الذي كان يذكرك بوجهي الجميل آنذاك.
أتذكر حينما كنت تقول لي أنني أشبه الياسمين الدمشقي الأبيض ....
حينها لم أكن أدري كيف أشبهه بوجهي ... أم برائحتي. لكن اليوم فقط عرفت مقصدك ...
شجرة تعطي أحلى ما عندها تتحدى سواد العالم تتحدى بشاعته بورودها البيضاء تهدي لونها الحاسم إلى القلوب النقية تملئ بأريجها مزابل أفكارنا وتخترق وحشية الشياطين التي تسكنها شجرة لو قطفتها أنبت لك الجزر منها من جديد ...
هاأنا اليوم ألملم أشيائي المبعثرة لأستعد للرحلة الأخيرة معك ومع نفسي ومع روحينا الضائعين .
لا أدري هل وجودي في هذا البلد أكان مهماً له ام لا ...
مؤكد لا .. فمؤكد لن يحزن علي أن فارقته ، فانا لاأعني له شيئاً، فهو لم يحمل معي إلا وزن جراحاتي وآهاتي وآلامي وبعضاًَمن أحلامي المنكسرة ..
أظنه لم يكن سعيداً بمواطنه /جامدة / إذ أن حتى التراب يكره الناس الاستهلاكية الناس التي تأخذ فقط وتعيش على تعب الآخرين . ليس مهماً عنده ماتدفع لكن يهمه أن تعطيه شيئاً غير مادي . رغم أن ترابنا يحتاج للمادة كي يعمر ويبني لكن أظنه يفضل أن نكون آزوتاً أو سماداً لترابه فقط. أليس غريباً
أن هناك شيئاً لا يقبض ثمناً مادياً ..
صحيح لم يكن هناك شيئاًمهماً أعطيه لهذا البلد .
لكن في هذا الصباح سيشهد ما كان ينتظره .
سيكون البلد الذي بدأت منه هذه الرواية الأولى ...وربما الأخيرة على كل حال لاأنتظر منه وسام شرف . وليس مهماً لي بعد أن أموت أن يمنحوني جائزة . كما لا يعني لي إذا أصبحت للسندويشات .
تلف بأوراقها وتعطي للزبائن وبالتالي للمهملات .
ولكن ......
من تراه يأكل شيء ملفوف بعفن كل تلك السنين !!!!!!
أم ان الناس اعتادت طعم العفن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كذاكرتنا العفنة التي لا شيء جديد فيها ...لربما كان يجب علينا أن نجدد كل شيء في حياتنا وأن لانقبع بين جدران الزمن ننتظر أن يعدُ وبنا . والمشكلة أننا لاندري إلى أين. او ربما قد صرنا نمشي مع الدنيا على هواها وليس هناك أهمية . فاليوم مثل البارحة ـ والبارحة مثل الغد . والاختلافات هنا نسبية أوإنما هنالك أصحاب للاختلاف وأصحاب للنجاح والتفوق . وأصحاب لمن باتو ملاك الغش والكذب . بالأحرى (الحزلقة) فنحن في زمن الشطار : والشاطر من لو انهار العالم لا ينهار . من لو جرف العالم كل شيء بقي صامداً لاينجرف . لا بل يجرفك ويجرف من حوله ......
أتعلم .....
لربما لم يعد مهماً أن نلتقي ......
فلا لقاء بعد اليوم ليجمعنا .
الآمال كلها انتهت ... وبات كل شيء مكشوفاً .
أقنعتنا زالت مع السنين ولم تعد وجوهنا مهمة . أصبحنا كشيء يجمع الماضي والحاضر .. يختصر الزمان بعجزه .لم تعد كما كانت سابقاً ... لربما عيوبنا لم تعد تبصر كاالامس . وأي أمس ؟؟ والزمان عندنا قد تجمد وتحجر .... وكيف تمر السنوات هذه كلها ونحن فيها لم تتغير . وغدونا رواية لزمن شلت فيه العقول عن القراءة فبات الزمن يعدو من أمامنا ومن خلفنا ولكنه دوماً أمامنا دون أن يعبء بنا . زمن لم تعد فيه للصباح طعمه ولم نعد نشتم فيه رائحة الزهور .زمان بات مظلماً رغم كل النور الذي ترسله الشمس إلينا وينوب عنها القمر ليلاً ...بقناديله المنتشرة /النجوم/
زمان يعتق فيه الأرواح النبيلة ويلقي بها خلف الجدران ...زمان يجعلنا كلنا فيه أسرى حرب . زمان يقتلنا من قبل أن نولد . ويرسم مصيرنا الأسود . والنهايات التعيسة فقط . أم تراه أنا و أنت ولدنا من قبل أن يولد حبنا العذري ... لا أدري ....
ولم أسأل ... من أسأل يا ترى نفسي ولا أدري أنا من أكون حقاً ومن هي نفسي ... أتراني لعنة أرسلها الماضي القابع بين كتب التاريخ المظلمة ... أو أنني من تلك الفلسفة البليدة التي يحاول بعض المهرطقون إقناعنا بها مع أنها قد تكون بلا قيمة ولانفع لنا أو لهم .
حياة ... ماعسانا نكون فيها ربما أنا وأنت محاور لا أكثر . ربما جسور يعدو عليها الزمن . حتى الزمن لا أظنه بحاجةالينا ومن له حاجة بجسدين بلا روح . لكن مهلاً من تراه قد سلب روحنا ومن علمنا فلسفة الأشتياق وسلبها ووضع عوضاً عنها كرهاً بليغاً .
من ذا الذي قتل حلمنا وجعلنا أرامل حب هرم . عشرون سنة وأنا أهديك في كل صباح لعناتي أرسلها لك مع فنجان قهوة سادة . لا أرسلها كي تكون سكراً ... ربما لتكون السم الزعاف الذي يستقر في الحشا ولكن مع هذا لم يكن ليقتلك بك . لربما أنا التي من كانت تريدك أن تبقى حياً فقد اعتدت على صباحي الأسود . قلبي الذي انغلق قد نسي النور فلم يعد يرغب في رؤية الضوء أو ربما لم يعد بحاجة ليرى وجهك أو يخوض في تعابيره وأخاديده التي حفرتها السنون ...
أنا لم أكن الفتاة الوحيدة التي رحلت إلى الماضي بحب عتيق ففي كل فتاة متحف تخفي فيه حباً عتيقاً . ربما حب من طرف واحد وربما حب كتب له الموت من قبل أن يولد . مثل الصغار الذين يموتون في أرحام أمهاتهم دون أن يمنحوا

فرصة لقول شيء أو حتى للبكاء . لربما كان كل واحد منهم يأمل أن يسرق من هذه الحياة اللعينة نفساً واحداً فقط .
لكن لا ...
فربما نفس واحد كان سيمنحهم الحياة ويعطيهم آلاف الأنفاس . وأكثر . هنالك أشخاص يولدون ولهم كل شيء .ومعهم كل شيء . ومقسوم لهم كل شيء .
وأشخاص كثر يولدون للا شيء . فيعيشون كنكرة على هذا الكون . يحاول واحدهم جاهداً أن يضع لنفسه مكاناً حتى لو ضئيل .
إن الأفراد أو الأشخاص أو الأطفال . غير مهمة التسمية الذين يموتون بالأرحام من قبل أن يولدوا هؤلاء الذين لم يكتب لهم حتى بضع من جزيئات الأوكسجين .
هذه هي الحياة ...
وهذه هي المعادلة ..... التي لم يفكر أحدا ًفي أن يحلها .... ولم يحلها وهي محلولة أصلاً .
أناس يكون عددهم ربما (10) أو (9) وأناساً يكونون صفراً نعم صفراً والمعادلة تحتاجهم ومؤكد هم مهمون بالنسبةإليها لذا يجب أن يظلوا صفراً ..والغريب أن الصفر هنا ليس بلا قيمة . لا يساوي شيء لكنه إذا أزيح من تلك العادلة فأنه يؤثر بالمعادلة كلها أصلا هي تقوم عليه .
مثل الأبنية التي نشيدها ونعلو بها وربما يأتي يوم وتسقط بنا ونتمنى حينما نكون تحت أتربتها لو أنها كانت طابقاً واحداً أو حجرة واحدة كي لا ندفن تحتها دون أن يرانا منقذ أو يكون قد فات الأوان على الإنقاذ أصلاً .
آه ..........
مالنا ومال تقسيمات هذه الحياة على كل الأحوال لم تكون عادلة معنا ... سئمنا منها وسئمت منا لا أحد منا يطيق الأخر لكن نحن نكمل بعضنا . مع أنه لا أحد منا يأخذ ليعطي الأخر بنفس القدر .
مثلنا أنا وأنت أنا أعطيتك كل شيء فكنت /كلي / وهبتك كل مالم تعطيك إياه حياتك . ومنحتني سنين من الغربة وألم الشقاء واللادارية لم أكن أدري أنني حمقاء أو با الأحرى مغفلة اتشحت بسوادك وبلؤمك المعهود بكل سرور.
أعطيتك صيفاً يدفء قلبك وربيعاً يسر ناظريك . فأهديتني شتاءً عاصفاً بالبرد ينقصه المطر الطاهر النظيف وأرسلت بي إلى خريف العمر المقحل . أرسلت بي إلى نهاية البداية أول بداية النهاية ؟
كيف لي أن أحبك وأنت قاتلي كيف أبتسم لصورتك التي لم تفارقني وسكينك في قلبي .. كيف أنظر إلى عينيك وعيني مكتحلة بدم خيانتك . كيف جعلت مني حمقاء غبية ؟ أنتظرك وهماً وانا التي كنت كشجرة الدر التي لم يخلق مثلها في النساء . ذكاء .. ودهاء ....وإشراقاً .....
بأي سحر سلبت عقلي وأي طلاسم قرأتها علي . كيف تقع من تهز عرش العالم بيدها كيف .... ؟
كيف أهبك حياتي فترمي بي في مقابر الأحياء . التي كنت أنت من غزل خيوط أكفانها بأوتار كذبك وخيوط غدرك كيف . ؟
لماذا تقع النساء ؟ وهن من وصفوا بالدهاء أم تراه وصف اخترعتموه لتخفوا مكركم . من الملام نحن أم دهرنا أم زمن خلفنا ورائه وعداً سريعاً وخلعنا من ذاكرته وأرسلنا إلى متاهات النسيان .
غريبة هذه الدنيا ...
الشر والطيبة فيها ندان . لكن معي أناتوحدا.. كنت الطيبة التي تتجرع شرك /20 / سنة

؟أتعرف حتى كرهك أصبح محبذاً عندي أسمع نغماته في أذني فتطربني .
تصور أنني أسمعه أيضاً في نغمات فيروز العتيقة التي كنت أسمعها كل صباح وأتذكر صباحاتنا الدمشقية التي كنا نعيشها سوياً . كنت كلما غنت فبروز أشتم رائحة القهوة وتفوح عبثاً رائحة الياسمين الأبيض وتنبعث رائحة الليمون اللبناني . وتكسر حدة رائحتهم رائحة الدماء الفلسطينية . كما ترسم في وجهي رمال صحرائنا العربية فأسمع حوافر الخيل ترقص مع دموعي المتراتبة .
كنت في فرنسا أعيش كل يوم صباحاً عربياً لكن بطريقة أخرى . كان صبحاً مسلوب الأنوار . مع أنني في بلد النور . لقد كنت حاجزاً بيني وبين الشمس . كنت مغيّب حياتي .
جعلتني أعيش كل صباح كأنه بداية لليلة جديدة . ليل حزين طويل . ليل يتبعه ليل .
كنت أتسأل هل شهرزاد روت قصتها في ألف ليلة ..... ومن منا يعيش ألف ليلة .
الأن قد أدركت معنى تلك العبارة . ألف ليلة وليلة .
أرجح أنها ليل ونهار فقط . فأنا كنت أعيش كل ليلة كأنها ألف ليلة . بالفعل .
لا أدري هل يجب أن أشكرك على أنك منحتني فرصة أن أعيش آلاف الليالي . ربما ....
لكن ما كنت أريدها . أأعترف لك بشيء كنت أتمنى أن أعيش بقربك ليلة واحدة من بعد ما افترقنا فهي عندي تساوي آلاف الليالي . آلاف الليالي لعمر واحد وربما لليلة واحدة .
على الأقل كنت لأعيش بقيمة ليلة تغني عني ليالي الدهر كله .
لم أكن لأحس ببرودة العمر تسري بي كما أحس اليوم . أو كنت فعلت أشياء جميلة وملئت روحي من المرح وأنا ألهو معك من بعدك باتت كل الليالي عندي سقيمة بعيدة لا تلبث أن تنتهي لتبدأ من جديد والمفارقة أن أسمي صبح . أسم جميل يجمع أشياء كثيرة ويعني الكثير .
إلا لي أنا صاحبت ، فقط يذكرني بأن ثمة شيء في هذا العالم يسمى صباح . وأي صباح . صباح ليلي متكرر . صباح ينتهي قبل بدايته . صباح يموت قبل الولادة . صباح من دون نور ولاشمس ما عساه يكون كسوفاً . كسف حياتي فكسف لها عشقي الأول والأخير .
عشقي الذي بدأ بي من النهاية . أرسلني إلى نهايات متعددة نهايات يولد فيها كل شيء إلا الصبح .
ربما هناك أناساً لا يعنون شيئاً لا هم ولا صباحاهم وأنا منهم فما عساه يزيد صباحي وما عساه يرد لي ولمن أصرخ ولمن أنادي . أأقول لك اعد لي صباحي . وأي صباح يشرق لي ونورك البغيض غائب .
أي صباح أعيش وأنا أعاني من كثرة حبك وكثرة كرهك .
ولا أدري أهما متعادلين أم أنه هناك من يطغى على الأخر . أم تراهما تآخيا لا أدري وليس مهماً أن أدري . فلقد انتهى كل شيء .
لم تعد هناك بداية ولم تعد هناك نهاية . دنيانا هكذا نعبرها بتصاريح كثيرة بأوراق وهموم كثيرة .
طوابع معاملات روتين ويجب أن ننفذ كل شيء إلا أنها حين تعبرنا لن تكون مضطرة لشيء أو حتى
الاستئذان على الأقل .
دنيا تنسل من بين أطرافنا المنكسرة على عتبات زمن يتشبث بنا رغم كرهه لنا . وإزدرائنا له!
دنيا تملأها براكين من الألحان تنتشر فيها الموسيقا الصاخبة . حين تفضل الاستماع للموسيقا الصاخبة تكون في لحظتها تستعد لتفجير نفسك ... لتفجير جسدك اللعين ... لأن تضرب أفكارك بألحان رهيبة أو أن تستدعي كل شياطين نفسك التعبة حيث تعيش جنوناً إراديا لا يشعرك بشيء لكن تستلذ بنهايته . جنون الفوضى جنون الأصوات العميقة التي تدخل أنفاسك وتسري بشرايينك أو تستقر بخلايا دماغك .
وهناك من يفضل الموسيقا الكلاسيكية الهادئة التي تزيد نفسه كسل على كسل التي تستدعي نفسه إلى الاسترخاء أو السفر بعيداً . ترسله في غربة منسية بعيدة وسعيدة . وفي الحالتين الموسيقى الأولى والثانية متشابهتين يحملان نفس الصفة والغرض ..... وعلينا أن نتكيف مع موسيقا الحياة ونعشقها
سواء كانت موسيقى حرب وأصوات انفجارات وقنابل منوعة .
أوموسيقى

حياة . فموسيقى أصوات الثكالا وألام المرضى تشبه نحيب الروح التائهة في جذع شجرة أسقطتها الفؤوس . لكن من الذي عرف موسيقى الدموع ؟

أن ذلك الدمع الأخرس له موسيقى لا يفقهها إلا قلة من من يهتمون لأمره أصلاً . لقد بكيت من الدموع لو جمع لألف سيمفونية في العشق لم يلحنها أحد . ولكنها كانت ألحان بحد ذاتها .
ذرفت دموعاً لوجرت لروت قواحل أرضنا وأينعت . لم تكن تحمل الملح .. بل كانت تحمل النقاء . نقاء الروح نقاء القلب وصفوة الروح كانت دموعا تحمل معها كل شيء جميل وترسم لك كل ما خبئت من حب لك في داخلي .
لكن لماذا كلنا نخشى أن ننظر إلى داخلنا كل منا يخاف من داخله . يخاف أن يغرق في أعماقه يخاف من المجهول الذي يحمله في داخله .
لا أحد منا يعرف من هو حق المعرفة .
كل منا يدعي أن قلبه أبيض .... ولكن . هل هذا صحيح .
وماذا يعني إذا كان قلبنا أبيض . ماذا يضيف لنا لون لم ولن نراه .
ربما يكون هذا اللون أصلاً مقيتاً مخيفاً .
على كل حال هنالك أناس أعماقهم مفرقة وهناك أناس أعماقهم فارغة تدور في اللاشيء فلا شيء أصلا فيها مهم . هنالك أناس اتبعوا سياسة التجويف هكذا لايحملون شيئاً البتة .ربما يخافون من الثقل وأي ثقل ثقل المشاعر أو الأوهام أوالهموم التي تحاصر الناس من كل حدب وصوب لقد أصبحنا في عالم لا ينفع الندم فيه شيئاً .
الساعة الآن التاسعة صباحاً .....
في هذا الوقت كان من المفترض أن تكون شوارع باريس منعدمة الزحام كل قد انصرف إلى عمله أومدرسته . تمشي كأنك تعد خطاك فقط لاغير .
صحيح أن الجو بارد لكن جمال المكان ينسيك كل شيء . ينسيك لماذا خرجت من بيتك أصلاً . كثرة الأنوار كثرة الجمال .. الناس التي لاتعبىء بك أصلاً .
كل هذا مزيج لخلطة غريبة لا تستغرب . فحياتنا مليئة با لخلطات . هاهي الحديقة أمامي ساكنة هادئة فيها قلة من الناس لكن يمكنك أن تتجاهلهم . الناس هنا لا يلاحقونك بنظراتهم وتكون نظراتهم إليك عابرة ولن تستدعيك بالسلام عليها ولن تنزعج من عدم التسليم .( العصافير وبعض العجائز أركان مهمة للحديقة ) . الورود كثيرة فيها لكن عبق بلادي ينقصها .
تنقصها روائح كثيرة في ذاكرتي . تنقصها ضحكات أولاد شقاوة فتيات أألفهم. أو ربما تنقصهم طفلة عمرها /10/ سنوات تلهو كأنها أميرة صغيرة خرجت من رحم الأزهار . طفلة ربما تكون أنا .
المقاعد هنا جميلة مرتبة . ليست كالحديقة التي استذكرها في مخيلتي التي أبقتها خيوط الذاكرة . لكن تلك المقاعد المكسرة كانت تعني لي أكثر .
تلك المقاعد كل مقعد يذكرني بصديق أو صديقة جلسوا معي وتناولوا بعض الأطعمة المحببة . أما هذه المقاعد فلا تذكرني إلا بالساعات التي كنت أجلس فيها وحيدة أسرح في ليل عقلي وسواد أفكاري وأحزاني . لذا لا بد أن أودع هذه المقاعد قبل أن أسافر وأكون وفيّة لشيء سيصبح مع مرور الوقت هو أيضاً ذكريات وربما سأحن إليه . أيعقل أني أتيت لأخلع رائحة أحزاني من هنا . جالت عيوني الحديقة كلها بأشجارها وعصافيرها وعجائزها . أحسست أنني أحبها . وأنها قد تكون شيئاً سيفتقدني .
وربما أكون قد خلفت ورائي مقعداً لبائسة أخرى سرقت أحلامها وأمالها . دفعة واحدة .
فما أكثر سارقي الأحلام .
لماذا هنالك من يحاول اغتصاب أحلام ونجاحات الناس . لماذا تدفع غيرة البعض إلى الحسد ومحاربة النجاح بدافع الغيرة وحب الأمتلاك . فقط ليستنزفوا أحلام الغير وطموحاتهم ويمنعون النجاح بإرساله
إلى هاوية الانعدام .
فكيف يكون هنالك قمة نجاح في عالم البؤساء .
أناس يحولون الماء في كأسك إلى أجن لأنهم يستخسرون عذبه فيك .
وداعاً يا مقعدي وداعاً ؟؟؟ لكن كن وفياً وتذكرني . ولا تشل ذكراي .
لا أدري لما اليوم أرى الشوارع بشيء غريب هذا اليوم الشارع منذ عشرين سنة وأنا أسكن فيه . لكنني اليوم أحس أني أتعرف إليه للمرة الأولى . ربما هو شعور الفراق أم أن الشوارع تريد أن تآزر معي في مسيرتي وانتفاضتي الأخيرة . أعلم شيئاً واحداً أنني ماضيةٌ إلى مكان أحمل فيه بقايا من روحي وبعض من السرائر التي باتت تتوق للأنعتاق .
أوقفت تاكسي لتوصلني إلى المطار فعلي أن أكون هناك في الحادية عشرة كي أستعد للسفر . ربما السفر الأخير وربما لا .
كانت اليوم باريس مزدحمة ليست كالأيام العادية التي تمر بها في مثل هذا الوقت لتراها عجوزاً سكنت تنتظر الظهيرة كي تستقبل أولادها .
فاليوم هو رأس السنة . اليوم ينهون عاماً ليستقبلون آخر ينكصون بعهد سنة ليوفوا بعهد آخر . الشوارع
كانت كلهامنيرة وكل شيء فيها جميل وحتى شجرة الميلاد التي تتربع وسط الساحة كانت تملأها الزينة بطريقة عجيبة وكانت تشتعل نوراً كانت عظيمة هائلة تملأ الأرجاء نوراً .
هذه الشجرة التي يقف تحتها أطفال ليتمنون لأنفسهم عاماً جديداً سعيداً . ربما مليء بالشوكلا لكن أنا عجزت أن أتمنى شيئاً وأنا أراقبها من التاكسي . ما عساني أتمنى وأنا في هذا العمر وقد فرغت آمالي بك .
كنت أراقب وجوه الناس وانظر إلى سعادتهم وكأنهم يجتمعون في مسبغة للسعادة الكل هنا ينتظر أن يرى عاماً أفضل من الذي قبله . لكن هل يا ترى ستتحقق آمالهم . لم يبقى على وصولي إلى المطار إلا القليل لكنني لم أكن أريد أن أفكر بشيء وأنا في التاكسي . كنت أريد أن أستودع المكان والناس بعيوني فقط . كنت أريد أن أختزن بعض من الذكرى وبعض من المشاهد . فكنت أريد أن أبدأ ذاكرتاً جديدة لعمر جديد .
ها هو مدخل المطار وهو ممتلئ بالناس . الكثير من الناس قد عادوا ليشاركون عائلاتهم بداية العام الجديد . ويحتفلون بسنة قد تكون الأتعس لهم أو الأسعد قدتحمل غنى وسعادة أحدهم وموت الأخر .
لكنهم يتبعون العادة ليس إلا . كنت أنتظر وصول طائرتي لأحلق في سماء هذا العالم لأقفز بروحي بعيدا لأتوحد بغيوم السماء وأداعب بأفكاري سطح القمر .
ياااه .يا لحظي رقم مقعدي هو /13/ لكن ليس غريباً . وليس مزعجاً على الأقل هو من المقاعدالأمامية .
وصلت الطائرة و قدماي ترتجفان ..اليوم سأزور تاريخاً سأزور ذاكرتي سأزور أحزاني وأفراحي سأدفن آلامي وأحزاني .
هاأنا أصعد المدرج وهاهو مقعدي بانتظاري لم تكن طائرتي مزدحمة . وهاهي تستعد الآن للانطلاق إذ كل شيء فيها كان يدفعني للرحيل أو لأن انطلق معها كأنما كانت هناك يد تشدني للسفر .
كم أكره هذه اللحظة التي هي بين الاستعداد للإقلاع والإقلاع
هاقد حلقت الطائرة في السماء أحسست كأن روحي اختطفت من الأرض إلى أعلى ببضع ثواني بين كوني على الأرض وبين صعودي إلى الأعلى . لم يكن شيئاً مخيفاً فلطالما رسمت لي أرجوحة في السماء وتخيلت أن روحي تسكن قصراً بين الغيوم ..
أغمضت عيني وتذكرت الرحلة الأخيرة لي ...
وتذكرت كيف رميت بي بين ثنايا فرنسا . وكيف جعلتني كسلة مهملات تحتوي نفاياتك ونفايات أفكارك الملعونة الساحرة بكل مافيها . أذكر حينما أتيت أول مرة لدمشق كنت فتاة في الثامنة عشرة وقد كنت أنهيت التعليم الثانوي وسافرت لسورية كي احقق حلمي في دراسة المسرح لأنني كنت اعشق المسرحيات واعشق فنها وفنانيها . واحترم فنهم الصادق الذي يؤدونه أمامك لتحس إنهم يتكلمون عنك لم أكن أحبذ المسرحيات الكوميدية مع أنها ممتعة إلا إنني كنت أفضل المسرحيات الاجتماعية .
التي يملأها الصراخ وحدة الغضب والثورة . حيث تحس بأنهم هم ثورة نفسك . من منا لم يعشق مسرحيات موليير ومن منا لم يعش مسرحية الحب واقعاً . مع أننا في زمن اغتيال الحب والبشرية .
لقد كنت أول من لتقيت به في مدخل المعهد وأول من سألته كيف وأين أسجل .
كنت لطيفاً وسيماً ولكن ليس هذا ما دعاني لسؤالك أحسست بأنني يجب أن أطلب مساعدتك دون كل الموجودين شعرت بأني أعرفك وليس هناك مسافة تفصلنا أو حرج بيننا كي أطلب عونك وفعلاً أرشدتني وساعدتني إلى أن أنهيت تسجيلي . وللمصادفة كنا أنا وأنت طلاب في نفس المعهد وفي نفس السنة السنة الأولى .
مرّت أيام ونحن ندرس أصبحنا زملاء درسنا سوياً ومرحنا وتشاركنا كثيراً من الأحلام والآمال . نسجنا مسرحيات عشق في الهواء وكنا المخرج والمؤلف والكاتب ايضاً . عملنا على أن نكون متفوقين جداً نحاول أن نثبت ذاتنا وفي نفسي كنت أحاول أن أتفوق عليك كي تزيد من حبك وفخرك بي . كان كل أصدقائنا يحسدوننا على التناغم الذي نحن فيه وعلى حبنا الجميل . كانت سنوات الدراسة تمر سريعاً دون أن نحس بها أو بثقلها . كانت سنوات جميلة كل ما فيها شاعري وبتنا نستحق تقدير الأساتذة والأصدقاء .
جميلة هي الأحلام التي عشناها وممتعة الأيام التي تقاسمنها لا أستطيع أ أنسى طعم أيام تداخلت في ثناياي تجسدت مع دمي تدافعات الذات والأنا والهوى تمتزج بك إن لم يكن الإنسان بمقدوره أن يضع
شيء فليصنع حلماً وأنا كنت مدركة أنني صنعتك حلماً لكن حلماً يتحدى وهم الخيال بالحقيقة . أيها العاشق المعشوق المبدع المنكفئ إلى النجاح المستديم . كنت متفوقاً في كل شيء قلما لا تكون متفوقاً علي . كان علي أن أعلم أن من يستطيع طحن العالم يسهل عليه طحن الحب في بوتقته .
في معبر هذه السنوات بت أدري أنه في حياتنا هذه كل شيء له ثمن . أننا مضطرين لأن ندفع ثمن كل شيء وكل كل مافي حياتنا يحمل ضريبة ما . لكن مع الحب تكون ضريبة مرتفعة جداً .
انك لا تدفع مالاً بل تدفع روحك وآمالك . وكل أحلامك المبعثرة . تدفع كل شيء مهم وربما كلك . (على مبدأ ادفع تندفع )
لكنك في بعض الأحيان لا تحصل شيئاً بالمقابل وترجع منكسراً خائباً تجر أذيال الخسارة والانهيار وما أصعب انهيار الروح صعب أن تستفيق يوماً وتجد أنك فقدت صفة الإنسان جسد لكن لا يحمل انسان ماعساه يكون أكثر من تلك الدمية التي تزرع في الحقل كي تبعد الغربان مع إنها قد تكون بحد ذاتها غراباً فهم يصنعونها بشكل قبيح . ربما يستخسرون الجمال فيها .
لقد حاولت أن تكون لي أنا وحدي
كنت أريد أن أتحدى العالم بحبك كنت أريد أن اقهر أعداء الحب والأنسانية أردت أن اقفل الأبواب بوجه سارقي الأحلام واصفع بحبي وجه المارقين أصحاب الهرطقة البالية الذين يهرطقون ويثرثرون بلا أهمية ويحاولون تدمير إنسانيتنا
لكن صعب عليهم أن يصكوا شعوباً خالية المشاعر كعملة خاوية الترانيم كجماد نزع منها ذلك الوتر الموجود مع أن تعزف عليه أو تداعبه بطرف الأصبع حتى يرق كل شيء في جسدك أو سيأتيك صدى من أعماقك ليهز خلاياك ويقول لك أنت إنسان ابكي . أبكي وطهر نفسك وأنعم بعمادة الروح . أنعم بالصفاء والصدق ولو للحظة .
الشيء الوحيد الذي لم يقدر أحد أن يسلبنا إياه هو الدموع . دموعنا ملكنا وحدنا فقط . هي هويتنا الإنسانية . هي ليست ضعف بل هي رحمة ورقة هي عذوبة وصدق هي البعد الإنساني الذي أختبئ وراء صدى الروح التي ملت من كثرة الأوام فيأتي الدمع كنهر يعيد الحياة إلى عيوننا ويغسل خدينا بلطف عميق ويحي جداول روح باتت قاحلة جافة .
دائما ًتبحث الروح عن روح أخرى تساكنها تحيا بها وتمتلئ فيها تماماً.. تماماً كما امتلأت فأصبحت كلي . كنت دائماً أحس بهجرة روحي إلى جسدك كنت أرى روحي تستقر فيك حتى أنني كنت أرى عيوني في عينيك يرسمان فيها سياسة الاستيطان حيث كانتا مستعمرتين بعيوني . كنا حبيبين يملئوهما حب المغامرة فقد كنا لا نزال شابان نمتلك الكثير من الأحلام العبثية التي لا وقت لها في حياتنا ولا مكان نحتاج لتحقيقها أن نعيش سنين كثيرة جداً لكن في وقتها كان حلمي الأهم هو أنت . أردتك أن تكون مسرحيتي .. من إخراجي وتأليفي أعدك كما أريد وأكون أنا جمهورك الوحيد .
هل تدري بأن حياتنا بحد ذاتها مدرسة اخراجية كبيرة تملأها المسرحيات ونحن أبطالها لقد جاهدنا أنا وأنت كثيراً كي نصبح ممثلين بارعين .
كنا نغوص في صفحات الكتب والنصوص ونحاول مافي وسعنا لأن نقدم شيئاً مميزاً صحيح أن سنوات الدراسة صعبة جداً.. خاصة أننا كنا نحمل نفسنا العبء الكبير . لم نكن نريد أن نصبح مجرد فنانين عاديين مهملين كقطعة خشب جافة يأكلها السوس .

مجرد فنانين ربما يأتيهم دور بسيط كل خمسة أعوام أن حالفها الحظ . فالفنانون كثر ولكن للأسف المسرح يعاني من قلة الاهتمام . والمسرحيات قليلة نسبياً والناس لم تعد مهتمة للمسرح .
سابقاً كان هو الوسيلة الوحيدة للترفيه أو التواصل مع الناس لكن في عصرنا لم يعد يملك الإنسان فيه وقتاً . ماعاد المسرح يعني شيئاً فالتلفاز غطى عليه عدا النتت والهموم اليومية التي باتت تحتجزهم في بوتقتها وترسم لهم حدود الشقاء .
أنا وأنت أردنا أن نغير فلسفة الناس تجاه المسرح أردنا أن نعيد الحياة للخشبة وأن نستعيد جمهورها .
قد كنت تكون تقول لي إن المسرح هو حياة وصحوة للضمير .
المسرح يترجم الناس . هو الشيء الذي يمكنك من قراءة نفسك ويوضح لك كل مآسيك هو ضوء الفرح ودمعة الحزن وسياسة الوطن تنبعث فيه رائحة الثورة والفكر تنبعث فيه رائحة الحرية ويفك رموز الاحتلال الفكري . هو فقط من يرسلك إلى قمة الصمود . هو من يرفع شعار الوفاء وكل شيء يتغير كل شيء يرحل إلاهو.
فقلت لك . صحيح أننا نبني مسرحا لكي نبني وطناً .لامكان فيه للحرية المقيدة .
نحن نرسم فضائنا فيه لنتحرر من فضاء رسم لنا لنعتزل قيود هيئت لناو نستعيد فضاءاتنا المرتحلة .
لكن يحزنني أن بعض أصدقائنا تركوه وحيداً وانصرفوا للتمثيل في التلفاز .
طبعاً ليس لأنهم يريدون خيانته أواعتزاله لكنهم يريدون العيش فالمسرح لا يمكن أن يمنحك مدخولاً يكفي لأن تعيش . لذا ما إن يفكر أحدنا في العائلة حتى يهاجر بعيداً عنه .
لحظتها وبعد أن أنهيت كلامي كان في داخلي سؤال يراودني وهل أنت سترحل يوماًما وتتركني مع هذه الخشبة وحدي . بعدها قطع وحدتنا وصمت أفكارنا صوت خط الأستاذ بدر كان يتجه نحونا بخطى
مثقلة لكن بالنهاية اقترب منا ورسم على وجهه ابتسامة صغيرة ابتسامته المعهودة التي تدفعك إلى الأمام وتمنحك شيئاً من الدعم . كان الأستاذ بدر مدرسنا الذي لم يكن سوى أب لنا .
قال وهو يتأملنا بعيون فرحة : صباح الخير يا أنسه صبح .
صباح الخير أستاذ بدر .
ثم ألتفت إليك وهز رأسه قائلاً لن أقول لك صباح الخير يا مجد يكفني أن صبح كلها معك فنظر الأستاذ بدر إلى الخشبة ثم قال أنتما روح المسرح أنتما العصافير التي تغرد وسط ركام الأرواح المتعبة . هل تعلمون كم عدد المسرحيات التي قدمت هنا . وكم من الأصوات علت وارتفعت معلنة ولادتها على هذه الخشبة .
قلت بصوت مرتبك . ليس مهماً أن أعلم كم من الولادات ولدت هنا فهذه الخشبة أم وأم لا تمل من كثرة الإنجاب .
بعدها ساد صمت لم يلبث أن قطعه صوتك يا مجد حينما قلت نحن أبناء الخشبة من أخذنا جزء من روحها لذا أشعراني ولدت هنا وأتمنى أن أستقر هنا .
كنت في لحظتها أشاهد فرحة في عيني الأستاذ بدر وتكسرها دمعة دمعة نزلت من عينيه كان فرحاً وفخوراً بنا كان يشعر بأن المسرح يستنهض روحه من جديد ...
هل كنت حقاً تنوي الاستقرار في المسرح أم أنك كنت تنوي الاستقرار بي والاندماج بين خلايا روحي إلى حد الانتشار فتستوطن بي وتستعمرني . كنت من دون أن أدري أتخذك مسرحي وأجعل منك المسرحية الوحيدة في حياتي مع أنك من حولني إلى نص مسرحي مهمل على بعض الرفوف ينتظر أن يبصر النور ويترقب لحظة أن يرفعه احد ما ولو عابراً ليقرأه أو يعيش بين صفحاته .
كثير من النصوص قتلت .. .. كثير منها اجهض دون رحمة هل هي كثرة الكتّاب أم أنها كثرة النصوص أم عدم الاكتراث . لربما صرنا في زمن تخطى هذه الأبعاد وعدا عنها سريعاً دون أن يشعر بها . في ذاكرة تلك الخشبة التي قد لا تعني للكثيرين أشياء كثيرة.. هنالك مخزون من الألم والحزن والفرح والثورة أن أعظم حالات التناغم في تلك الخشبة حين تتوحد مع روح الممثل فيمتزجان معاً حينها يخيل إليك أنهما يعيشان وحدة حال بعيدة عنا
خشبة لاأكثر غيرت في بعض الأزمان مفاهيم الكثير من الناس . صنعت ثورات وانتصارات وربما حروب فجرت براكين نفوس كانت تنتظر من يمنحها الشرارة الأولى لقد كان المسرح جزأً لايتجزء مني كان بيتي كان حلمي كنت كلما تمنيتك تعمقت فيه لا أزال اذكر حينما كنا نستعد لمسرحية الألم التي كنا أنا وأنت بطليها ما قاله الأستاذ بدر . اذكر حينما دخل قائلا : لاتنظروا إلى النص . لاتنظروا الي الكلمات انظروا إلى أعماقكم واستنتجوا النص . نظر إليك بحدة وقال انظر إلى آلامك أظنها أكثر من كافية . لايمكنك أن تقول كلام النص كأنك في درس قراءة عليك أن ترسم الألم في قلبك وعينيك وترسله الي وجهك هكذا تصبح مقنعاً أكثر . لم يفاجئني كلامه ابداً . شعرت انه يهزني بل شعرت انه جاء ليسيل دمعي من دون أن استدعي رائحة البصل الذي يعدونه خصيصاً ليستجدون دمع ممثل لم يعرف البكاء قط . شعرت أن الأستاذ بدر يريد أن يتخللني أنا ويكتشف المك فيّ فينشئ نصه ذلك النص الذي شعرت بأنه استوحى مفرداته مني ومنك ومن الناس اجمع كان النص مذهلاً كان ألماً محبذاً كان الماً يومياً .
غريب أن ترى نص يترجمك يكتبك في سطوره . لم يكن ذلك النص يعتمد على كثرة الأشخاص بقدر ما كان يجمع في شخص واحد كل الأشخاص يومها لم يكن الأستاذ بدر يريد المغادرة
كان الأستاذ بدر قد جهز كل شيء مسبقاً اختار عناصر مسرحيته سلفاً وكان كل شيء معداً . اختارني أنا وأنت وروند وشمس وخالد قال لنا : لن أقول لكم لاتفشلوا .
بل سأقول لكم انتم النص وانتم روح الخشب الأم . فلا تخذلوها . لااريد أن أقول لكم أتقنوا حفظ النص . بل كونوا النص .
فرحنا كلنا وشعرنا بروح التفوق وأسعدتنا نظرات الحسد التي نالتنا من رفاقنا يومها لم يكن غبطةً بل كان حسداً فقط .
لقد قرأت هذا النص كثيراً لدرجة أنني توحدت به لا بل وقد انصهرت به غريب أن ترى نص تسري كلماته بين شرايينك .
كنا في مقتبل العمر مفعمين بالشباب وأفكار الثورة ، الوحدة ، الحرية .
كان كل شيء ثوري يوحدنا بل يجعلنا نثور لن اقدر أن اصف كم ثورة بنيت في ذاكرتي وقلبي (إن مفردات العروبة قد تعني الكثير لمن يستغرق بها ) كان النص مليئاً إذا بالثورات .
قرأنا نصنا سريعا قراءة مبدئية وكأننا نريد استكشاف النص والتغلغل فيه كنا خمستنا نشكل فيه الثورة . لقد كنا ثورة الفكر و الشعب وربما ثورة الرغيف والضمير المنزلق إلى الخمود ونسطر قصته شعب لم يستسلم ابداً . لم نكن ثورة الجزائر ولا سورية ولا فلسطين .
إنما كنا ثورة الإنسان للتحرر من كون المرء عبداً .
عبودية الإنسان في أيامنا كثيرة ، أما عبداً للاحتلال يملاءه بوبائه ولن أقول أفكاره فا الفكرة السيئة وباء. وأما عبداً لنفسه لذاته وشهواته . وهنا أيضا لن أقول لأفكاره بل لسمومه (الناس هنا ضائعة وزحمة الناس هي من ضيعتها ) كان النص يتكلم عن الفقر لكن لم يقصد الفقر المادي بل تكلم عن الفقر الروحي الفقر العاطفي وكان هذا يثيرك كما تثيرك الكلمات التي تتكلم عن معانات الإنسان من رواسب أفكار الاحتلال ليست أفكار التحرر المنفرط بل بعض المعتقدات التي تشكلت كالخوف وحب السيطرة والتملك . لذا لم نشعر يا عزيزي أننا نمثل شخصاً أوبلداً بل كنا وطناً عربياً يستصرخ كنا حدوداً تبكي وتشكي من تفرقها عن الوطن الأم .
بأي حق نقسم وطننا العربي بأسلاك لنفرق دويلاته عنه . أحياناً يخيل إلي أن خارطة الوطن تبكي فراق أبنائها .
عندما ساد صمت بيننا ونحن نقرأ الأوراق التي بين يدينا كانت شمس مستغرقة بنا تنقل ناظريها في عيوننا وكنت أرى في عينيها سكوناً يخترقني وينتشر بي والكل كان يلاحظ مثلي .
قالت شمس : لاتستغربوا .
لكنني كنت أريد أن أرى كلمات هذا النص فيكم وفيّ . أتساءل إلى أي حد تشبهنا كلماته هل هو الثورة أم نحن ثورته . من نحن فيه أصوات الوطن أم رماح أبطال أهدونا انتصاراتهم وتفوقهم وأخذوا معهم صدى دمائهم .
حينها نزلت دمعة من عيني شعرت بحرقتها في عينيكم .
مضت اسابيع ونحن نتدرب ونستعد ونتهيأ في كل مرة ، نقدم المسرحية للتجربة (بروفا) كانت روحنا تنصهر تتوحد مع النص كنت أحس تلك الخشبة جزء مني كنت أحسها وطني الذي ابتعدت عنه لأصل إليها كنت أراها حلمي الذي أناضل كي أصل إليه وكان هذا الحلم هو سكني وراحتي .
كنت حينما أقف على تلك الخشبة أشعر كأنما أنا أتحرر من عبودية /2000/عام .
كأنني أولد من جديد كنت أشعر بخروجي منها كأنني أخرج من رحم أمي بل كنت أشتم رائحة أمي بتلك الخشبة .
خشبة لو ضربت بقدمك عليها لشعرت بصدى العالم كله يهتز لك وشعرت بعرشك المرسوم على أرض خرافية حينها تقلدك عليها ملكاً .
هاهو الموعد اقترب وهاهي مسرحيتنا الأولى تستعد لأن تشرق تستعد لأن تولد وأنا أكثر منها استعداداً
كان الارتباك بادياً على وجوههم . كنت أرى خوفاً من أن نكون وهماً لأشخاص وكنت أنت لاتخشى الفشل بل تخشى أن نموت .
تخشى أن لانكون مقنعين فنموت مع أول عرض لنا .
أما أنا فكنت متأكدة بأن أمي لن تضع شاهدتها على روحي بنفسها كنت آمل أن تعطيني بريق حياة أمتلئ به .
ضحكة الأستاذ بدر التي لم يكن لها معنى كانت تعني لي الكثير كنت أترجم لها كلمات عديدة كنت أفهم منها بأنه متفائل إلى أبعد الحدود . وطبعاً فتحت الستارة فتحت ، لأفتح عيني على العالم كله أول مرة أفتح عيني لأرى عشرات الناس ينتظرون ولا يدرون ما ينتظرون .
وقفت وأنا أنسي نفسي كل الأشخاص وأراهم مجموعة بلاد عربية .
كنت أراهم أرضاً وماءً وعشباً وحضارة .
كانت أول كلمات لي ...
إن كان نهاري بيدي فلما أخشى الليل . إن كان الموت يشفي من الألم فلما أخاف .
إن كان علمي الإسلام وشعاري العروبة فلما أخشى سياسة الاستعمار .
إن كنت أحمل دم عربي فلماذا أخشى على نفسي من سياسة التتريك والفرنسة والأمركة .
لاشيء يمكن أن يستعبدني وقد ولدت حرة .
في هذه اللحظة لم أكن أتكلم فقط . كنت أصرخ
كنت أصرخ وأنادي ... أنادي نفسي واستحضر شعوباً كثيرة . لا بل آلاما كثيرة .
كم أنا ممتنة لذلك الكاتب الذي ترك لي فرصة التأليف .
لم يسمي عنوان النص (الآلام) بل سماه الألم ليمنحنا فرصة إضافة بعض من آلامنا .
أنهيت الجزء الأول . فأتت شمس لتقول .
لم يسمني أبي عبثاً لم أخلق لأكون ظلاً . أنا شمس معرفة . أنا العرب الذي صهرته خيوطي أنا الفتاة التي قد تسلب الغاصب نهاره .
أنا من قد أرسل الخير ليكسر شر الأفكار المثلجة .
أنا التي لن أخضع لوجباتكم السريعة .
إن كان عنصر السرعة ينقلني إلى الشتات فأنا أفضل أن أكون السلحفاة وتكونوا أنتم الأرانب . إن جراحنا تلتئم مع كل ضحكة طفل ولو عابرة . أما جراحكم فيملأها تاريخكم الفاسد .
شرذمة عصركم لن تسبقنا . فنحن نملأ أرضنا أرثاً بما نهم الآباء من ثورات .
خرج صوتك صاخباً وأنت تمشي برهبة الممثل الذي يعطي دوراً يخاف أن ينهي نوره عند الناس قبل أن يشتعل . نظرت إلي بشيء من الخوف . وقد كنت هنا تمثل دور الغاضب . كنت كل المحتلين في شخص واحد وفي هيكل واحد .
خيّل لي أن المسرح انشطر لي ولك أنا وأنت وكأننا في مواجهة لأول مرة .
قد كنت ندي وكانت هذه معركتي لم أكن أريد الخسارة لأنني اعتبرتها قضيتي .
قلت وقتها: ما الفرق بين الجهاد والاستعباد نحن نستعبدكم ونستعبد أجسادكم .
لكن الجهاد موت يستعبد كل شيء فيكم . وربما لا يعيدكم إلى حياتكم . أما عندنا ففكرة الحياة موجودة
ثم تابعت كلامك بقول أن البقاء للأقوى .لمن يصنع انتصاراته . شريعة الغاب هي شريعة البشر أصلاً لا الحيوانات .
قطعت حصتك من الكلام . حيث أنه كان لديك الكثير لتقوله وجزءك لم ينتهي .
أنت ومن أنت أصلاً اغتصب جسدي بكل مالديك من اسلحة إليك إن كان هذا مرادك اغتصب مالي وعمري لكن أفهم بأنك لن تغتصب روحي ولم ولن تمتلك أفكاري وأرضي إن لم تلفظك فيكفيك أنها ستبتلع جسدك وتجعل منك نفاية .
حتى تميزك . لن يسعدك .ستكون أسيرها ستحيطك بدماء مقاتليها وتخنق فيك كبريائك المزيف .
ومن سيبقى في النهاية هو الله والوطن وذاكرة الدماء .
كنت منفعلة وكأننا عدوين نستعد لمعركة .
خرجت روند لتبكي ولدها الذي أفقدتها إياه نسمات الرحيل . كانت إذاً روند أم الشهيد .
قالت : لن ابكي أولادي الآن دمعاً . لن ألطم وجهي بعد اليوم .
اليوم سأتحدى أسرك واتحدي عنفك وقتلك وسأنجب أكثر . وفي كل صباح سأرسل لك طفلاً جديداً وربما خنجراً اغرسه في قلبك .
إن لم ترحل عن أرضي فإن ثمة يوم ستفوح منه رائحة دماء أولادي وهي من سيطردك .
إن لم ترحل عن أرضي ستطوي أرضي نفسها وتنفضك خارجها .
دخل خالد قائلاً : أماه لاتبكي علي فإنني استحي أن أرى دمعك يسقط على الخدود ولا يجد يدي كي تمسحه .
أماه . هاك دمي انظري فيه وجهي وابتسامتي وكلما اشتقت لي اسكبي نقطة منه على أرضي فأنتفض لثورتي من جديد .
صفق الجمهور بأعلى صوت لليدين . وظهر وجه الأستاذ بدر الذي شعرت حينها أنه لم يكن يريدنا أن نمثل ألم المسرحية بل ألمنا نحن ومشاعرنا نحن اختارنا نحن وكل واحد منا من بلد عربي مختلف .
لكنني أنا كنت أشعر أنك أنت بلدي . أنت موطني ليس بالضرورة أن أكون سورية كي أسكنك وكي انتشر بك وامتلئ.
كانتا روحانا قد عقدتا محالفة لدولتين عربيتين ينويان التوحد لا بل الذوبان ببعضهما .
كنت أشعر بانصهار روحي تدريجياً بك فكنا لوحة واحدة لرسام واحد لم يوقعها إلا بحبنا .
أسرع الأستاذ بدر إلينا ليلقي علينا مجموعة من المرادفات . مبروك رائع مميز .
لكن ماهو المميز في بضع أسطر للوطن . أظن أن وطناً سطر تاريخاً لايكتفي ببضع أسطر .
قال الأستاذ بدر : لن أقول لكم خير الكلام ما قل ودل .
لكن ربّ كلمة واحدة تشرح العالم وما فائدة الأسطر وأنتم الكتب وأنتم الرواية .شدة الفرح في أعين أصدقائنا كانت توحي بأنهم لم يتوقعوا نجاحنا بل خلت أنهم تخيلوا لنا نهاية سيئة .
ربما على الأقل صحن بيض يستهدف رؤوسنا .
أما أنا كنت أتمنى أن نتحول إلى قنبلة تستنهض رقاد العالم المستمتع بالنوم .
حتى النوم لم يعد بذي طعمه فااليالي باردة خاوية لا دفء فيها .
غادر الجميع القاعة وكذلك خمستنا كنا نريد الاحتفال احتفال نصر صغير لنا .
صحيح أنه العمل الأول والمسرحية دراسية لذلك كانت قصيرة ولا تحمل أجزاء لبدايات ونهايات إلا أنها كانت زمناً نملأ فيه بوح الكاتب وروحنا المنسية .
دخلنا إلى كافيه .
كان مقر ألتقاءاتنا . أما لنجعل منه مكان لاحتساء . قهوة بهدوء . نفس الأشخاص الذين يشكلون يومنا.
فهنالك أشخاص هم الجمر المهم في مسيرتك أو النور الذي يستجذبك حينما تكون تائهاً في سرداب دنيا ضاقت حتى بنا .
جلسنا نهنئ بعضنا أذكر يومها أنك قلت وهل ما قلناه كان كافياً وهل الوطن وحبه مختصر .
قال خالد : أن دمعة صبح كانت كافية لأن تشطر النفوس وتوصل لها آلاف الكلمات الصامتة .
هل كنا نشكل على طاولتنا وطناً هل كنا وحدة أم كنا جزء من بعض اللاشيء .
انسحب الجميع بعد فنجان قهوة سادة سادته أحاديث كثيرة وكثيرة من السعادة .
وبقينا أنا وأنت وطني الحبيب وعاصمتك أنا .
قلت لي إذن هذه البداية .
رددت عليك : آمل أن لا تكون النهاية وضحكت .
ثم قلت . أريد أن ننجز أكثر أن نبدع أو ربما أن نمتلك الخشبة .
كانت كلمة غريبة . نمتلك المسرح إذن وهل المسرح يغتصب . الخشبة لكل أبنائها .
قلت لك : إنني سأناضل سأكافح أنا لم أترك بلدي وأتحدى أناس كثر لافشل .
لن أهدي فشلي لمن أرادوا قتل أمنياتي وسلبوا متعتي في الفرحة .
قلت لي إن حياتنا تملأنا با لقراصنة وللأسف أكثرهن من الأقارب الذين يسعون لمصادرة نجاحاتنا وآمالنا ويدوسون أحلامنا وكل مرة بحجة جديدة لكن في النهاية كلها مجرد عادة فإن لم يستطيعوا إن ينجحوا حاولوا سلب النجاح إما بقتله أو بأن ينسبوه لأنفسهم
(أنت فاشل لأنك فاشل وإن نجحت فهذا لأنك تنتمي لهم ) هكذا يقتلون صنيعك ويغتالون نجاحك .
كان كلامك صادقاً لكن هؤلاء الناس في النهاية لم ولن يكونوا إلا محطات فشل والنجاح يدوس الفشل بنعاله ويعتليه . دراسة وتعب وآمال كثيرة وأحلام تزرع مرة وتفتقد مرة أخرى وصور كثيرة ترسم في المخيلة وتطبع فيها .
لاأنكر أن وجودك في حياتي خفف علي وطئت الأيام بل كنت أحياناً لاأرى في المعهد غيرك ، أنسى وجود الأشخاص وتبقى أنت ولا يشاركك أي بعد آخر .
كنت أحب فلسفتك وأحب خياراتك في هذه الحياة وربما شكلك الرتيب فقد كنت وسيماً أنيقاً وتمتلك سر لغة الكلام نعم كنت تتكلم بسحر غريب وكأنك تمارس علي طقوس التنويم المغنطيسي أو ترسلني إلى دوامة النسيان فأنسى عالمي وارحل إلى عالمك فأستقر بك وأنسجم معك . قضيت معك أوقاتاً كثيرة . كم كنت أحب أن أسمع منك المسرحيات ونصوصها برؤيتك الخاصة وانتقاداتك لبعض الكتاب والناقدين أيضاً . الذين ينتقدون لا لسيء بل لأنهم مجرد ناقدين خلقوا ليفسدوا الإبداع بنقد من رؤيتهم
متجاهلين آراء الناس . كنت تملك سر الكلام كنت المتكلم .
آه كم انبهرت بثقافتك وحبك للتاريخ وكم جعلتني أحبه .
كنت كمن يغوص في رمال الصحراء فينبش أبطالها واحداً تلو الأخر وتوزعهم أمامي وترسم كل بطولاتهم وتستحضر أمجاد أبطال من أعمق عمق في التاريخ لم نسمع حتى بهم .
ياااه ماأجمل التحدث إليك وأنت تتكلم بحماسة عن انتصارات بعض الأشخاص الذين مروا بكوكبنا وبمواقف العرب الحكماء .
كم من مرة نقلتني من عصر إلى آخر كنت أنتقل معك يا عزيزي إلى العصور بقفزة فكر واحدة وأعيش انتصارات السلف وكأنني أنا من صنعها أم تراك أنت من يريد أن ينتصر بي أو علي .
كنت تجيد لعبتك كنت حاذقاً مراوغا ًالفاظك تشد النفس إليك . ثقافتك رتابتك تضعك كل سيء فيك ممتع . خشيت أن تلبسني فكنت أنا من ألبسك . كنت الشخصية التي تتقمصني عوضاً عن تقمصها . كنت أنت من تترجمني أنت من تنتشل أفكاري الغارقة وسط ضحل الضياع اليومي . أنت من علمني حب الزهور ولما اعشقها .
أنت الزهرة التي تنبت في قلبي أنت من سلبني دون أي مقاومة . أحببت أن أضيع بك أنت الإنسان القريب مني الوحيد الذي يبعد عني أوهام الحياة بأوهامه بثقافته بمنحي الصبر بحبك لجلد الصقالبة الذين كنت تعشق فيهم جلدهم وقوة صبرهم على الأحتمال لذا فقد أهديتني رسالة ابن فضلان كي اقرأها واقتنع مسبقاً بحبك لهم وشجاعتهم .
لم يكن من داع لها إن كنت أنت رسالتي فكيف لاأصدقك لست بحاجة لشاهد .
مرت أيام وأيام ونحن نحاول أن نحصل على عرض مميز بعيداً عن النصوص المقررة في منهاج الدراسة أو بالأحرى نص جديد لايضر انتصارنا السابق .
ربما كنت وقتها تريد أن تعوض ما فاتك بالعرض الأول لنا . ربما شعرت أن التصفيق كان لي وحدي واستثناك .
أردت أن تبدع شيئاً أو تنتقم للشخصية التي أنا قاطعتها ولم أسمح لها أن تقول كل ما كان مقرر لها . لكن كنت تريد نصاً مختلفاً كنت تريد شيئا يشبهك شيئا يتقمصك لاتتقمصه وأنا كنت أنساب إليك شيئاً فشيئاً . كنت أقتنع بكلامك كنص كتب ليكون مقرراً له أن ينطق بكل حرفية . صحيح أنني كنت أعرف
أنك تسودني وتمتلكني وتمتلك صيرورتي ومكنون ذاتي ومؤكد أنني علمت بأنك الشلال الذي يجرفني بكل ما فيّ ويحولني إلى مساره ويلغي مساري لكن ما عساي أفعل لشيء بدأ يسري بي إلى حد التطابق . كنت تتقاذفني كموجة كتب لها أن تغرقني وتسدل على كل الصمت لم يعد يقنعني أن أمثل مسرحية مثلت منذ حين بأشخاص آخرين .
كنت تقول نحن حين ندخل المسرح لاندخل لنقدم عرضاً يستحق تصفيق الجمهور إننا نقدم شيئاً يحلق بنا خارج دوائر العقل خارج النسيان والذاكرة .
إن الفنان فقط هو من يعيش التناقض بكل تفاصيله لأنه الوحيد الذي يملك صفة التصنع دون رقابة يحق للممثل أن يكون لصاً دون أن يلاحق .
الممثل حينما يعطى دور مجنون يحلق بالدور حداً يطغى جنون المجانين أنفسهم لأنه على ثقة بأنه سيصفق له ويقال عنه بارع .
فيما لو فعل هذا الدور غيره لنعت بالمجنون .
وأي مجنون وأية مجنونة كنا .أنا التي كنت أمارس الحمق في حبك و عشقك .
أنا التي كنت أتغلغل بالعبثية لا تغلغل بك أكثر .
لم تكن حباً لم تكن عشقاً كنت وحدة امتزاج كنت جسدي وروحي معاً مراهقي انت نضالي واخر مراهقتي التي لم اكتشفها لتبدء .
احببت فيك كل شيىء بت راحتي وتسكعي في احلامي الضائعة .
كانت دمشق قبلك مجرد حلم لي ...حلم طفلة تدوس عتبات الشباب حلم فتاة تريد أن تصبح ممثلة أو نجمة فأصبحت دمشق الآن حلم امرأة تريد أن تشكل معك أحلامها المنسية . أتذكر حينما أتيت لتقول لي
ها هو ... هاهو ذا وكنت تركض فرحاً نحوي .
حينها صراخك قطع حديث بيني وبين شمس . سألتك وما هو الذي حصل ؟
ـ النص الذي كنت أنتظره .
ـ وأي نص . النصوص التي تتمنى الحصول عليها كثيرة (فقد كنت أعلم حبه لأن يجسد دوراً لأعمال موليير و حبه لهملت كما أن عشقه للموسيقا يدفعه لأن يحلم بدور يجسد أنغام بتهوفن ) .
يومها نظرت إلي بشيء غريب بنظرة من عين غيرعادية تلك النظرة التي تخترق أوصالك ولا تدري أشيء من الخوف فيها أم من الدهشة فكليهما يمنحك رعشة آنية
قلت لي لالا النص الذي سأكونه قبل أن يكونني النص الذي سأملئه قبل أن يملئني رحت أغيب في ذهني لأجد شيئاً أفهمه لكني لم أفهم .
نظرت إليك ثانية وقلت لك اجلس على المقعد واستغرق في جمال هذه الحديقة وعندما تهدأ أنفاسك افهمني .
ضحكت تلك الضحكة المختصرة وقلت الالياذة . نعم الالياذة .
فاجأني صوت شمس يقول وما الجديد فيها كي تعاد الآن إلى التمثيل من جديد غريبون نحن العرب نعيد تمجيد انتصارات الغير حتى في مسرحنا . المسرح الذي يغتصبونه بطريقة خاصة لا يملكون إدخال المدافع فيدخلون الأفكار . نحن لانفعل شيئاً سوى تمجيد أفكارهم وأعمالهم أين مافعلوه العرب ؟ هل انتهت قضاياهم ليعيشوا أو يعششوا في مقابر الغرب ومن ثم نطلب أن نتحرر إذا كانوا يسيطرون على حياتنا لدرجة عدم الأنفكاك فكيف نأمل أن نصنع مسرحنا الخاص .
ساد الصمت بيننا كانت على حق لكنك كالعادة أقنعتها كيف لا وأنت تجيد وتمتلك لغة الإقناع .
قلت لها الفن لغة عالمية والخشبة في كل بلد وكل مكان ذاتها وإن تغيرت أفكارها فهي ملك الشعوب وليس سياستها . وهي المنطق الإنساني المبتعد عن ثقافات الانتماء وتابعت حديثك الذي حول أفكاري بعيداً عنكم .
الالياذة ولما الالياذة أكنت تريد دور هميروس هل كنت تريد أن تتخيلني طروادة وأن تحتلني بحصانك أوخديعتك المنمقة على شكل هدية .(حينما تكون النساء لقمة سائغة ويتحول الشباب إلى ذئاب هنا ينتهي العالم وتسود الأنعدامية) .
كثيرة هي النصوص التي تتالت وكثيرة هي الأحلام التي رسمناها سوياً في شوارع دمشق لقد بت أعرف حجارها كلها وكنت أستمتع بحديثك عنها . عن ثوراتها عن لغة شعب لايموت عن أفكار تدور في الهواء إلى اللامنتهى . لقد قلت لي يوماً : الناس يخافون التفكير أو النطق بعقولهم فيسكتون عقلهم كي لاينطق بفكرة دون أن يحق لها أن تدون فتموت .
صحيح إذاً أن مقبرة الأفكار هي في داخلنا هي من صنيعنا هي مقابر جماعية لآلاف الأفكار آلاف الإبداعات التي نفضل قتلها داخلنا خوفاً أن تقتل خارجاً(منا لم لايحمل أفكارولاأحلام هو عالم اللاشيء)
لاأدري ما كنت في حياتي وقتها أنت الصديق أم الحبيب أم المعلم .
أنت من أشبعني به أنت من علمني فن التسكع في عينيك وشعاب روحك. أنت الذي كنت تطيل الحديث عن الانتصارات والهزائم أنت من علمني أن الشعوب هي ثورة وشعب بلا ثورة هو مجرد نسخة لشعب غير موجود .
أحببت سورية لأنني أحببتها فيك وأحببتك وأحببت كل ما فيها لأجلك أنت كنت قوتي وانتصاري كنت علوي وانحداري كنت صمتي الصارخ كنت نهايتي قبل البداية وبدايتي المختصرة .
كل شيء فيك جميل وهادئ . كما أن حماستك كانت مثيرة لاتمكنك من تجاهلها . لدرجة أنك صرت واقعي وحاضري ومستقبلي لم أكن أحقق نجاحاً دونك كانت مسرحياتنا تنجح تباعاً وروحنا تتجهز بمسرحها الخاص الذي نملكه سوياً وتتغلغل به إلى حد الانتشار .
ماأحلاك يا انتصاري في زمن قلّت به الانتصارات وما أمتعك يا هزيمتي أمام عتبات روح ملت الانتظار . أنت حلم لا يراود الكثير ولكن يستقر بذاتي .
وهكذا وبعد مرور سنوات الدراسة التي كانت تتقاذفنا بنجاحاتها وأحلامها كالموج في عرض البحر تلك السنوات التي نضجنا بها ونضج حبنا الذي شهدت له كل أعمالنا ابتداءً بالخشبة وأدوارها وانتهاء بقلبينا المتداخلين ببعضهما نجحنا أنا وأنت بتقدير ومجموع عالي كذلك الصحبة الذين كان أقربهم إلينا شمس وخالد وروند .
إذاً وأخيراً انتهينا من الدراسة . اليوم أصبحنا ممثلين بحق . اليوم تنتهي الأفكار الطفولية اليوم أنا وأنت سنضع قدمينا على الطريق الذي ترسمه الحياة .
اذكر أننا في هذا اليوم احتفلنا على نفس الطاولة التي احتفلنا عليها قبلاً عند النجاح الأول لنا الذي ضمنا خمستنا وجعل منا أصدقاء مقربين جداً .
الكل كان فرحاً الكل منجذباً لنفسه ليهنئها على طريقته الخاصة .
أما أنا فنسيت نفسي لأهنئك وحدك كنت أغمض عيني لأكتب تراجيديا جنا المحتجز في دوامته كنت أنهي آخر مسرحية لي في عقلي على طريقتي الخاصة أودع المعهد بمسرحية تدور على خشبة هي عقلي و أفكاري ممثليها.
حلمت بمسرحية لا تأبه بالكاتب ولا المخرج . تتحرر من النص وتحركها الخشبة كما يحلو لها دور وعمل يأبى التذبذب في هيمنة الأفكار و الانطواء لكي ينصاع كما يريد المخرج.
تخيلت نفسي أمثل دور جولييت و أنت روميو الحبيب الذي يسترق ساعات من الليل ليقدم لي بعضاً من الأزهار وكلام العاشقين تخيلتك تجثو على قدميك تحت نافذتي لتعترف لي بحبك و أن أعيش الدور بتفاصيله لكني غيرت النهاية. لم أكن أريد نهاية مأساوية لم أسمح لأهلي بإبعادي عنك وعوضا عن تناول السم خرجت إليك مسرعة لأحضنك وأمضي معك وأهرب بحبي بعيدا دونما أن توقفني كلمات كاتب أو صيحات مخرج يلبس ثياب العنجهية ويحاول دائما أن يشعرك بأنه أهم منك.
إذاً مضت سنوات الدراسة
ومضى معها كثير من الطفولة وبعض من حماقات الشباب
قابلنا أشخاصاً كثر وتعرفنا على زملاء كثر وامتلأنا بمشاعر الحب والحزن و الألق و الأرق عشنا كل الأضداد سوياً. مشينا طويلاً على أرصفة دمشق وقطفنا الكثير من زهورها التي كان يضطر بعض أصحابها لحراستها من يدينا مشينا في كل أزقتك يا شام لبسنا من لباسك وشربنا من مائك وامتلأنا بك
حد الجنون مدينة تحمل كل المدن اسمها يجمع اسم لأكثر من بلد (بلاد الشام) حتى عصافير دمشق حفظت أسماءنا . قد ألف أهلها وجهينا من كثرة التسكع بها بحثاً عن آمالنا .
إذن مرت أشهر على التخرج .
عرضت فيها علينا بعض الأعمال بعضها كان مقنعا مهما والآخر كان بضعة كلمات سطرها أحمق ليدعي لنفسه أنه كاتب أو لأنه يحب الثرثرة ولا يجد مفرغا لثرثرته إلا الورق الذي كانت كلماته الغبية تستصرخ هرباً منه.
آهٍ يا أيام الأستاذ بدر كيف رحلتي.........
مؤكد أنه مخرج من نوع آخر. لم أكن أدري أنني بعد التخرج سوف ألهث وراء أي مخرج يتذكرني بدور. وإن وجد فسيكون غبيا بلا قيمة لربما على الممثل أن يصبح كاتبا ليكتب شيئاً يمثله أو يشبهه. وإن وجدت دور فإنك ستكون تحت رحمة مخرج قد يجعلك تشعر بالندم كل لحظة على هذه المهنة حينها فقط تحس أن الخشبة تستنزفك عوضاً عن تضميد جراحك.
رأيت التذمر في عينيك رأيت حزنك وحجم الصاعقة التي كانت تهزك. أهذه هي ثمرة دراستنا قلت مرة لخالد علي أن أجد مسرحي.
استوقفتني هذه الكلمة وجعلتني أنسى أننا في المقهى تجد مسرحاً لك.
تريد امتلاك مسرح.
دخل خالد وروند من الباب واقتربا من الطاولة.
صباح الخير....صباح الخير جميعاً.
قالت روند: ما بالكم متجهمين؟ ما الذي جرى؟
ورحت تشرح لها نظريتك الجديدة . آه أيها البارع الذي يخترع نظرياته حسب أهوائه وتتغير نظرياته عشرات المرات .
أعلم أن المسرح يعاني بعضاً من البؤس أعلم أن مسرحية أدبية أو وطنية أو حتى فكاهية لا يفكر أحد بأن ينزل عنها إعلان أما لو استخدم المسرح لراقصة فإنك ستجد صورها في كل شارع وعلى كل باب يقارب المسرح لا وقد تجد إعلانا في الصحف والتلفاز ورغم ارتفاع سعر بطاقتها تأتي الناس لتحضرها . على عكس المسرح الذي تكون سعر البطاقة فيه رمزية ولا يأتيه إلا قلة من المثقفون الذين ربما لا يأتون ليتابعون المسرحية لكن ليثبتوا أنهم مثقفين ومحترمين فللمسرح احترامه ولم نسمع يوما عن إعلان في التلفاز لمسرحية كل ما في الأمر أن تلصق ورقة كتب فيها اسم المسرحية أو لافتة قماشية لفها الهواء ببعضها فلم ولن تتمكن من قراءتها. وقد تسمع عن مسرحية عرضت لم تكن تدري أنها قد عرضت ومنى عرضت أصلاً.
عندما كنا صغارا وأحلامنا في عقولنا لم نكن لنعلم أننا نحتفظ بأحلام قد تصبح بلا قيمة عند الكبر . نحلم ونحلم بأشياء يأتي الواقع ليفسدها وهو يتلذذ بحماقة نصره.
مضت أيام الطفولة. ومضت أيام اللامبالاة ومضت معها أيام المراهقة بكل ما فيها من حماقات وآمال منتهية قبل البدء .
أنا وأنت فقط لم نمضِ بقينا سويا نخطط للرحيل والبعد عن واقعنا .
أردنا أن نرحل إلى أحلامنا وأردنا تحدي واقعنا وعدم التنازل للركون إلى ما تمليه علينا الحياة .
بعد التخرج كانت تستهويك فكرة واحدة ........ الرحيل.
الرحيل فقط إلى بلد فيه مسرح أو إلى بلد يعطيك مسرح لنفسك.
حاولت جاهداً إقناع الكل بالسفر وكم رسمت لنا من آمال في الخارج .
بالنسبة لي ما كنت لأتركك ترحل دوني أبدا .
أما شمس فقد كانت مخطوبة أو بالأحرى مرهونة لشخص قبل أن تولد . وكأنما ولدت خصيصاً لابن عمها الذي كان يعمل في الخارج وينتظر تخرجها ليتزوجها .
لربما كان يفضل أن يجلب معه قفصه الذي سيزج بها داخله وينهي صفقة التملك التي منحوه إياها أهلها
وبالنسبة لروند
فلم تكن قادرة على السفر إذ أنها أكبر أخواتها البنات ولم يكن لأمها معيل غيرها لذا عليها أن تأخذ دور الأب والأخت وربما الوالدة.
أدوار تصوغها مسرحية الحياة تحت عنوان النهاية والتكسر.
كان لا بد لروند أن ترسم أحلامها ضمن دائرة الوضع الضيق الذي تعيشه أسرتها أسرة أتعبتها صفحات العيش وسط ركام الحياة المنسية التي لا تعني لهم سوى العيش لمجرد العيش نفس يمنحهم المزيد من البقاء الذي لا معنى له.
إذن لم يبقى سوى أنا وخالد وقد كنا موافقين ومذعنين لآرائك .
لربما قد وضعنا آمالنا وآمالك أو أردنا توحيد أحلامنا سوياً عسانا نكسر قوانين الحياة المتسلطة.
قال خالد: سأمنحك سنتين يا أخي لربما تغير شيئاً.
قد أخسر في هذه السنين بضعاً من الأدوار البسيطة. لكن ليس مهماً لربما أجد شيئاً هناك عند الضفة المقابلة لهذا النهر.
صمتنا لمدة دقيقة لربما كان كل يفكر في مأساته التي لم يكن يفكر بها يوماً.
هاهي شمس تنصدم بواقعها الذي رغم أنها فتاة متحضرة ومن عائلة منفتحة لا تزال تعتبر الفتاة هي منحة لابن العم (وآه يا لعصر الجواري).
وروند تكتشف أنها ستبدأ رحلة شقاء جديدة لأنها ستكون مسؤولة عن أسرة كاملة.
جاء صوتك مقاطعا كل الصمت ليكسر البؤس الذي بدا على الوجوه.
قلت أيها الرفاق أريد أن تشهدوا شيئاً
الكل صرخ: ما هو ؟؟؟
أخرجت من جيبك علبة صغيرة وقلت لي أن أفتحها.
قمت بفتحها وأنا أشعر برهبة الفتاة التي تتخيل ما في داخلها وتخاف أن تصدم.
كان في العلبة خاتم جميل جعلني اشعر بصعقة تسمرني في مكاني وتشدني إلى الأرض أحقاً..أحقاً هذا لي. أمعقول بأننا أخيرا سنتزوج .
دهشتي وفرحي جعلاني أبدو كغبية حمقاء جعلاني أطير وأنا أغوص في الأرض.
اختلطت مشاعري بين الخجل والفرح والخوف . مخيفة الأحلام عندما تتحقق . نظرت إلى الأصدقاء وكنت أرى في عينيهم تواطؤ أحقا كانوا على على أم أنهم كانوا يتوقعون هذا ويترقبونه مثلي .
فرحتي كانت تملأني وكنت سعيدة بأنك خطبتني بين أصدقائي وعلى طاولتنا .
مع أنني قد تمنيت ساعتها لو أن أمي على قيد الحياة فأخبرها علها تشاركني الفرحة أو تزغرد لي كباقي الأمهات .
وها أنا ألبس الخاتم الذي وضعته بيدك يا عزيزي بإصبع نحيل الذي كان يرتجف خوفاً وفرحاً.
تركت الجميع وركضت باتجاه قاعة المسرح كنت أريد أن أشارك الخشبة فرحي كنت أريد أن أضمها وأقول لها هنئيني يا أمي وارقصي مثل باقي البنات اذهبي لجاراتك وافتخري بأن ابنتك عروس.
ودون أن أشعر دموعي كانت ترافق خدودي وظللت أبكي لربما أفرغ شيئاً من نفسي بين قطرات الدموع.
رفعت رأسي إلى أعلى لأفاجأ بكم مرة أخرى ولكن بإضافة الأستاذ بدر وبعض من الرفاق وكأنكم أتيتم لتشهدوا نهاية عرضي المسرحي.
ارتبكت كثيرا ولم أدر ما أفعل . اقترب مني الأستاذ بدر قائلاً: ابنتي لا تخجلي .
كلنا أهل هنا لكن كان على والدكم أن يعلم أولاً (وكان يقصد نفسه)
اتصل بنا وجمعنا في اليوم التالي دخلنا المسرح لنجد رفاقنا الآخرين يحتلون القاعة وقد كانت ملأى
بالزهور ويتوسطها قالب حلوى كبير كتب عليه صبح ومجد إذن الحفل لنا.
كان السرور يغمرني بقوة مسكت يدك وقلت لك أحس اليوم أنني المشاهد أو المتفرج ولست الممثل.
أجبتني: إذاً انعمي بشعورك أنا الآن أنتظر تذوق الحلوى فقط.
وحضر الأستاذ بدر وقطعنا قالب الحلوى واحتفل الجميع بنا.
لربما أنا الفتاة الوحيدة التي احتفلت بخطوبتها بالمسرح عوضاً عن الصالة .
وهكذا قرر الأستاذ بدر أن تكون بدايتنا هنا وأن يجمع شملنا في هذا المكان كما التقينا أول مرة .


..............
إذاً حان وقت الرحيل .
فتحت عيني في الصباح بعد ما رن جرس الهاتف وإذا بك أنت تتصل . قلت لي قد حصلت على عقد لنا وأمامنا وقت قصير للمغادرة .
ها انت متعجل إذاً ـ قلت لك وكم يلزمنا من وقت . قلت لي أسبوع .
ثم أضفت يكفي الأسبوع لتجهيز أنفسنا سوف أخبر خالد .
وأنهيت المكالمة .
شربت قهوتي بسرعة وخرجت إلى الشارع أردت أن أودع دمشق أردت أن آخذ منها إذناً بالرحيل سنوات ليست بكثيرة جمعتنا لكنني كنت قد تعودت عليها . أصبحت جزءً لاينفك مني كيف سأنسى صباحها الجميل كيف سأنسى أنها هي من وهبتني إياك .
مشيت كل الدروب التي مشيناها سوياًوتأملت كل المحال التي كنا نرتادها لشراء أغراضنا اليومية . كانت عيناي تودعها وكأنها تريد أن تشبع منها تريد أن ترسم لها صوراً من كل الجهات .
وروحي تريد أن تحمل منها أكثر من مقطع شعرت كأنني أريد أن أختزن هوائها وبعضاً من شمسها لأيامي المقبلة .
وكم كانت رغبتي شديدة في أن أذهب إلى لكل الناس مودعة حتى دون أن أعرفهم .
مشيت ومشيت إلى أن أصبحت لاأشعر بقدماي المتعبتين . وعدت للبيت منهكة .
في الصباح التالي أتيت بصحبة الأصدقاء كي ننزل للسوق ونشتري ما قد يلزمنا أوما نحتاج إليه من الأغراض . واقترحت روند أن نذهب لسوق الحميدية أولاً . قالت ممازحة : مارأيكم أن نذهب لسوق الحميدية ونقصد المحلات الشعبية ونشتري بعضاً من تلك القطع التراثية ، التي يأتي لشرائها أناس من كل مكان ور توجد قطعة واحدة في بيوتنا . طبعاًهذه هي العادة يأخذون قطعة قماش أو نحاس ليشعروا أنهم بذلك يرتبطون بالوطن لكن الوطن والوطنية أكبر من أن تتجسد بقطعة خردة لم يكن أصحابها يملكون شيئاً لتصبح في مماتهم قطعاً ثمينة . ....وفي الآخر طبعاً اشترينا بعضاً من هذه القطع على الأقل كي لانكون مضطرين لتزيين جدراننا بتراثهم أو بإجزاء منهم واشترينا بعض الملابس . والحاجيات بالإضافة لبعض الكتب التي قد نحتاجها .
بعدها تابعنا التسكع في السوق ربما كان هو يريد أن يودعنا .
عندما فرغنا عدنا إلى البيت وكل منا يحاول أن ينهي أموره .
كنت أنت من خطط ودبر أنت الذي قمت بكل أعباء السفر ومعاملاته المميتة .
وقبل السفر بيومين قررنا أن نودع الشام سوياً خمستنا معاً كأصدقاء جمعتهم وهاهي تفرقهم .
شمس سترحل إلى لبنان وروند ستبقى في سورية تحاول عبثاً إنقاذ أسرتها . ونحن الثلاثة سنغرق في دوامة المهاجرين .
لم يبقى شارع دون أن نزره لم تبقى ياسمينة إلا وقطفنا جزء منها جمعنا وروداً كثيرة كنا نستعد لأن نودع الطفولة والمراهقة معاً . والعيش آخر يومين لنا في اللامبالاة .
بعضهم خالنا جننا وبعضهم ظن عندما رأى أننا نسير ونضحك بحرية دون أن نأبه لعيون المارة أننا سياح أجانب .
وـخيراً بقي أمامنا المسجد الأموي دخلنا إليه سوياَ وافترقنا النساء والرجال كل إلى قسمه المخصص له وأدينا آخر صلاة تجمعنا . في لحظات العبور للغربة . الأنسان يحاول أن ياخذ من بلاده كل شيء جميل لذا كان علينا أن ننهي جولتنا في مكان يذكرنا بديننا وأنه في وسط الزحام هنالك وقت للعبادة .
يوم الرحيل
اهذه النهاية إذاً يا شام اليوم ستودعي طفلتك
وداعاً .
وداعاً أيتها الخشبة وداعاً يا أمي وداعاً يا أستاذ بدر وداعاً أيها الرفاق هل ستذرفين دموعك علي يا شام
قالها لنا مودعاً (ستعودين يوماً ما.)

قالها الأستاذ بدر والغصة تملاه وهاهو يودعنا ومعه بعض الرفاق .
الوداع وما اكره الوداع وما اغرب الرحيل جميل أن نرحل إلى ما نريد وأن نحيى بسلام
جميل أن نمضي لنرسم لنا وجهاً على هذه الخليقة ... لكن في داخلي كنت اتمنى أن لا اجد بهذا الرحيل مزيداً من الغربة . اريد لروحي أن تستقر معك و تبدء خطة حياتها .
مشكلتي أنني اردت الحياة و أردت البقاء وعزف لن الخلود لي ولك وحلمت معك بأن نبني مستقبلنا . لابد للشباب من الكفاح لابد من آن يبحث الانسان عن فرصته لا آن يستجديها كي تصل إليه كما قال الشاعر (إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد آن يستجيب القدر.)لربما القدر يعرف كل
شيىء مسبقاًًًًًًًًً ويهيىء لنا ما شاء من افراح و الام.
الاحلام التي لا تنتهي من مخيلتنا الاحلام اللتي تراودنا كأنها جزء من مقومات العيش.
نعالي با لاحلام و ننمقها كما نريد لكن تبقى الاحلام آحلام و قلما تتحول إلى حقيقة.
وبدأت رحلتنا و بدأت لوحة الاحلام رحلة ترسم خالد وصبح و مجد بالوانها هي.
رحلة الاحلام رحلة النجاح و العمل الذي نعول عليه أو ربما رحلتي إليك ؟ .
لم يمضي وقت طويل حتى وصلنا إلى فرنسا و لم نشعر من فرط الفرحة بمرور الوقت.
طبعاً نحن سائرون إلى بلد غريب لاول مرة بلد لطالما سمعنا عنه ولم نره.
و بدأنا ترتيب حياتنا هناك.آخذت شقة لي و سكنت أنت وخالد في شقة ثانية.
هنا احسسنا بشيء غريب. فعند ما تذهب إلى بلد لا يعرفك ابداً وأناس لا يعرفونك البتة تحس كانك ولدت من جديد.
الشوارع الناس الهواء كل شيء فيها جديد لا شيء مما تحمله وتخزنه الذاكرة .
كأنما مسحت كل شيء .هنا ينسى الإنسان ماضيه ويبدء بصنع حاضر جديد له .لكن هناك بعض من الأشخاص اللذين لاشيء يمحي قزراتهم ووحشية أخلاقهم .باريس مدينة كبيرة وجميلة والناس فيها يتمتعون باللباقة والرتابة .على الأقل هذا البلد يجمع عرب كثر ممن يحملون جنسية فرنسية .ففي المكان الذي نسكن فيه كان معظم السكان فرنسيين من أصل جزائري أو مغاربي .
هذه هي أحوال المدن أو العواصم تصهر في بوتقتها ثقافات ولغات وجنسيات لتشكل شيئاً وقد لايكون سوى الزحام .
كثيرة هي البلدان التي تعاني الزحام لكن هنالك أوجه للزحام . زحام الناس الذي يضيق الصدر ويجعلك لاتريد أن تعرف أحد فا لناس كثر وزحام الأفكار والأحلام وزحام الأخلاق المهترئة في نفوس البعض.
في زحمة الأشخاص هنا تسنى لنا التعرف على بعض المخرجين وبعض الأصدقاء المسرحيين قد كانوا لطفاء جداَ . ويحولون تصنع اللباقة دائماً وكان من أبرز الأشخاص الذين لايمكن أن أنساهم (آنا)
آنا هي ممثلة مسرح ومخرجة .
والأستاذ (بيتر هانس) وهنالك رفاق من الممثلين مثل إيماسيدوإياد الذي كان جزائري الأصل .
هؤلاء الأشخاص الذين أرسلهم القدر لنا ليكون لنا معهم منحناً جديداً لمشوارنا .
وفرصة العمل معهم كانت بالنسبة لنا فرصة ثمينةوكنا جاهزين لاستغلالها بكل قوة .
وهكذا بدأت العلاقات تدريجياً تتعمق أكثر فأكثر .
الجميل أن الناس هناك رغم كل شيء لديهم وقت للمسرح وقد يعطي أحدهم أولوية لأحد أيام الشهر على الأقل ليذهب ليحضر المسرحية إما برفقة أحداً أولوحده .
وعندهم مجموعة من الأعمال الجيدة أو الممتازة وكثيرة عندهم النصوص التي تقدم لتمنحك فرصة انتقاء الأفضل منها وليس كما هو الحال عند العرب قد تجد كاتباً للمسرح وربما لايكون سلبياً لكل الإهداء أو تجد كاتباً كتب نصا لاينفع للتلفاز أو ليكون رواية فيرمي به إلى المسرح عله يقبل .
قمنا بعدة مسرحيات في فرنسا وكان العمل معهم جيداً صحيح لم تكن أدوارنا سياسية مهمة كفاية لكن أجرها كان معقولاً جداً وطريقة التعامل معهم أكثر من جيدة لم تكن مجبوراً أن تتبع أهواء المخرج وتحكم الكاتب وكان عندهم فسحة للمثل كي يعبر عن نفسه أكثر .
وعلى الأقل لن تكون مضطرين لأن تأخذ مبلغاً لايكفيك للمواصلات بعد أيام من التدرب والعمل بل كان كل شيء مرتب كل دور يمثل هناك تكتب عنه الصحف ويكرم الفنان .
وهكذا تتالت الأعمال والنجاحات . ولم نكن نفكر في شيء إلا بالعمل فانغمسنا به إلى درجة أننا نسينا أنفسنا . وبعد مضي أقل من سنة أصبحنا بحال مادية جيدة وأصبحت أنت مشهوراً ومعروفاً وبدأت روح الأنانية تظهر عليك حينما صرت تأخذ أدواراً وأكون أنا مستثنية من كل العمل وأصبح أنا هنا المتفرج كنت سعيدة لك مع أني كنت تعيسة لأجلي لم أكن أتوقع أن أعمل أو تعمل أنت أي دور دوني . لكن كنت أقول لربما هكذا يقتضي الدور .
وبعدما كنت أشكل نصفك الثاني في المسرح أخذت الدور (آنا) .
هل يمكن للإنسان أن يكون له نصفين هل يمكن أن يمتلك روحين .
طبعاً وقتها لم أكن أفكر هكذا كنت اعتقد أنه مجرد عمل وصداقة . لكن ما لبثت هذه الصداقة أن أخذتك مني لم أعد أراك لم أعد أتكلم معك مثل السابق ولقاءاتنا أصبحت قليلة . بات وقتك كله محصور معها . آه كم كنت غبية لم أكن أدرك أنك تخطط لنجاح جديد يعتلي جسدي ويرتقي فوقه والمصيبة أنني أرفعك لتدوسه .
بعد مضي سنة بدأت بالابتعاد عني تدريجياً في الوقت الذي كان المفروض فيه أن نتمم زواجنا أنا وأنت هاهي علاقتك بي تأخذ بعضاً من الفتور لذا قررت أن نعجل بالزواج .
كان لابد أن أتصل بك مع أنك تقيم بشقة مجاورة لي كان لابد أن أتصل لأنك لم تعد تعود للبيت إلا نادراً أو متأخراً . قلت لك سنقيم زفافنا هذا الأسبوع .
شعرت بتهربك لكنك وعدتني أنه في آخر الأسبوع سوف نتزوج وننهي كل شيء بطريقة بسيطة .
أردت أن أعيدك لي . الأسى في داخلي كان يشعرني بالخوف دائماً وإحساسي بمجرد التفكير في فقدانك يؤرقني ويغض مضجعي كيف لا وأنت الحبيب الذي رسمت معه الماضي والحاضر كيف لا وأنت كل شيء في حياتي بدأت الحب معك ولم أرد أن أنتهي إلا معك .
فجأة اختفيت في يوم بارد مثل مشاعرنا التي تباعدت اختفيت دون أي كلمة تطمئنا .
حتى خالد الذي كان يسكن معك لم يكن يعلم إلى أين أنت رحلت دونما وداع دونما أي كلمة تطمئننا عنك . جمعت كل أغراضك ولم تبقي شيئاً منها . ودونما استئذان مضيت إذاً .
مضيت كما يمضي خريف العمر مضيت كما تمضي الأفراح في وسط المآتم مضيت لتتركني أعاني فراقك .
كم قلقنا عليك أنا وخالد فلم نكن ندري أين نبحث عنك ولما رحلت . لم نترك أي مكان إلا وبحثنا عنك ولكن دون جدوى وبعد أقل من شهر فوجئنا بنبأ زواجك من المخرجة (آنا)
ذلك الخبر الذي أنتشر بين جميع الأصدقاء وصل إلينا نحن متأخراً .
كان هذا النبأ كصاعقة تفجرني وتحولني إلى أشلاء .
تزوجت هل يعقل ؟ لم أصدق أمعقول !
لم تكن روحي لتصدق وعقلي بات ينكر هذا الخبر ويعتبره مزحة ما .
أحسست بروحي تخلع من جسدي أحسست بدمائي تثور خارجي احترقت بنيراني ودموعي التي رفضت الانسكاب .
وكيف أصدق أنك من الممكن أن تتركني . أأشهر مع آنا تمحو سنين معي .
وحبنا وخطبتنا وخاتمي هل لازال في بأصبعك أم أنك رميته لتجد مكناً لخاتم (آنا) .
ليس سهلاً أن يقال لأحد أن أغلى إنسان لديه في العالم باعه وتركه هباءً ليس سهلا أن أستوعب ماحدث ولما.. كيف سأغفر لك كيف سأتقبل أنك بعتني وقتلتني .
هل من السهل أن تتخلص من روحي لاأدري كيف قررت أن تمحوني من قلبك ومن ذاكرتك . أنك لو استعدت ذاكرتك لن تجد فيها سواي أن شممت رائحة الماضي ستخرق رائحتي كل شيء . مهما لبست من وجوه سوف يبقى وجهي طاغياً . أين الحب أين العشق أنت يامن علمني سر الكلام .
قضيت أيام برفقة خالد بالمستشفى ولكنك لم تسأل ولم تأتي وماذا عساك تقول لي أصلاً وأنت السبب .
وهل شيء من الكلام يترجم خيانتك لي وغدرك هل من شيء يشفع لك سرقة عمري وأحلامي التي بعثرتها ،لاأدري كيف خانك الوجد فيّ . هل هي الغربة أم جشعك الذي كان ينتهز الفرصة .
قضيت أياماً أنا وخالد ونحن نبحث عنك ونعيش قلقاً كبيراً وإذ أنت في شهر العسل .
أين الحب أين أنا كيف سلختني من روحك ومن جسدك كيف انتزعت قلبك مني لتهديه لها ولماذا ؟
أمن السهل أن يتنكر الإنسان لفؤاده وروحه في لحظة هل يمكن للإنسان الطاهر النقي أن يصبح شخصًا لعينًا أين كنت تخبئ العذر يا مجد وأنا لم ألمح في عينيك إلا براءة الأطفال .
(آنا) أخذتك مني ومن دون معركة . لقد وهبتك عمري وأحلامي وتركت كل شيء لأرحل معك دون أن أشعر أني أرحل للغربة (غربتني بفعلتك) .
ضاع التوحد وضاع الانقسام وضاعت حروف العشق بين حروف الأبجدية ورحلت الآمال والأحلام معك . لو أنك قلت لي على الأقل أوأخبرتني لكان أفضل من فعلتك هذه التي تنم عن سلوك الجبناء فقط .
أخشيت أن تواجهني أخشيت أن تقول لي أريد أن أنسلخ وأنفك عنك. ماذا تقول؟؟ .
أتقول عذراً أضعت لك من عمرك بعضاً من الأيام وهدمت أحلامك مرة واحدة وتركتها لك رمالاً ورهجاً .
لاأدري كيف سحجة جلدك لي ببساطة وابتدعت غيره .
أم أنه لم يعد لدي شيء لتستنزفه فذهبت لمن يعطيك عجزاً جديداً .
تسلقت على روحي وعلى نجاحاتي في دمشق وها أنت تختار (آنا)
حصرياً لتأخذ أدواراً مهمة وتنفك من الأدوار البسيطة .
تريد أن تصبح مهماً ومشهوراً على حساب روحي وعمري وحبي وصداقتنا أنا وخالد . وخصوصاً بعد أن جلبتنا إلى هنا وورطننا في بلد غريب .
لربما كنت تنتظرني أن آتي إليك مهنئة . هنيئاً لك بهذا الفوز ها أنت أخيراً حققت أمنيتك وامتلكت المسرح (آنا) . وهكذا تدريجياً أخذت أنا دور المتفرج أراقب مسرحيتك الأخيرة معي وعرضك الذي أرتقب نهايته مع آنا لتمر الأيام سريعاً وبطيئة في آن واحد .
جاءتنا أنا وخالد أعمال في مسرح الدمى وبعضاً من المسرحيات المخصصة للأطفال بالإضافة لبعض المسرحيات في المركز الثقافي الفرنسي .
وحاولت أنا وخالد أن نلملم بعضنا في هذه المدينة التي أسماها مدينة الغرباء .
كل شيء فيها غريب حتى لو شاهدته ألف مرة . لربما شعورنا بالغربة كان يطغي على كل شيء فيمنع روحنا مع التآلف هنا . إن كل من يسافر إلى باريس لايفكر إلا ببرجها وقوس النصر ولا يتخيل صورة باريس إلا بينهما لكني لم أهرع من وصولي إليهما لالتقط بعض الصور فقد كنت أكره أن تغلف الأشياء والأهداف فنحن لم نذهب سياح بل ذهبنا لننحت من الصخور أنشودة نعتلي مسرح باريس وكل هذا تحقيق للنجاح . لم يعد لي هنا سوى الارتقاب ارتقاب نجاحاتك وشهرتك التي زادت بعبدنا وحولتنا إلى مجرد ماضي تروم نسيانه لو كانت (آنا) من خطفتك مني لكان تسنى لي وقت للدفاع عن حبي أولاً وأسوي معركة نسائية كما يقال . لكن كانت هي أيضًا ضحيتك .
أنت من أختارها وأقصاني فما عساي أفعل . لم يكن كبريائي ليجعلني أطرح نفسي عليك باكية ومتذللة .في بلد فيه الزواج مرة واحدة قد ألغاني وما كنت لأقبل بوجود غيري لذا قررت الصمت وسكنت الوحدة . تمر الناس من أمامي ومن ورائي ولا أشعر بأحد . أنسى نفسي كي أنسيها دموعاً كثيرة ذرفتها لأجل عينيك وليالي كثيرة لم أعرف سبيل للنوم فيها . صورتك تترامى إلي ذكرياتنا رائحتنا الممزوجة بعبق الشام كل شيء يذكرني بك .
وهكذا ألقيت نفسي في سراديب الصمت والأرق .
وبعد مرور /5/ أعوام تعرف خالد على أمل وهي فتاة من العراق كانت تعمل هناك كمراسلة للتلفاز في إحدى القنوات التلفزيونية . وقد كانت فتاة جميلة وأنيقة وأهم شيء جمع بينهما أنهما كانا يحبان بعضهما بطريقة عقلانية بعيداً عن مؤشر المراهقين .

الشاعرة ليلى العنزي
12-16-10, 08:53 PM
جمع بينهما الاعجاب والتقدير والانتماء فقد كانا من بلد واحد وهو العراق ولم تمض الامور وقتا كبيرا بينهما حتى اتفقا على الزواج كان زواجا عقلانيا يعتمد التكافؤ والتعاون في بلد غريب جمع بينهما .
الحمد لله كان خالد صديقا وفيا لم يتركني لحظة هو و أمل فقد كانوا أخوة بحق حتى أنهم
تزوجوا وأقاموا بنفس تلك الشقة المجاورة كي لا أبقى لوحدي منفردة فقد كان يخشى خالد علي كما لو كنت أخته على عكسك يامن ملكتك يوما حياتي وأدخلتك الى ما بعد الروح أنت يامن أعطيته التعمق في قلبي وروحي أنت يا من أرسلت له كل شيء في أحاسيسي .
وها هي صورك تملء التلفاز والمجلات بسرعة انتشرت بفضل ( آنا ) .
ولم تعد مجرد ممثل بل أصبحت نجم ولا تكاد مسرحية ( تيتنك ) وفي كل صورة ترسم ابتسامتك المخادعة لا أدري لما كنت أتابع نجاحاتك وأخبارك العقيمة الفائدة لي .
لربما كنت أنتظر يوما يكتب فيه عن فشلك في أحد الأدوار أو أنتظر أن أقراء خبرا يبشرني أنك تركتها لتعود لي نادما .
لكن عبثا كل مرة أقراء عنك شيئا أيدك تنتقل من نجاح الى نجاح أكبر وتمثل نصوصا حلمنا أن نؤديها سويا أنا وأنت .
لا أستطيع أن أنكركم كنت رائعا عندما قدمت دورا في مسرحية لشكسبير عندما أخذت دور يوليوس وكان اسم المسرحية يوليس قيصركم كنت مبدعا في أعمال شكسبير كلها كمسرحية حلم ليلة في منتصف الصيف ذلك العمل الذي ضج الناس به من اتقانه وتفاعله ولن أنسى تاجر البندق تلك التي كنت تأمل بأن نمثلها أنا وأنت عندما كنت في سوريا ها أنت وحدك دوني في أعمال تعد روائع .
ولن أنسى الأوديسة تلك الملحمة الشعرية التي هي من أروع ما كتب هوميروس يا لحظك الموفق كل ما تريده تحصل عليه كل عمل تمنيته وحلمت به ها أنت تجسده بكل عظمة وشموخ وبت تتصدر الأعمال الجيدة كلهاو تقصيني بعيدا أنا وخالد .
أصبح وجودي قلقا لك وكنت تخشى من وجودي وربما تخجل من النظر الى عيني تخجل أن ترى الماضي في عيني ولربما جل ما تخشاه أن تشتم رائحة دمشق الطاهرة في فستنهضك وتذكرك أنني أنا وحدي حبيبتك أنا طفلتك أنا من تربيت على أفكارك التي خنتها تلك الأفكار التي تتكلم عن الصدق والوفاء والوطن التي ضربت بها عرض الحائط .
الجميل في الغربة أنها تكون الامتحان الأول الذي أما أن تثبت فيه عروبتك أو أن تنجرف فيه الى هاوية الأفكار المسطحة الغربة تعري الانسان وتبرز صدق الأفكار وتجلي المفهوم الانساني .
الان بت مقتنعة أنك لم تكن سوى مذياع ناطق تقول أشياء جميلة لا دخل لك بها ولست سوى قارئ لهذه الأفكار ولست مترجم .
كثيرة هي الليالي التي كنت تناقش معنا فيها موضوع الانحطاط وأن لكل مرحلة زمنية كبوة
في وسط الزحام وهناك دور انحطاط يلغي بعض الانظمة والأفكار .
كنت تقول ان دخل العرب هذه المرحلة قامت الفوضى والضوضاء وها أنت تثبت أنك لست سوى انحطاط لزماني ولحبي ولحياتي ولأفكارك .
كان من الأفضل أن نبقى في سوريا ونحفظ صمودنا وأفكارنا لا أن نذهب لمن يدعون الحضارة والنور وما النور الذي هم فيه الا سرقة من الشعوب وأولها بلاد الشام التي أتوا ليسرقوا منها روحها فطردتهم أجيالها ولكنهم لم ينسوا كيف يتعلمون منهم طعم الثورة. والثورة هي التحرر ونور الشعوب. لو نرجع الى الشام لتتذكر أنك الأن لست سوى نكرة .
فمن يتنكر للماضي يبقى خلف الماضي لا أمامه فيرسل الى ما وراء اللاه وراء حيث الانعدام .
تبا لباريس وتبا لما فعلت بك تباً للشيطان الذي خرج من روحك .
كنت دائماً أتمنى أن تعود إلى مجد الشاب الطيف الظريف المفعم بالحياة أتمنى لو نرجع إلى اللحظة التي بدئنا منها إلى أزقة الشام إلى حاراتها العتيقة إلى الماضي الذي تختزنه الشام إلى الروايات التي تكتنزها جدران تلك المدينة العريقة مدينة المجد مدينة الحضارات والإمارات الإسلامية .
لذا قررت أن أكون هنا المتفرج وأرحتك من رؤيتي التي كنت تشعرني بأنك لست بحاجة لها وكلما ذاع صيتك أكثر زاد التكبر فيك إلى أن قطعت كل شيء يربطك بي وبخالد وبالتالي بذاكرتك النظيفة والماضي .
صحيح أن حسرتي وبعد هذه السنين تلك كانت لا تزال تلازمني .
انبهاري منك ومن الوجه الثاني الذي فيك.. أكتشفه منك سابقاً .
كنت أتألم بصدق ولكنني حاولت أن لا أنكسر أو أنهزم ولا أن أبقى الضعيفة وأنزع حمق وغباء الفتاة بالحب التي تبكي على الأطلال مع أن كل شيء في جسدي كان يتألم .
قررت ان أدرس الصحافة وأن أستثمر وجودي في باريس بشيء مثمر .
قد هداني لهذه الفكرة زميل لنا بالمسرح زياد الجزائري الأصل فقد كان يدرس الصحافة بالإضافة للمسرح وأصلاً كان التمثيل هو ربما الهواية أو الشيء الثاني في حياته فهو يسعى لأن يكون صحفياً لامعاً .
بدأت هنا مرحلة جديدة من الانتشال أردت أن أخرجك من روحي وأنتشل نفسي منك .
وأملت أن أرمي بك خارج حياتي التي لم تعد ذات قيمة فلم يعد عندي ثقة بأحد من بعدك .
ورغم كل هذا كنت مدركة أنني لم أقدر أن أنساك أو أنسى كيف تنكرت لي ولخالد الصديق العزيز كيف تريد أن تفترق عنا وقد كنا أنا وهو وروند شمس لحمة لا تنفصل .
انشغلت أو يا لحقيقة أشعلت نفسي بالدراسة من جديد وحيثما انتهيت من دراسة الصحافة وحصلت على وظيفة لي كصحفية كان قد مضى على وجودي عشر سنوات في فرنسا .
وها أنا من جديد أطبع جزءاً كبيراً من عمري وكم عشر سنوات بقي من عمري أصلاً لم يبقى إلا فتات امرأة سرقت أحلامها لم أعد الممثلة صحيح الآن أنا الصحفية صبح و ان الصحافة شيء مهم لكن لم تكن هي حلمي الذي تركت كل شيء لأجله ، وما يعزيني أن الصحفي والصحافة لهما وجه شبه بالمسرح .. الصحفي يرصد الناس ويعبر عنهم بقلمه ويبقى جندي مجهول خلف الورقة يحاول أن يترجم انفعالاته وأحاسيسه ولكن للأسف أن الجسد والروح محال أن تنسكب بالورقة لهذا المسرح أكثر واقعية وتبسيطاً للناس ومن جهة ثانية عندما تكون صحفياً تشهد عدة مسرحيات واقعية و يا للأسف كلها محبطة دمار وقتل ومجازر .
لكنني على الأقل لم أعتزل صوت الناس وصداهم هذه الحياة لا نعرف ماذا تخبئ ولا أحد يتكهن بما سيجري له مستقبلاً من قال أن خشبته ستصبح يوماً هي الطاولة التي أكتب عليها آمال الناس وأن عيوني ستذرف الدموع على الأوراق فقط ولن يرى دمع حزني أحد أبكي وتبتل الورقة وتتشرب الحروف وتغرق الورقة وتبقى الحروف على حالها .
أعترف أني بعد سنين الغربة والشقاء أصبحت أكثر نضجاً وعقلانية وأكثر تبصراً للأمور أفهم أن ما صنعته لك ( أنا) لم أكن لأحقق لك منه ولو نصفه وأن حققته لك سنكون في سن متأخر
أنت استغليت الفرصة وحصلت على كل ما تريده مرة واحدة ودفعة كاملة وليست بالتقسيط صار لي بيتي الخاص الذي أملكه واشتريت سيارة وعملت كصحفية مشهورة وخالد أنجب أربعة أولاد ابنتان وولدان .
وهما نور جميل انبثق في وحشة ظلمة تلك السنين .
أما روند تلك الصديقة الجميلة الرقيقة التي كانت تمتلئ روحاً صافياً وظرافة قد أسفني خبر موتها الذي أتى ليكسرني من جديد أنني فعلاً مشفقة عليها إنسانة كعصفورة ولكن جناحيها لم يحملا ثقل السماء فقد فكسرت براءتها وطيبتها وقلة حظها كتبا نصاً محزنا لها . قال لي خالد أنه علم أنها ماتت بحادث سيرحينماكانت تعبر الشارع عند عودتها من عملها الثاني لأنها كانت مضطرة للعمل بدوامين بعض الأدوار ذات الأجور الزهيدة في المسرح وبعد الظهر تعمل في مكتبة كي تستطيع أن تساعد أسرتها .
مؤكد أنها كانت تعبر وهي حالمة سارحة بعيدة عن عالمها بعيداً عن الشقاء الذي قد رسم لها أو ربما كانت تفكر بنا . لا أدري حقاً ماذا كان يعتمل في مخيلتها لكنني أستطيع أن أجزم أنه كان شيئاً محزناً بائساً لا أكثر .
مؤسف حقاً أن تموت صديقتي وأختي لقد خسرت مجد وخسرت مجموعتنا واحداً وها هي تخسر الثاني وكأن الحياة تفرض علينا معادلة الانقسام . وكأنها بخلت علينا بأن نكون يداً تمسك أصابعها الخمسة ففرقنا .
لكن عزائي بروند أنا بقيت على عهد صداقتنا وماتت وهي عزيزة علينا ولم تتخلى عنا مثلك حيث أنها رغم ظروفها المادية كانت تتصل لتسأل علينا بين فينة وأخرى .
ترى من فرض علينا أن نتفرق أتصدق أنني مشتاقة لتلك الطاولة التي كنا نجتمع عليها في ذلك المقهى نضحك ونغني ونمزح ونتحادث ونتشارك همومنا اليومية وندفع بعضنا قدماً . كنا كأسرة واحدة أفراد يشكلون فرداً واحداً لا يفرقنا شيء .
والآن لا أشتاق إلا لأمنا التي تنكرنا لها وهجرناها وربما هذه هي لعنة قد أصابتنا مثل اللعنات التي كانت تلاحق الشعوب قديماً لتبديدها .
ولربما أنت كنت لعنتي وصرت كما قال الشاعر وخان الناس كلهم فلا أدري بمن أثق .
فعلاً بمن أثق ... بك يا وطني الذي نكرني وخلفني شريدة .
بمن سأثق يا جسدي المرتحل عني ...
كيف تريد لي أن أنسى كل ما عشناه معاً كيف تريد أن تنسى كم قضينا من أوقات جميلة ألا تذكر حدائق دمشق ونهر بردى الذي غنينا له سوياً وقمة قاسيون التي كنت تأخذ الشلة لها وتعزف لنا بعض الموسيقى . هل ننسا الأزهار ... الشوارع هل تنصلت من خطواتنا أم أن عقلك سلخ شيئاً اسمه الماضي واقتلع الذاكرة .
إن حاولت أن استرجع كلامك عن أحلامنا وأمانينا وماسنحققه سوياً في فرنسا فإنني لا أرى سوى ضباب يحجب السماء .
منذ زمن كنت أعشق الصباح وأعشق نسائمه . كنت أنتظره كي أراك أما الآن فأنا ليس لي سوى أن أتذكر أنك لم تكن سوى مصيبة أرسلت إلي لكن كانت كمن يهدي قنبلة لطفل فيفرح بها وهو يظنها لعبة .
أنت لم تهديني إلا الفشل الندم الحزن البكاء أنت أهديتني النسيان والصفحات السوداء في حياتك جعلت نفسك كاتباً يختار نهاية مأساوية فيقتل البطل كي ينتهي من روايته عندما تفرغ أفكاره ويختصر الطريق .
قتلتني وقتلت أشياء كثيرة داخلي لكني أشكرك أنك أبقيت لي رمقاً .أستطيع أن أجابهك الآن أنت تخشى قلمي وتخشى أن أنتقدك براحتي وأن أشعل لك من مداده قتلاً لكنني لم أكن لأكتب عنك أي شيء لا أريد لقلمي أن ينسى ولا أريد أن أكسر من جديد .
فكرت في أن أكتب رواية ويكون نصها درساً عن قصتنا وعن فتاة جعلت حلمها رهن برجل والرجال لا يؤمن جانبهم .
لكنني عدلت عن الفكرة وتركت مجموعة من الأوراق على الطاولة جانباً وقلت في نفسي عشر سنوات مضت حملت الكثير لكنها ليست كافية لأن النهاية لا تزال مجهولة .
في أحد الأيام قرأت في أحد الصحف عن عرض جديد سوف يعرض للمرة الأولى في يوم الاحد أي بعد يومين وطبعاً انت متصدر ذلك العمل قفزت لعقلي فكرت الذهاب وكان لي مدة لم أحضر لك شيء ربما كنت أريد أن ترى عيني فتربكك وتحسب حساب لقلمي...و لسلاحي الذي أقتنيه برخصة مفتوحة .
أو ربما لأنني اشتقت لك وللمسرح ولأجوائه .
اتصلت بخالد وأمل واقترحت عليهم أن نذهب سوياً .
رحب خالد بالفكرة وكان في داخله سعيداً بعض الشيء بهذه الفكرة وربما اشتاق لك أيضاً وربما أراد أن يمنحك فرصة كي تغير موقفك بعد كل هذه السنين وتعود لنا من جديد فقد كان لا زال يحبك .
تزينت بأجمل الحلي وارتديت أجمل ثوب لدي وبالغت في أناقتي وكنت سعيدة ومتحمسة جداً وفي المساء التقينا أنا وخالد وأمل ودخلنا إلى القاعة وكنا من أوائل الحضور كم كنت مشتاقة للمسرح وكم كنت متوترة وأنا اترقب رؤيتك وبعد نصف ساعة بدأ عرض المسرحية التي كان اسمها ( فوضى ) أطل وجهك كالعادة بالابتسامة العريضة التي توحي بالسعادة والأمل وكل الفلسفات الخاصة بك .
والتي لا تعني لي سوى المكر والتنكر والوعيد بالخسران .
بدوت بشكل مختلف قد كبرت وتغيرت وبدا لونك شاحباً وكأن الزمن حط رحاله عندك وبعدها أطل وجه آنا التي سرقت مني يوماً حلمي ومسرحي ووطني الذين جئت به وروحي وعقلي وحياتي .
( آنا ) التي كانت من المفروض أن تكون هي ممر يدفعني للعبور إلى الضفة التي ذكرها خالد.
فقد أغرقتني عوضاً عن مساعدتي وأخرجتني خارج دائرة المسرح بجرح بليغ وانكسار ( كما يقال إن الطيور على أشكالها تقع ) .. لذا غدرتما بي ...
وكالعادة تتالى ظهور بعض الشبان والشابات الذين لم أكن أعرفهم وأئلفهم فكانوا من الدفعة التي تخرجت حديثاً وهناك بعض الممثلين الفرنسيين المعروفين .
ولم تكن عيناي لترى سواك وسواها .
أتصدق أنني لم أسمع من النص شيئاً ولم أرى المسرحية كانت عيناي تخترق عينيك فقط وتحاول أن تجول بهما وتبحث في روحك عن بقايا مني ...
ولكن في عيني محدقتين لا بريق فيهما أدركت أنني انتهيت من داخلك وتلاشت ذكراي من أعماقك وظللت شاردة بعيداً عمن حولي إلى أن علت أصوات الناس وضج المسرح عندما سقطت وأخذت ( آنا ) تصرخ . انتبهت من يقظتي وركضت بسرعة نحوك بكل خوف وارتباك وإذا بك على الأرض حاولت أن أساعدك بالنهوض لكنك أدرت وجهك عني وأنت تقول ( ها لديك شيء تكتبيه الآن قولي سقط قولي سقط ) . ونظرت لي (آنا) بحدة وطردتني نظراتها بعيداً ...
بدأت أبكي أمعقول أن تترجم خوفي وقلقي عليك بدونيتك ولؤمك أمعقول أنني أفكر بموضوع أو سبق صحفي وهل من شيء مهم غيرك .
قال العرب يوماً ( إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرداً ) .
وأخرجاني أمل وخالد من القاعة ودموعي تجري ورائي أردت أن أبقى بقربك أن أساعدك أن أطمأن عليك لكنكما طردتماني من جديد .
حلفت بعدها أن لا أضع عيني في عينيك ما دمت حية حلفت بأنني لن أدخل مسرحا ما دمت حية . كنت أدرك أنني ما دمت حيا سوف تبقى أسري ولن أتحرر منك الا بموتك ولن ترد لي روحي و أنت تسكنها .
آه كم لعنتتك وكم أرسلت اليك من لعنات و آه كم هو مر طعم الخذلان والنكران وكم هي مريرة أن تهزم امرأة أخرى وأن تنكر لكل شيء جمعنا ان كنت لفظت حبي ألا تشفع صداقتي .... لذا سأبتعد عنك للأبد .
ولكنك كنت لا تزال في داخلي ميتا وأنا قررت الابتعاد عنك فلابد ان اهرب بما تبقى لي من عمر.
ها هي شمس قد تزوجت و أنجبت ستة اطفال وانغمست في دوامة الحياة .على أحلامها وداستها كان بإمكانها أن تنجب ولدين أو ثلاثة وأن تعمل لكنها محتجزة في سراديب الحياة المخططة لها لربما لو تزوجنا أنا وأنت لكان لدينا ولدين جميلين وربيناهما سويا ولكن أنت من رزق بولد وأصبح أبا وأنا ظللت لوحدتي ولآلامي .
ذات يوم سمعت أنك مصاب بمرض السرطان وأنك بدأت تتراجع شيئا فشيئا وأنك لم تعد قادرا على العمل .
أأفرح أم أبكي لااعلم ماذا علي أن أفعل ها هي السماء ثأرت لي ولربما هذا جزاؤك .
كيف تصاب بهذا المرض وأنت مرض أفظع منه لم أكن أدري أنك ستنتهي هكذا .
ها أنت تعتزل الأن المسرح غضبا عنك وترحل ....
والتي تتركني من أجلها سئمت منك ومن مرضك طبعا كانت تريد ونجومية تمارس لصوصية الخشبة .
لذا كان لابد أن تتركك وتبحث عن فرصة جديدة أو سرقة جديدة .
بعدما حصلت على الطلاق وأخذت منك ابنك حسام تركتك وحيدا للمرض وللمعاناة .
حرمتك من ابنك ومن المسرح كما حرمتني من كل شيء وكما جردت الروح من ذاتها أنعم الأن بنصرك علي وأنعم بسنين وحدة
تتشابه سنين الوحدة التي منحتني اياها ...ارحل للظلام وارحل الى النسيان كما أرسلتني له على الأقل أنا عوضت نفسي وأصبحت صحفية متميزة لكن أنت ستترك للموت والرحيل البطيء سترحل وتنتهي قصة شجعك و سينالا الناس يوما فلست ابن تلك المدينة كي يخلدون أصلا . وكما يقال كما تدين تدان ).
ومن رفعتك للنجومية تركتك لتجد غيرك وتبحث عن فرصة أفضل .
أمعقول عزيزي ان تقع بنفس الفخ اللذي رسمته لي يوما ....
ألم تكن تدرك أن الغرباء لا يهتمون لأمرنا ....
ولا يرتبطون الا بشخص يأخذون منه ويسرقون نجاحه لا شخصا يأخذ منهم ...
من تراه نبات الهالوك بينكم أنت أم هي ذلك النبات الذي يتسلق على النباتات فيسرق غذائها ويتغذى عليها بوحشية مطلقة ...
أتمنى أن تعرف مرارة البعد عن المسرح ومرارة طعم التنكر والانكسار هل يا ترى شعرت بشعوري وهل انتابتك حسرتي.
قد كنت كل شيء بالنسبة لي ومن ثم جردت نفسك في دمعة واحدة .
ها هي الآلام تخترق روحك وعظامك كأنها زائرة تلح بزيارتها فتصبح زيارتها غير مرغوب بها أنا متألمة عليك وحزينة ولم أكن أتمنى لك هذه الآلام .
تركتني عشر سنوات للهجر والنسيان ولكني مع محاولتي لتناسبيك فإنني لازلت أذكرك أما بالنسبة لمدينة النسيان ( باريس ) فقد ضج التلفاز والصحافة بمرضك وطلاقك لبضعة أيام ثم عدت إلى دائرة النسيان من جديد لتحارب المرض وتدفع عذاباتك وآلامك وحدك. انعم بنصك الأخير انعم بآخر مسرحية تهديك إياها الحياة يا عزيزي انعم بفراش الموت والرحلة الأخيرة .
كنت تقول لي سأموت وأنا أعتلي الخشبة وها أنت تحتضر في سراديب الظلام والوحدة .
الآن وبعد أن بقيت وحيداً ... مؤكد أنك لا تندم على كل شيء سواء .
ولكنك لا تريد الاعتراف أمامي أنك كنت وضيعاً معي .
لقد عشت الكثير من الليالي ولا شيء لي سوى الهم والاحزان ..
ومتسع من الوقت فقط للتفكير بك وبالسبب الحقيقي لفراقنا .
ومؤكد انه حان دورك الآن .
برغم الألم والمرض الذي يجعلني أشعر بالشفقة عليك لكني سعيدة له . الآن أيها النجم المتعجرف عندك الكثير من الوقت للتفكير لإعادة شريط الماضي . وعندك وقت يجعلك تقف عند اسمي وتبكي ندماً .
لربما الأضواء التي منحتك إياها باريس انستك أنه ثمة صبح في حياتك يرسل نوره للجميع .
أتعرف ... ثمة شيء يشبه وجهك في هذه المدينة ألا وهو نهر السنين . وهو مثلك يستوعب الكثير ويستطيع ان يرسم نفسه بأكثر من لون ويحفظ نفسه كما يريد .
ذلك النهر الذي كنت ألجأ إليه عندما يضيق صدري فأرسل إليه بضع من دموعي المثقلة بالأحزان لتمتزج معه .
ولكنه يبقى صافياً جميلاً وهادئ . ويتجاهل كل ما حوله بغباء .
طبعاً باريس جميلة وفيها مناطق ثرية بالحضارة وفيها كل ما يسر ناظريك من رتابة العيش والتنظيم . لكن صدقني كنت كمن يذهب للقطب الشمالي ولا يرى الجليد أو يشعر بالبرودة قد كنت وصلت معك إلى درجة أنك تغلفني بقلبك أو جسدك أم حسبت أنني قطعة منك لا أكثر لم أكن أرى أو أحس بأي شيء غيرك . الشوق في قلبي دائماً يشدني إليك وهجرانك يرسم حاجزاً يمنعني من الوصول إليك .
قد سمعت يوماً بيت من الشعر يقول
أضحى التنادي بديلاً عن تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا .
ربما هذا البيت قاله الشاعر خصيصاً لبائسين مثلنا أو
( لنا) رغم أنه مات من عقود طويلة. لماذا الحب في عصرنا جريمة كبيرة ومن الكبائر المحرمة .
سمعنا عبر العصور بموت الحب ونكرانه . سمعنا بأشخاص لا يفعلون شيئاً سوى قتله ولكن لم أكن أتوقع أنه هناك من يقتل الحب بيديه .
وها أنت تقتلني ببرودة . قتلتني ببطء كموت أورليان حينما صفت دمه زنوبيا قطرة قطرة وجعلته يموت مع كل قطرة دم تنزف منه .
أنت أخذت قلبي وسلخت روحك من داخلي عنوة مع أنني كنت أحيا بها ولأجلها .
بنيت لي قبراً في باريس ونسيت أن تردمه أو أن تضع الشاهدة .
أتقنت صنع الكفن لي لكنك نسيت أن تغمض عيني قبل أن تدفنني .
إن أبشع شيء بالحب هو عندما تكون روحك في اتقاد مع شخص يتجاهلك أو شخص يعلم بحبك ويجعله هامشاً لا أكثر .
الآن أقدر أن أعرف ما الفرق بين الأشجار الفرنسية وتلك الأشجار التي في سورية هذه الأشجار التي هنا لم تكن سوى مشاهد من الجمال التي يمكن رؤيتها أينما كان أما أشجار دمشق كانت شواهد على حبنا الذي ولد هنالك. كل شجرة في دمشق تحفظ بعضاً من حبنا وبعض أحاديثنا الجميلة وتحمل أسمائنا التي كنت تصر في ناهية كل حديث أن ترسم قلباً وأن تضع عليه اسمي واسمك .
كنت تقول لي أنه لا يجب أن نجلس تحت شجرة واحدة .
بل علينا أن نختار في كل مرة شجرة جديدة ( شاهد جديد ) .
أتراك كنت تدري أنك تجعل في دمشق شواهد على حبنا .
اسأل الأشجار عني يا عزيزي اسألها فتقول لك من أنا وتجول في حدائق دمشق فلن ترى سوى تماثيل لنا على هيئة الشجر .
( آنا ) الآن أصبحت بعيدة عنك ونستك وغابت في نجوميتها لتترك خلفها أرامل مسرح ما قبل أوانهما .
أنا وأنت الآن دون خشبة دون مسرح وننتظر مسرحيتنا الأخيرة سوياً .
مضت سنين وأنا وأنت نجابه بالصمت وننتظر لكن كل منا بشكل مختلف .
أنت بإهانتك وآلامك وأحقادك .
وأنا بنجاحي كصحفية وبجسد امرأة منسية .
إننا متشابهان حتى في هذه المعادلة أنت آلام وآهات وأنا برغم نجاحي البادي للناس كنت في داخلي امرأة مهزومة المشاعر مقتولة الروح .
أتصدق أنني من الممكن أن أحيا سعيدة وأنا أراك تحتضر ببطء هل من الممكن أن أعرف طعم السكينة وأنا أعد أيامك الأخيرة وما تبقى منها .
أعرف أنك ظلمتني وعذبتني وأزللت قلبي لكن الموت هكذا وأنت لا تزال مبتعد عني ولا أملك أن تموت وأنت بين ذراعي أو ان تعترف بأنك لازلت تحبني .
الآن اتمنى أن ترحل ولا شيء في داخلك سواي أريدك أن ترحل وأن ممسك بيدي أو أن نرتحل سوياً فلا جدوى للعيش دون حبك أو كرهك .
على كلا الحالتين أنت تكون معي .
لا يمكن لي أن أصف كم كنت في داخلي لا يمكن أن أصف كم كنت أمتلأ بك لذا لا تستغرب أنني مذ رحلت عني كنت أتنقل بجسد بلا روح .
ما كان ليواسي ومعي أي شيء وما كان ليجعلني أي شيء في الدنيا أنساك أو أتجاهلك .
يحاول الإنسان أن ينسى بعض ذاكرته . لكن أنا لا أجد في ذاكرتي سواك أنت تجري في دمي وعروقي إن نزفت فهي لا تنزف إلا منك حتى عيوني لا تختزن سواك .
لماذا كل قصص الحب مصيرها الفشل وقليل من الحب ينجو من الفراق .
قديماً صنعوا آلهة للحب كي تحمي حبهم وتصونه ولكن في عصرنا أي شيء قد يحمي حبنا الضائع .
حبي الذي يتفلت مني كما تتفلت قطرات الماء من اليد .
حبي الذي كنت عبثاً لا ازال أحاول استرداده بخجل .
حبي الذي علمني أن أكره من أحب وأن أضيع مني المشاعر المتناقضة .
وأن أرسم لوحات من التحدي والتقدم لروح باتت سقيمة تعودت على السكون .
حبك الذي يشبه زهرة تنبت لأيام قليلة في السنة ومن ثم تموت .
أو لربما حب لا يشبه شيء لأنه كذبة من اختراعات عصر فاق العصور .
إذن هو رجل فوق العادة
رجل كل شيء ... أو يحمل كل شيء
هو رجل يلبس الثقافة والرتابة وينمق الكلمات .
هو رجل يرتدي معطف الكذب ليستر طيش أفكاره
هو الحبيب هو الخائن
هو الصديق هو العدو .
هو رجل المتضادات إذن .
رجل الشفهية ... رجل الليالي التي لم ولن تبدأ .
هو رجل يحمل قلبي ويدوس روحي .
لا أدري يا صاحب النكران هل السنوات العشر هنا هي النهاية أم البداية .
يا صاحب المغامرات كيف تنتهي بسرعة .
دوماً تفاجئني دوماً تلاحقني حتى عندما أهرب منك .
وكيف أهرب وأنت من سلبني وتنقل بجسده وقلبي معاً .
لماذا لا تستسلم ... لما لا تهدأ .
أنا من لاحقك في هذه السنوات أم تراك أنت من كان يلاحقني .
أيها العزيز الذي جعلني أتسلى بكرهه ريثما يعود لي حبه وهل يعود وإن عاد .
ولربما إن عاد أنا هذه المرة من سيصفعه أنا من سيرده .
كل يوم أقطف ورقته من المفكرة يذكرني كم أنت بغيض رغم حبي السابق لك .
كل يوم أذكر انني أكبر وانا مسلوبة الحياة .
لا لن أحبك ثانية .
لا لن أعود إليك .
لم اعد في الثامنة عشرة .
لقد تجاوزت الثلاثين .
وفي هذا العمر قد كان من المفروض أن أكون أماً لطفل جميل لكنك منحتني هماً ووهماً ليكبر معي وأرعاه .
الآن لست سوى بقايا ذكرى من صديق .
وربما .....ربما تكون عزيزاً بعض الشيء فقد كنت يوماً ما صديقاً ناصح أما قلبي لم ولن يغفر لك .
أنت رجل لم يكن رجل ولم يشاركني من الحب إلا الحلم .
رجل أعطاني تذكرة الذهاب إلى القمر دون مركبة .
ذاكرتي مؤكد ستحتفظ لك ببعض ذكرانا الجميلة .
لكن المآسي التي نالتني منك فأقتمها .
وإن عدت لي يوماً ...
لن تجد في داخلي سوى أنثي مقتولة الأحلام مقتولة الروح أنت سلبت حتى من أنوثتها.
أنثى لم تعد تشبه سوى تلك الخشبة نعم أشبهها .
خشبة تنكرت أنت لها بعد أن ضمتك إليها يوماً .
كان بإمكانك قبل أنلا ترحل من حياتي مفاجئاً.. أن تسترد خاتمك وأن تحررني منك .
لكنك لم تفعل .
كنت تريد أن ترى خاتمك دائماً في يدي .
ربما عنجهية الرجل تمنعك من أن تحررني .
أو لربما كنت تظن أنك قد تملكني للأبد .
وأنني لست لغيرك أو أنني لم ولن أمنح لرجل من بعدك .
هنيئا لك يا عزيزي ...
أعدك بكل ثقة لن أكون لك أو لغيرك ...
لقد قتلت كل شيءواغتلت أنوثتي في داخلي ..
قتلت روحي الجميلة .
رحلت بقلبي الصغير وتركت مكانه كتلة من الهم لا أكثر .
الآن سأداوي نفسي منك وسأشفي روحي بنفسي .
إن كان الدواء هو الموت صدقني أن أقبل به لكن أخاف حتى إن مت أن أجدك في قبري .
غريب ... حتى أنه المرض لم يجعلك تستسلم لم يجعلك تهدأ .
يا لروحك الثائرة .
آه ... يا لقلبك الذي لا يستكين .
قررت إذاً الكتابة ...؟؟! .
كاتبنا الجديد اذن ...
لم أصدق أولا ... لكن الأخبار تنتشر بسرعة .
لم تعجبك فكرة أن تبقى وحيدا مهملا ...
أردت الظهور من جديد ...
لما وكيف لا أدري ..
هل تريد أن تنتقم من (آنا ) وتثبت لها أنك لم تنتهي .
أم أردت أن تظهر لي أنك رجل صامد وأن معركتنا لم تحسم بعد أو أردت أن تتفوق على مرضك وتصارعه .
لربما كلها مجتمعة سويا .
تصبح كاتبا وتلمع أضوائك من جديد و الكاتب قد يشتهر أسرع و أكثر من الممثل .
وتجعل( آنا ) تعيد أفكارها و تقول لها أنك لم تنتهي بعد .
وتلغي فكرة أنك قد تهزم أمامي ...
كاتب اذا ...
وهل ينقصنا كتاب وماذا ستكتب .
هل ستجرؤ يوما أن تكتب قصة تشبه قصتنا أنا وأنت ..
لا أظن .
أنت بحسب نظرياتك صاحب الحق دوما ..
نظرية لا تعرف فيها الفشل .
مع أنك بالحقيقة أنت أكبر فاشل وأحمق في الحب .
ولقد تعلمت منك يا عزيزي أن أكرهك وأن أتجاهلك فلا تنتقدني ولا تستغرب فالفضل لك أيها المعلم ..
في أحد الأيام جاءني خالد مبكرا الى مكتبتي في الجريدة .
دخل وهو يلفظ أنفاسه بصعوبة لا أنه قرر أن يصعد الدرج عوضا عن أن يعتلي المصعد فهو يخشى منه . ولا يحب الصعود المفاجئ وفي مكان مغلق وحيدا ربما لا يزال يتأثر بتلك المسلسلات التي يعلق فيها الراكب بين الطوابق فكيف وهو سيصعد للطابق السادس .
قال لي مبتسما لن تصدقي .
قلت له : ماذا سأصدق .
قال لي عرض علي نص من كتابه مجد ....
ولما يعاود الدخول ! الى حياتنا من جديد مع انه قد سلخنا منذ زمن .
لماذا ! ...
قال لي ما رأيك في هذا العمل هل أقوم به او أرفضه
أجبته : بل لماذا أنت ..
مؤكد أنه هو من اختارك ...
لكن ما عساه قد كتب فيه
ولماذا يختار مجد أن يعطي الدور الأساسي لخالد .
هل صحت عنده فكرة الصداقة فجأة .
أم يريد أن يرى أن كان خالد لايزال بارعا .
أم من الممكن أنه يريد أن يرسل لي رسالة دون أن تكون صريحة ليعلمني أنه قد أصبح كاتباً
رحت أجول في أفكاري بمتاهات لا توصلني الى أي شيء .
اذن علي أن أقرأ النص كي أعرف .
قلت لخالد أقبل وأحضر لي نسخة من النص .
خالد ولكن ....
لا تخف يمكنك أن ترفض بعدها ان لم يعجبك .
ومضى خالد ليترك ورائه ألاف الأفكار .
ما عساك تريد منا وما سر عودتك .
هل أنت من لا يترك ضحيته ... أيا النسر الشرس الذي يمتلك فكا عوضا عن المنقار .
لن أصدق أن كوننا أصدقاء وعرب مثلك دفعك لهذا .
فما عساك تخبئ لنا .
لم يبقى في داخلنا شيء لتغتاله أصبحنا بلا شيء سوى أنفاس .
أم أنك تريد أن تتسلق على أنفاسنا خشية أن تموت فجأة في بلد ليس لك فيه من قريب كان من المفروض أن تتذكرنا قبلا وأن تعلم أنه لا أحد لك هنا غيرنا .
لكنك استعضت بالغرباء عنا .
الممثل الكاتب اذا ....
وهل ستكتبني يوما ... وهل سأقرئك من جديد .
هذا سؤال كان في عقلي لا يجد اجابة .
لكن مؤكد ستكتب شيئا عن ( آنا ) .
أنت لا تنسى الاهانة ولا تنسى من يدير لك ظهره فما عساك ترتدي اليوم .
وأي امرأة سوف تعتلي لتصعد من جديد .
أتريد أن تحمل سلاح مثل السلاح الذي أحمله بيدي أتريد أن تتصدى لقلمي بقلمك وأي
قلم تراه يجف أولاً....
جاءني اتصال من امل تدعوني به الى العشاء.
قالت لي عازمة : أنه عشاء عمل على ما يبدو .
أجبتها : اذن وافق خالد على أن يأخذ الدور .
قالت : لا أريد أن أقول شيئا لأنني أريدك أن تأتي وتعلمني بنفسك .
أغلقت السماعة وأن أتساءل هل سأرى وجها لم أئلفه لك .
وهل سأراك في هذه الأوراق التي بين يدي خالد .
لم أننتظر إلى ان يحين وقت العشاء .
ذهبت في أول المساء تقريباً الساعة السادسة فتحت أمل الباب وهي تقول :
( لو أدري أن الممثلة التي تسكنك ستاتي لزيارتي بسبب نص مسرحي لكتبت أنا منذ زمن ) قاطعها خالد . ليس النص بل كاتبه .
فعلاً هذا النص بالذات سيكون أهم نص يمر علي لأنه مؤكد سيحمل مني شيئاً ما .
بعدما تناولنا العشاء أحضر خالد لي مجموعة من الأوراق مغلفة بظرف كبير .
قال لي اقرئيها في البيت لا تفتحيها هنا ..
هل كان يدرك أنني سوف أبحث عن كلمة حب لي فيها أو كلمة تؤكد نصري أم أنه خشي علي أن أنفعل إن كان فيها شيئاً مستفزاًُ .
سارعت بشرب كوب الشاي كي أنصرف باكراً وأعود لبيتي فقد كنت أتوق لقراءة أول نص لك .
ووصلت أخيراً إلى المنزل وأنا أتشوق لأن أحضن ولادتك الأولى ككاتب .
أريني أيها المبدع ما عندك من جديد .
لم أنتظر لأخلع ملابسي عني ... فتحت المغلف بسرعة .
والبداية عنوان النص الذي كان ملفتاً ( دائرة الشيطان ) .
اسم غريب اسم مخيف إنه اسم أكبر من أن يكون المسرحية ..
ومن هو الشيطان وماذا تقصد بهذا الاسم .
ومن هم اللذين ستحجزهم داخل هذه الدائرة .
ترددت كثيراً في قراءة هذا النص لم أكن أتوقع تسمية كهذه أو نص كهذا النص.
وهل أنا موجودة داخل هذه الدائرة .
لا أنكر أني شعرت بالخوف يسري بي وتوجست خيفة لكن قررت أن أفتح المصنف الذي يحمل هذا العنوان الأسود .
وجدت ملخصاً يسبق النص ويشرح فكرة المسرحية لكن بكثير من الشرح والتفصيل.
قرأت الملخص لأكتشف أنه يدور حول 4أصدقاء ويجتمعون سوياً وبعد كثير من التفاصيل يصبح كل منهم عدواً لبعضهم الآخر وتغرقهم الحياة ومادياتها .
لماذا الملخص...
هل كنت تعلم أنه ربما أمل من قراءتك وقراءة أفكارك .
هل كنت تريد أن تقتصر الطريق علي وتخبرني بالذات ما تحتوي .
إذن 4 وهل هم أنا وخالد وروند وشمس .
وأين أنت ...
هل أنت الشيطان
وهل أنت من رسم الدائرة حولنا .
اذن لربما ذكرتنا أربعتنا وفضلت أن تأخذ الدور الرئيسي فأخذت دور الشيطان .
كالعادة فأنت تميز نفسك دائما .
دائرة الشيطان .
ولما لا فعلا لماذا لا تكون أنت لست سوى الشيطان لا أكثر .
شيطان ظهر ليفسد أحلامي ويرمي بي وبخالد بدوامه المغتربين .
شيطان تنكر لي ورماني بعيدا وجعل مني حطام امرأه .
اتصلت بخالد وقلت له اقرأ النص .
قال لي نعم وأنا مستغرب من مجد .
لم أكن أظن أنه يجيد الكتابة ... النص جميل .
طبعا خالد لم يقرأه مثلما قرأته انا .
قلت له : اذن اقبل به فأنت أحد أبطاله الحقيقين .. استغرب خالد .
وأحسست بدهشته ثم قال لم أكن أظن أنه يتكلم عنا يا للغباء كيف قرأته ولم يخطر لبالي أننا نحن عناصره .
وكيف عساك تعلم هذا هو مجد مشكلته يعلم أنني أستطيع أن أجرد أفكاره ذهبت للنوم وأنا أفكر كم أنك محظوظ حتى مؤامراتك وخيانتك لنا جعلت منها نصا رائعا مستترا حول شيطان هو أنت .
وقام خالد بعرضه الأول للمسرحية وقد وجه لي دعوة وأظن أنني كنت أول المدعوين لكني اعتذرت له وقلت له اعتبرني حضرتها فقد كانت ذاكرتي تصورها دائما ....
ولربما لم أرد ان أراك يومها وأشاهد فتاة تمثلني وأنت تبتلعني في دائرتك على المسرح .
وفعلا كان عملا ناجحا حتى أن (آنا ) قد حضرته حضرت ربما بدعوة الأنثى التي كانت تظن مثلي أنك قد تحملها داخل أحد الصفحات لكنها مؤكد لن تجد نفسها هناك .
هكذا أنت ... لا تخلد من يقهرك
على الأقل ليس في العمل الأول لكنك ستكتبها يوما ما .
قديما كان الفراعنة يخلدون كل شيء على الجدران حتى أن المعارك الخاسرة كانوا يرسمونها انتصارات فان رأيت المبالغة في نقش الفرعون لنصره تعلم أنه كان يكثر من اختلاق النجاح والنصر كي ينسى الناس فشله ويخالون أنه نصر ليس الا .
وقديما كانت بعض الأمم حينما تستعمر بلدا تخلد وجودها بشيء ذي نفع كأن تبني أبنية أو طرقا وربما جسورا و سدودا لا لتفيد من تستعمره بل كي تبقي رموزها تحسبا ليوم تطرد فيه.
فلا تخرج الا وقد تركت بصمة أو شاهد على أنها كانت هناك .
أنت الأن تتوج خيانتك وتجملها بنص رائع .
أنت تستتر وراء شيطان في آخر العرض يصفق له ويقال أنت رائع وهكذا بين فينة وأخرى كنا نسمع عن نصوص لك ونقرأ عن كتاباتك وها أنت تعود للضوء من جديد بعدما قررت اعتزال الخشبة.
ومضت السنون بسرعة وسنة تتلوها سنة ولم أحس أصلا بمرورها أصبحت أنا رئيسة تحرير للجريدة وأنت بت كاتب له على الأقل نصوص كلها جيدة .
وقد كنت أقرأ المقالات التي تتكلم عنك وجريدتي بالذات كانت ترقب نجاحاتك .
والمعركة كانت لا تزال لكن بهدوء وبرود وبقلب اثنين ناضجين وبروح ممثلين معتزلين ولو غضبا ....
آه يا أمي أه يا خشبتي وياصديقتي تعبت .
أين أنت يا أستاذ بدر أين أنتم يا أصدقائي .
اليوم أنا أحسد روند على موتها .
لقد ارتاحت ومضت بعيدا .
عندما يكسر جناح الطائر لا شيء ينفعه سوى الموت .
فما عساه يريح قلبي وما عساه يبعدني عنك .
أنت مرض لا شفاء منه أنت تشبه المرض الذي حل بك .
لكن مرضك يختار جسدا واحدا يستقر فيه .
لكنك أنت مرض استشرى بأكثر من جسد .
في الهند عندما يموت الزوج يحرقون الزوجة من بعده هل أنت تريد أن تتأكد من أنني لن أعيش أكثر منك.
هل تريد أن تأخذني معك للموت .
أتريد أن تبقى في داخلي وتريد أن لا أنفك منك .
قد كنت سابقا تسكن و تملأ روحي كانت عواطفي تملأ بك وكنت تسري بعروقي كلها أما الأن فأنت لست سوى نكرة .
رجل يحاول جاهدا النيل مني لكن من لم يتبقى لديها شيء لن تستطيع سلبها شيئا عندما تموت الشجرة لا يبقى لها الا أن تنتظر أن تجتث من الأرض لكنك ابقيتني كي تستغل ظلي .
ممزقة لكن سأبقى
سأبقى كي لا تنتصر علي لأنني قررت الصمود .
لا أريد أن أجابهك بصمت فقط
أريد أن أضع في داخلي ثورة تقودها آلاف النساء في جسد إمرأة واحدة .
امرأة ملت الصمت وملت الانتظار ..
امرأة تعشعش في داخلها صورة رجل لا اكثر ..
أتدري أن الحب يقال بأنه قد يولد مرات عديدة ولا نعترف إلا بآخر حب نستقر به لكن معك عشت قصته حب واحدة لسنوات طويلة دون أي شيء .
رجل لم يكن لي ..
لن يكون ..
رجل أعيش بمشاعري معه وروحي تهاجر إلى روحه كل يوم وجسدي يبقى مسمراً في مكانه لا يفقه سوى الاشتياق لك .
أتعلم أن الحياة تمتلأ بأشخاص مثلنا لكن أنا وأنت من نوع آخر .
نوع يتواطأ مع الهم فيشكل معه قطعة واحدة أو منحوتة واحدة .
غريب أن تستبدل حبي بكره لا أجيد أخذ دوره حقاً ..
في السابق كنا أنا وأنت حلم أو مشروع ينتظر بعض الممولين أو المستثمرين لكنه غدا مشروع فاشل .
عزيزي ..
اشتقت للمطر مؤكد .. عله يغسل ما في القلوب .. ولكن أي مطر يقدر وعلى أن يمحو ما في قلبينا .
في أحد الصباحات الممتلئة بالعمل ..
والتي لا تخلو من المواضيع العابرة والمملة والساخنة الممتلئة ..
بدأت في الجريدة بملاحقة أحداث العراق ..
حرب العراق
الموعد المقرر باسم تحرير العراق ولا أدري مما ..
لكن كما يقول خالد .. تخريب العراق لا أكثر ..
كنا مشغولين جداً بمتابعة هذه الحرب البشعة .
حرب دمار خراب هوان ...
أتى الغرباء إذاً ..
أتى الغرباء ليرسموا مسرحاً بشرياً دموياً ...
ونعموا بالعديد من المشاهدين دون أن يطلبوا التذاكر .
الكل تابع ذلك النص العشوائي عبر التلفاز ..
حفنة من الأغبياء والحمقى .. أتوا إذن ...
أتوا بنار الموت ...
وأي نص ...
وأي موت ...
لا بل على أي مسح المسرح اليومي للناس وأي ستارة تمتلك تلك المسرحية سوداء حمراء مضرجة بالليالي السوداء ودماء الشهداء اللذين لا حول لهم ولا قوة .
ذهبت أمل للعراق لتغطية الأحداث هناك وأخذ خالد دور الأم والأب في انتظارها ...
تلاحقت أحداث هذه الحرب بسرعة وكانت سريعة جداً ....
كتاب السناريو الخاص بها كانوا عنصريين جداً ..
أرادوا أن ينهوا أبطالها بالموت فأبادوا الأبطال والمتفرجين ...
أول شيء أبادوه متاحفها كي يطمسوا حضارتها وينسوا الناس نصهم الحياتي البسيط ليمنحوهم تلك المعادلة الصعبة التي تمتلكها الحياة .
ذهبت أمل ..
ذهبت أمل وذهبت معها أشواق خالد وتمنياته بسلامتها ..
وهي أول زيارة ..
نشأت وترعرعت خارج بلادها ليكون رجوعها إليها رهيباً مملوء بالموت والجثث ...
أهكذا كانت تحلم ان ترى بغداد مؤكد لا ...
ذهبت أمل لتكون شاهدة على الدمار والهلاك ** المزعوم الذي يحمل اسم التحرير ويستتر به عن اسم الاغتصاب ..
قال خالد وهو يكفكف دمعه ...
سمعنا بشعوب يأتيها الاستعمار عنوة ...
لكن غريب أن نجد أناس تستجره وتهلك به بالنهاية ..
مشاعرنا كلنا هناك بدت وربما نسيتك بمعمعة هذه الحرب ... وصار أملنا أنا وخالد أن ترجع لنا أمل سليمة ...
كنا نتابع الأخبار كلها ولا نتوانا عن المتابعة ....
أو ربما نتواطأ بصمت على هذه المسرحية التي اسمها اغتيال الأحلام .
أتت لتحكي قصة ما داخل شوارع بغداد المعتقة وعلينا ان نصغي لحوار الاستيلاء يوماً ما ...
الدماء ترسم لونها وبصمتها في الأجواء وفي كل مكان ...
وتنادي دون جدوى ...
الضياع في سراديب الموت ... الانتهاء في قبور الصمت والسكون كل شيء كان متقلب هناك مثلك يا صاحب التقلبات ...
وسقطت بغداد وسقطت معها آلاف الأمنيات ...
أبغداد تسقط ...
أحاضرة الخلفاء منبع العلوم تغتصب وتنتهك ..
يا كاتب التاريخ ألم تشرح لهم من هي بغداد قبلاً ..
يا كاتب النص مهلاً عليك ... لماذا تسرق ضحكات الأطفال منها وتمحوها ..
يا كاتب النص كم أنت قاسي ..
عفواً ولكن من مخرجك .. ومن منتجك
سوف يحث التاريخ عنهم يوماً ما ويؤرخهم ..
فالتاريخ لا ينسى أن يؤرخ أنذاله في قائمة سوداء .
وربما يصفهم في الصف المقابل لمشاهيره ..
ها هو السفاح بعد كل هذه السنين لا يزال يذكره التاريخ ..
لكن حتى السفاح والحجاج وغيرهم أرحم بكثير منهم فمنهم لا يمتلئ كلياً بالدم كنص العراق..
وبعد شهور طويلة ثقيلة اتصلت أمل لتقول بأنها راجعة في نهاية الأسبوع ..
طبعاً كنا مشتاقين لها ..
وأولادها وخالد لا ينفكون يذرفون دمعاً لا يحمل إلا الشوق والخوف عليها ...
الآن لست بحاجة ربما لحبك .. , ليأسك
ولم يعد مهماً الانفكاك منك
أتت سريعاً كما يقال .. الخبر السيء لا ينتظر أبداً .
تحمله الهبوب بسرعة أكبر مما نتخيل ...
وقد منحت الشهادة أمل في بغداد ...
غريبة فعلاً هذه الحياة من عساه كان ينعي الآخر بغداد أم أمل ...
أمل عراقية بغدادية ولم تزر بغداد قبلاً ولم تولد فيها أصلاً ...
أهلها من المغتربين في فرنسا من قبل ولادتها ..
وها هي أتت لتفرض نفسها هناك بقبر وحفنة تراب
ومن عساه شيع الآخر ..
هل أتت لتحضر احتضار بغداد أم لتكسب موتها .
اه يا بغداد ألا تكفي خسارتك لم ترحلي وحدك .
رحلتي بأغلى إنسانة لدي أختي أمل ..
أموله آه يا أموله هل أعجبتك النهاية هنا .
أتيتي لتغطي أحداث الحرب فإذا هي تغطيكي ...
وبعد أن كانت المحطة تعرض ما تغطيه من أحداث ها هي تعرض موتك الآن
ذهبتي للموت غريبة بعيدة ويقبر لن يجدنا عليه ...
هل حضرت بغداد قبراً لكي عزيزتي ...
أم انه الاسترداد ..
هل أرادت بغداد أن تستردك إليها وتضمك ضم العاشقين في داخل ترابها .
تسلب منك النور هنا .
إذن انطفأت شمعة حياتك مع انطفاء النور في العراق ..
وحومت على قبرك الغرباء السود ... غربان الغرباء أقصت الحمائم ..
وبكى عليك زمان الصمت بدمع أخرس أخرق ..
لم تشفق عليك الغربان ولم تشفق على خالد البسيط الرقيق ويتمت أولادك الذين لم يأتوها وآه على خالد ...
ذلك الرجل الذي بدا وهو يبكي كمن ينتحب روحه ..
كمن يشيع جزءاً من جسده .
قد كان عمن نزف دمه وبقي جثة هامدة ..
هكذا هي الحياة إذن ..
تهدينا من السعادة بقدر قليل تخشى علينا أن نطمع بها ..
وتمنحنا من المآسي أكثرها وتكون كريمة سخية جداً بها .
وهنا لا يتذكر عقلي سوى بيت شعر بدوي الجبل .. حيث قال ..
خل العتاب دموعا لا غناء بها وعاتب القوم أشلاء ونيرانا
ويل الشعوب التي لم تسقي من دمها تاراتها الحمراء أحقادا ًوأضغانا
فمن عسانا نعاتب يا زمن الصمت والعجز ..
وكما قيل أن المصائب لا تأتي فرادا ...
ماتت أموله وعزيزنا مجد يعاني وأخبار تدهور صحته تنتشر أيضاً
لماذا أنت هكذا معي أيتها الحياة ...
لماذا لا تريدين أن تمنحيني فسحة من النور .
لماذا حرقت مشعل الروح من قبس يدفئ ليالي عمري المتبقية ..
رحلت بغداد ..
رحلت بصمت كعرس فتاة مات والدها حديثاً ...
والصمت يلف الايام بعدها ..
إلى أين أيها العرب ..
هل كنت تعد لهذا اليوم أيها الزركلي حينما قلت ..
فيما العرش وديار الشام .. تقتسم
أين العهود التي لم ترعى والذمم
هل صحيح ما قيل من عتد ومن عدة
وقد رأيت حقوق العرب تهتضم
جيش بغداد لم تبتلعه الرمال ..
لكنه قد اختفى
اختفى وفقط هكذا دون استئذان ..
لماذا كل من يرحل من دنيانا يرحل بتنكر فقط
يرحل دون إذن أو إعلام ..
و يا للعجب كيف زالت بغداد ..
يلزم لصناعة الملك سنين ودهوراً
والخراب يحل كل يوم وليلة
لذا قالوا أن الهدم أسهل من البناء .
فكيف عندما يكون المهدوم إنساناً
عندما تهدم الروح تتكسر كل الإنسانية ..
أتراك لاحظت هذا يا عزيزي يا من أسرني وكسرني
وأيبست أوراقي التي حملت اسمك طويلاً
وقطعت جذوري من داخلك .
ومنحتني غربة في الأعماق لا انفكاك منها
"أنا في سجني وحيداً احتسي خمرة الأحزان لا خمرة الأماني"
"مهمل في غرفة مظلمة لو مشى السفاح فيها لا يراني "
وكيف يرى من زال نوره من الوجود
أعد إلي روحي أعد إلي وجدي أعد إلي صباحي .
أهدني للشمس أهدني للقمر لكن لا تهدني للموت ..
لربما أريد أن أبقى معك وأشيع آخر لحظات العمر سويا

مضحكة هذه الكلمات........ معك ...
وأين أنت ؟؟.
وكيف أكون معك وقد لفظتني وحبي المهزوم من خارطة الحب ..
نعيتك دائماً ولم أجد من عزاء ..
وهل في الحب عزاء وكله قتل .
الحب يأتي هكذا مباغتاً مفاجئاً يقتل الروح بشهية محبيه ويقتل القلب شوقاً ووحشة للحبيب .
الحب ينصب ضحيته السوداء وسط ركام الروح خصيصاً عندما يرحل بقسوة ..
الحب يا عزيزي أكبر مني ومنك ..
لا شيء في دنيانا يمضي دون أن يضع الحب بصمته عليه
ولكن هناك من يوقع له بقبلة وربما بكل أنواع السعادة .
وهناك يمنحهم الحب موتاً بخنجر ذهبي .. خنجر من نوع محبب .
ومن الحب ما قتل ...
نعم الحب قاتل يا عزيزي
الحب مسرح لجريمة مستترة نخبئها في داخلنا ونحتفظ بها
جريمة تحاول أن تخبئ أدلتها ...
الحب شعارات متغيرة في كل حب جديد ..
عندما أحببتك ودخلت حياتي عنوة كان كل شيء جميل ..
سرت الروح إليك وسرى معها كل شيء في داخلي
بل أظنك كنت تقتطع الجزء الأكبر مني لنفسك
دخلت الروح .. وامتلأت بها حد الامتلاك .
مزجت دموعي بحرارة الشوق بعد أن كانت دموعي باردة لا طعم لها .
وحينما رحلت ..
صدقني مرة واحدة .
أرسلتني إلى لوحات التكسر المنسية شوهت روحي شوهت لوحتنا التي رسمها الزمن أيها الرسام الفاشل لست سوى رسام تعود أن يرسم اللوحة في المساء .
وليكتشف صباحاً أنها سوى خربشات .
فيمزقها مرسلاً إياها إلى المهملات .
فإلى أين تراك أرسلتني .
وأين رميت بي .
وهل من السهل على المحب أن يخل بوعوده ويتنكر لعهده .
أم أن أنك حبيب من نوع آخر .
حبيب يخلع الحب كمعطف لا حاجة له في وقت الصيف .
حبيب بلا حبيبة الآن ..
هكذا أنت
لا بل ربما هكذا أنا حتماً
قطعاً أصبحت أن الحبيبة المرتحلة المهزومة بالحب .
مؤكد ..
مؤكد أن القلب يمكن أن يعشق مرات كثيرة ( فلقد سمي قلباً لشدة تقلب بالحب ) .
لكنه توقف عندك
عندك فقط
ولم ..
لا أدري هل أنت رجل فوق العادة فقط
أم أنك ملكتني فحسب
يقولون أن الحب غباء وحمق
وهل أنا أكبر حمقاء ؟
وهل أنا غبية ؟؟.
حمقاء بقدر حبي لك .
وغبية لأنني لم أستطع الانتهاء منك
ولم ولن انتهي .
فما لم تكسره كل هذه السنوات أظنه لم يعد مهيئاً للتكسر .
وها هي السنوات تمر واحدة تلو الأخرى وأنا أتخفى داخل قوقعتي النسائية .
أدعي كرهك حين واحياناً أكرهك فعلاً ...
وأخبئ حبك وأخترع له مقبرة داخل جسدي للذي لم تمر به يوماً .
ولم تمنحه دفء مشاعرك .
بل سلبته حبي وحبك بأنانية .
وجعلت مني امرأة حمقاء في الحب لا أكثر .
أطارد نساؤك بصمت الا أنني المنسية خلف حب تريد استرداده دون أ ن تشعر بالإهانة .
أكرهك
أحبك ....
أيا منهما شعوري هو الأن لا أدري ....
أو ربما أنا من لا تريد أن تفهم المعنى الحقيقي لمشاعري .
أفضل أن أدري أنك لا زلت تحبني أو أمني النفس بك عبثا
وان عدت الى الأن لن أقبل بك .
عندما تقترب من الأربعين لا يعينيك استرداد حب سرق من شبابك .
سن الأربعين هو سن للراحة أو سن ترتب فيه حكمة الحياة التي عشناها .
وها أنا في هذا السن أنهض لترتيبك في داخلي .
استعرض حياتي معك سابقا كشريط سينما
أو كفلم حضرناه عشرات المرات وحفظناه ومن كثرة متابعة أصبح مملا للغاية تسرد في عقلك
آخره وأنت لا تزال في أوله .
أيا فلمي الممل لم تحمل سوى الكآبة لي .
لم أغلقت كل نوافذ النور في وجهي .
ها أنا الآن امرأة في الأربعين تقريبا .
امرأة في سن اليأس
اليأس الذي منحتني اياه وأنا في سن العشرين .
الأن لست بحاجة ربما لحبك أو ليأسك ....
ولم يعد مهما الانفكاك منك .
لكن أنا الأن أريد أن أكتب قصتي فقط لا ترك حكمه أو عبرة لغيري .
لا أريد أن تقع صبح أحزان بن فكي مجد ثاني .
لا أريد أن أكون ألهه للحب .
ولن أقدر أن أقف في وجه مجزرة الحب .
لكن أن أترك يؤرخ حبي الراحل .
الأن يا حبي الأربعيني أو حبي الهرم بلا سنوات حب لا أملك سوى أن أدعو أن ينسى قلبي كل شيء دفعة واحدة .
ويرمي بألآمه بعيدا.
لقد قيدتني يا عزيزي بقيد حبك لتأسرني وتمنع انوثتي من الطيش بعيدا عنك
علقني بسلاسل ذهبية بين الأرض والسماء جعلت مني * شهيدة الحب الذي ناضلت من أجله بغباء.
فمن يتملأ بالغدر لا يستحق النضال لأجله .
أربعون عاماً.
أربعون عاماً مضى أكثرها مهملاً.
أربعون عاماً وكل فاصلة فيه هي ذكرى للألم.
فقدانك ورحيل روند وأمل ..
أربعون عاماً طوق أعز أصدقائي خلفها .
والحمد لله تركت لي خالد .
خالد الذي طعن الموت حبه .
وسلب منه أمل بكل شرف للموت .
أخذ أمل وترك في داخل قلبه حبها.. وشوق كبير لها.
وها هو الموت يأتي ليفعل فعلته معي.
لكن سيأخذك بشكل مغاير .
يأخذك متناقضاً بكل شيء .
هل سيأخذ حبي ام عدوي
هل سيفعل الموت فعلته لحسابي أم ليقتلني مرة أخرى .
عندما أفكر بخبر موتك أحاول أن ألغي كل الأفكار .
أحاول أن أهرب من هذا الواقع .
لا أريد أن أفكر بفرحتي أو حزني .
وهل موتك سيشكل فرقاً يا عزيزي .
هل يسرد عمري الفائت..
هل سيعيد لي الحياة ويمنح قلبي فرصة حباً آخر
أو خيبة أخرى .
لقد قاربت هذه السنة من الانتهاء .
وها هي الأيام الأخيرة منها تحط أوزارها .
لتعدو بي داخل الأربعين .
وتحيي تاريخ بؤس آخر .
حتى هذه السنة لم ترد أن تنتهي بشكل عادي
وكأنها كانت تخبئ الكوارث للشهر الأخير فيها .
ها نحن نودع السنة مع قصف عربي اسرائيلي داخل فلسطين المحتلة .
وللأسف صلاحياتنا في التغطية محدودة .
فهنا أيضاً دون وضوح التواطؤ مع الشر ضد العرب بارز .
لكن .. نوعاً ما انشغلنا بهذا الحدث ولو بحياد .
طبعاً المشاهد المزرية للمواقف المتغيرة للخيانة الإنسانية تشعر الإنسان بالحزن والرثاء الحالي
الناس هنا تقتل بعيداً عن الحب .
لربما تقتل لتمنح أرواحها لمن تلذذ بلعبة الموت .
الموت ..
الموت إذاً ...اصبح يلاحق الجميع بابتسامة عريضة .
مؤسف كل ما يحدث لهذا العالم .
مؤسف مقتل الأبرياء دون أن يمنح أحدهم كلمته الأخيرة .
موت مفاجئ ومباغت هذا ما حدث أو ربما هذا هو كل شيء .
الناس تصبح في دائرة سوداء
وتسبح في بحر الدماء .
الناس هنا تموت بلا أكفان .
بلا ورود وبلا وداع .
وربما محظوظ من يتكرم عليه الموت بقبر يأويه .
وصراع الإنسانية بائس.. أما آن للناس أن تفهم الموت .. فتغير ترجمته وتغير طبيعته .
أم أنه هو فقط الموت من يمتلك الانتصار .
وهو فقط من يحدد أسس مهنة الحياة .
فيمنح الانتهاء للبعض والحياة للآخر .
لكن بالنهاية الكل ملاقي حتفه يوماً ما .
والمقابر لا تنسى وستبقى موجودة .
قتل الكثير من الأبرياء .
وسالت دماء كثيرة .
ولحن للموت ألحان كثيرة .
يا عازف الناي ... مهلاً ... ألم تعد أغانيك حزينة .
لما لم تهز الناس لما لم تستحضر النائمين .
ولما لم تعيد المنعزلين عن الحرب إلى أماكنهم الطبيبة ...
أياً موت بالله عليك أرحم الناس هنا .
وهكذا يوم أثر آخر ولا جديد في الحرب سوى الأرقام المتزايدة ..
وأصبح الناس أرقاماً بعد أن كانوا فواصل لا أكثر .
لكن يشفع للموت هذه المرة أن الناس هنا نالت شرف قدسية الموت بالشهادة .
ويوماً ما سيخلد التاريخ دمائهم ويعلو بأجسادهم الممزقة عالياً .
وبين انشغالي بالجريدة وبين زحمة الأخيار والأفكار .
وإذا بخبر يملأ صحيفتي مرة واحدة .
خبر يأخذ صفحة كاملة .
خبر لم يكتب إلا باللون الأسود العريض .
نبأ جاء ليكتب نهايتي .
ليفجر دموي غضباً وحزناً
ليصدم النفس التي في داخلي ويهز أركاني المبعثرة .
أو ليرمي بأنوثتي خارجاً فلا تقع لها بعد اليوم .
شلت عروقي .. وتوقف الدم فجأة وأنا أرى خبر موتك يملأ الصفحة الأولى
كاتب حبي ... مات عدوي .. مات مالكي .
لا أقدر أن أصف شعوري هل أنا ولعناتي من قتلك .
أم أن الموت أراد أن يترك فلسطين ليعرج علي مبتسماً بكل خبث .
هل حقاً
هل صبح أنك مت وهل مثلك يموت .
قد كنت مت منذ زمن فلما تعيد عزائك في نفسي من جديد .
هل تريد أن تخلعني منك أو أن تهرب مني .
هل أنت المنتصر الآن يا عزيزي .
أم أنه الانسحاب .
قتل الله من نشر خبر موتك ليصفعني .
وملعونة هي الكلمات المنعمة حين ترسم بغباء .
( رحيل الكاتب والممثل المسرحي مجد ) .
رحيل إذاً .
أن الراحل لديه فرصة العودة والقدوم أما أنت فكيف لي برويتك ثانية .
آه يا روحي .
آه يا قلبي .
ما هذا الذي تحمله الحياة ضدي
أ أفرح ... أ أبكي .
ماذا أفعل .
إذاً كما قيل رحلت .
رحلت يا طيري المهاجر .
رحلت يا دمعا اختزنته لأخر عمري .
يا حبيبا لم ينمح قلبي سوى الترمل .
أرمله من جديد أنا .
حتى في موتك كنت أنانيا ...
أنانيا جدا
لم تمنح عيني فرصة رؤيتك .
ولم تسمح لي بوداعك أو بقبلة وداع أخيرة على جبينك .
لم تعد تهم الكلمات بعدك .
كلمة أسفك التي عشت عمري أنتظرها رحلت .
غاب نور مجد واأضاءت أنوار باريس كلها .
أكان صدفة أنك رحلت بأخر يوم بالسنة .
أردت استنزافها حتى آخرها .
لم ترد أن تترك أوراقا بالمفكرة فهل اقتطفت الورقة الأخيرة عندك .
أم تراك تركت هذا الأمر لي أنا .
اليوم أسقطت أخر ورقة في حياتي لا بل أهم السنون والمفكرات التي جمعهن طوال عشر سنين .
هل أردت أن أؤرخ حزني .
30\12\2009
آه يا تاريخ موت قلبي وضياع روحي التي حسبت أنني قد استردها بموتك منها أنت تحملها معك .
اذا رحلت .
رحلت ومضيت دون أن تودعني ودون أن تعيد السيرة .
وأخيرا مضيت .
ومضت معك أحلامي القديمة واشواقي المؤجلة .
ومضت قصتنا هنا .
رحلت .
وكيف رحلت ولما رحلت .
معقول سئمت من الحياة .... أم أنك انتهيت .
هل أردت أن توجه لي الضربة القاضية بموتك .
أأردت أن توجه لي الضربة القاضية بموتك .
أأردت إسعادي أم أن تحزنني وتنتهي الجولة على طريقتك
رجل الجولات .
لا بل رجل البدايات والنهايات معاً .
أردت برحيلك أن تخلع عباءتك الرجولية عني .
أنت تنتزعني معها وتعريني بتجرد .
ها أنا بدونك الآن أمعقول هذا الصباح .
هذا الصباح الأول الذي قد أحياه دون أنفاسك . التي تمتلأ بين جزيئات الهواء .
لماذا مضيت الآن .
وهل كنت تريد لموتك موعداً لا ينسى فاخترت بداية العام أم أنك أردت لي عاما ًيبتدي من جديد دون صراع .
لم أكن أريدك أن تموت هكذا . وفي وقت كهذا
لم استعد ولم أتهيأ له .
سياسة الرحيل إذاً .
ولربما أردت الهروب دون ان تطأطئ رأسك أمامي .
طبعاً لا أدري وربما ليس مهماً كل هذا .
المهم الآن أنك رحلت . رحلت ورحلت معك أجزاء مني .
سرقتني من جديد .
ما عساي أشعر الآن . الأسى الألم الحزن الفرح .
أعدتني إلى المضادات من جديد .
ليس جميلاً أن نعيش في تخبط دائم وليس جميلاًُ أن لا نفهم أنفسنا والأكثر تجهاً هنا أننا نقنع أنفسنا بأشياء لا أصل لها .
لكن ليس سيئاً أن يفكر الإنسان بطرح النهاية بنفسه .
لذتا قررت وضع النهاية .
نصنا الأخير .
نص كتبته وأخرجته أنت
ولكن كنا أنا وخالد فصوله فقط .
رحل عزيزنا إذاً .
رحلت كما ترحل الحروف من الكلمات بعد نطقها رحلت كحلم يذهب قبل أن تختزنه الذاكرة .
رحلت كوردة ماتت قبل تفتحها .
واخترت لرحيلك يوماً صاخباً بارداً مليئاً بالنهايات والبدايات .
اليوم ستقف الناس عند يوم يفصل بين أحزان سنة وآمال بفرح سنة أخرى . هل هذا ما تمنيته لسنتك الجديدة .
هل كانت أمنيتك أن ترسل بصمت وأن تتحرر مني هنا .
هل هذه هدية رأس السنة .
عام جديد يبتدأ بدونك وعام سيرحل ويأخذك معه وربما يأخذ روحي أيضاً اعتقدت أنني ربما حينما أنتهي منك سوف أسعد .
لكنني الآن أدرك أنني لم أنتهي سوى من نفسي .
من الصعب أن تعلم بموت الأعزاء بالصدفة فقط ونوضع في قائمة الغرباء .
كأننا لسنا معنيين بالأمر . ووحدها فقط الصدفة من ستعلمنا
عبثية الحياة إذاً .. إلى متى سنتبع لها
عنوان عريض يأتي ليكون كصدمة
عنون في صحيفتي يأتي ليمزقني ويخترق أشلائي .
يأتي ليمحوني ويكتبني من جديد .
عنوان إذاً .
رحيل بارد ونهار أبرد منه وأفكار تترامى تارة وتختفي شارة وأخرى بين الذهول .
ولا شيء يقطع هذا الذهول الذهني سوى صوت رنين الهاتف .
وإذا به خالد الذي كان يجهش بالبكاء .
ـ هل علمت
ـ أجل وها هو العنوان يرسم سواده في قلبي قبل الصفحة المقتنية
ـ وكيف علمت أنت .
ـ اتصل بي الأستاذ ريموند محامي مجد يطلبنا إليه .
أغلقت السماعة بعدها وكأنني أغلق قبراً على ضيق صدري بات عميقاً جداً .
أفكاري تتخبط في بعضبها أحاسيس أفكاري شجوني آلامي .
إنسان صعقني حتى بموته .
إنسان جعلني أنتظر موته لأشهد ولادتي من جديد .
كم يلزمني من وقت لأستعيد نفسي بعدك هذا إن عادت .
بل كم من المرات علي أن أسير في سراديب هذه الحياة المعتمة القاسية .
أبواب الحياة تغلفت في وجهي وتركتني للضياع فقط .
الضياع .
الضياع شيء بشع ومقيت ليس جميلاً أن تحس أنك ضائع تائه في هذا الزمن في هذه الأيام الناس لا تعثر على نفسها حتى في داخلها .
الضياع يسيطر على كل شيء . والتائهون يسيرون في هذا العالم دون أهمية للطريق صحيح أم خاطئ .
ولربما كنت أنت أيضاً مجرد خطأ .
خطأ أودى بحياتي كممثلة ورسمني كصحفية .
خطأ يأتي كذنب مباغت لم نحسب حسابه ولم نتهيأ له .
لقد رسمتك حباً وتمنيتك رجلاً وعشقتك حلماً .
لكنك تركتني نذلاً ورحلت خجلاً وظلمتني بغياً .
لما كل الناس تشتكي من سأم الحب وملله .
هل هذه الأيام لا يكفي الإنسان حب واحد .
الفكرة الأعقل هي ان لا نحب أبداً فلا حب في أيامنا هذه بنفع أو جدوى وسرقت الآمال والتضحية صارت شيء لا التفاته له أبداً .
آه يا عزيزي .
وتسالني الليالي عنك .. يا حبيبي أين أنت .
إذاً رحلت وحلت بصمت حتى في موتك كما يرحل العظماء صامت بارداً دون ضحية .
رحلت دون تتسنى لدموعي أن تبكيك رجاءً لإعادة حياتك .
رحلت كما يرحل الفرح من حياتنا بحياء .
في بلادي الحب يقتل بطريقة مغايرة
في مدينتي الناس تترقب الفتاة في أول بلوغها وتنصب نفسها كحارس على أنوثتها تحارب عشقها قبل أن يبدأ .
الناس تحارب أدنى فكرة أنثوية وتغلق عليها أبواب من العادات البالية .
تحاط الأنثى بأسوار حديدية وتدفع ثمن أنوثتها غالياً .
وتفضل المرأة أن تحتفظ بأنوثتها المفرطة داخلها وأن تعتزل جسدها البائس أو تهبه لإله الحب كما كان يفعل الناس في عصور الجاهلية .
في عقول الناس موروث شاحب بالي فكيف عساه يربى الحب هنا .
يقال أن الحب في بعض البلدان يدرس كمادة علمية .
وهل للقلب قوانين ودساتير .
الحب يأتي هكذا عنوة أو يأتي بغباء .
يأتي حيث يكون مصيبة ووبال لا نعمة
الحب يؤرق صاحبه عشقاً ويسكته رعباً ويملئه حسداً من الناس .
أناس كثيرة ماتت دون أن تصل إلى المعنى الحقيقي للحب .
الحب ......الحب دون الرغبة .
لماذا على الحب أن يرتبك بأشياء أخرى .
الحب لا علاقة له بأي شيء آخر .
قديماً كان إله الحب مقدساً وكان العاشقون يقدمون له القرابين كي يحمي حبهم حتى ان الآلهة حسب معتقداتهم كانت تمارس الحب وتعشق كالبشر .
وها نحن بالقرن الواحد والعشرون نرمي به إلى خلف ظهورنا كل ما تطور عصر الإنسان وبزغت حضارته رمى بالحب دهوراً ورائه .
كانوا يقدمون القرابين لآلهة الحب ....
فإذا بك عزيزي تمنحني كقربان .
وتمنح أنوثتي بعداً عنك . وتهمش تضاريس أنوثتي ورائك .
وتحتبس ثوراتي النسائية المشتعلة داخل جسدي .
أي حبيب أنت أي عشيق أنت .
رحلت إذاً .
قطع صمت أفكاري صوت الهاتف من جديد وكان الهاتف يأتي ليتسلل إلى الأفكار موقفاً إياها عند لحظة .
أرفع السماعة فإذا بخالد من جديد يذكرني بالذهاب إلى ريموند .
ذهبت من فوري إلى الشارع العام واستقليت سيارتي باتجاه مكتب المحامي ومع أنه كان الوقت لا يزال مبكراً إلى أن ريموند كان بانتظارنا .
جلست والدمع يتساقط من عيوني . دون توقف يأتي مفاجئاً ويخرج عنوة ليفرض نفسه كطقس موت اعتدنا عليه .
خالد أيضاً كان حزيناً ولكنه كان هادئاً يحافظ على هدوئه كي لا انهار أنا وكيف علي أن أكون.
وكيف علي أن أخفي خيباتي وخصوصاً بعدما فقدت الشي الوحيد الذي يبقيني في هذه الدنيا ولو بصورة سلبية .
أي رجلاً جعلني أتلهى بكرهه أملاً باستعادة حبه .
أي رجلاً يجعلني أنتظر الليل كي أرى الصبح . ما عساي أفعل الآن ...
رحب بنا ريموند على الطريقة الفرنسية بابتسامة متصنعة وحزن متصنع فلا أظنه كثير التأثر بموت أحد موكليه .
هكذا هم المحامون كما قال عنهم الفلاسفة ( متكلمون ) .
متكلمون فقط ... هم من عليهم أن يجملوا غدر الكلمات التي قد لا نستطيع النطق بها .
هم من يترجم رغباتنا سواء بالشر أم بالخير .
هم الوصية الأخيرة لنا .
أعصابي كانت منهارة ولم أكن ارد الاستماع لأي كلمة بل كنت أغوض في أعماق حزني فقط وربما ليس الموت بشكل خاص بل بحياتي التي رحلت لكني وسط ذكرياتي أدركت أنك منحتني من الآلام أكثرها فهل ألم اليوم قد يزيد شيئاً .
أخرج ريموند من أحد الخزانات التي تعتلي الحائط مظروفاً ضخماً .
كان يحوي داخله رسالة وظرف ضخم .
وورقة كان من المفروض أن يقرأها ريموند لكي يكون الوسيلة التي تفصل بيننا .
بدأ يقرأ وصيتك .
بسم الله الرحمن الرحيم .
الآن عندما تصل إليكم كلماتي أعلم أنني سأكون انتهيت من هنا وأخرجت كل ما كان مقرراً لي .خالد لا أوصيك على صبح فأنت الوحيد الذي يلازمها ويمنحها دافعاً للحياة .
لن أطيل ولربما مخيلتك تصور الآن جملا كثيرة كي أقولها لكن أنني أختضر كل شيء في المظروف الذي تركته لصبح . حافظي عليه وأتمنى لا أن تفتيحه قبل أسكن قبري الوداع ....
كلمات محتضرة كحبنا المختصر .
تراك ما خبأت لي .
وماذا يحمل هذا المظروف الذي تركته لي كمن ترك إرثاً بطريقة غير عادية .
مؤكد هذه الوصية غريبة من نوعها لميت ولم أحسب أن هذا ما فيها .
أصلاً لا تشبه وصية الموتى ولكنك فضلت المحامي لبضع كلمات عابرة كالأثرياء الذين يفضلون أن يتم توزيع تركتهم بطريقة حضارية مرموقة .
فما عساك خبأت لي .
هل مزيد من الشقاء والتعاسة أم الكره لا أكثر .
ثم اتبع ريموند كلامه .
لقد حجزت لكم على الطائرة وصية تجد أن تأخذوه إلى دمشق ويريد أن يدفن فيها وأن تكون جنازته هادئة وتقتصر عليكما .
أما إجراءات الدفن فقد اتصلت بمن يحضرها وسيكون كل شيء جاهز .
ودعنا أنا وخالد ريموند وبعد حديث مطول : قررنا انا وخالد أن يذهب كل منا لبيته مجهزاً نفسه للسفر فالوقت أمامنا ليس كبيراً . فنحن بالثامنة صباحاً وعلينا ان نصل ظهراً إلى دمشق.
آه يا دمشق ها أنت تعيدي اختراقك لذاكرتي من جديد . ها أنت تعيديني للوراء عشرين سنة.
هل أنت تذكريني بأيام سعادة دفعت ثمناً لها عمري بأكمله .
دخلت غرفتي متأملة بيتي بطريقة جديدة ثم نظرت إلى المرآة نظرت إلى وجهي الذي سلب منه نوره .
نظرت إلى روحي التي سرقتها وإلى طيش طفولة لم أعد أملكه وإلى أحزان بيتها لي سكناً وإلى الليالي السوداء .
وهكذا بين علو وانحدار كانت مشاعري تتراشق أمامي .
عانيت الكثير منك جعلت مني إمراه تشبه النبتة التي كسر غصنها .
لملمت بعض أشيائي جمعت بعض ذاكراي وأخذت أوراقي الصفراء التي يملأها غبار يحكي آلاماً كثيرة وأشجاناً تشاركنا بها في هذا المنزل الذي هرم بالمي .
أنظر إلى زوايا المنزل وأركانه فلا أجد صوراً للسعادة ولا أجد رائحة سوى للموت البطيء .
ودعت بعض المناطق في فرنسا التي حملت يوميا معي بعضاً مني ودعت نفسي ربما فيها . وفجأة شعرت بيد تربت على كتفي لتنبهني إلى أننا وصلنا ورحلتنا انتهت فنحت عيني لأرى خالد يقول لي أن نومي كان عميقاً جداً وضحك وهو يقول أنا لا أستطيع النوم أثناء السفر وقد ذكرتني بالباصات القديمة التي كنا نرى الراكب أول شيء يفضل أن يفعله هو أن يطبق عينيه للنوم مع أنها تجعلك تتخبط في نفسك طول الطريق من شدة الإزعاج .
لم أعر كلامه اهتماماً كبيراً وتابعت الصمت داخل أفكاري .
أأحملك الآن جثة .
خرجت بك من هنا حياوها أنا أعيدك الآن ميتاً .
ولما علي أن ادفنك .
أمعقولة أنتي يا شام .
هل أردت أن تستردي مجد إليك .
صحيح لم يكن مجد سورياً لكنه من سكان سورية اللذين صهروا بها .
ولطالما حلم هو أن ينتهي بها .
وها هي فعلاً تعيده .
غريبة هذه الديار .
كل من تمنى أن يدفن في ثراها حملته إليها بطريقة غريبة . من كان يظن بأن مجد سيأتي ليدفن هنا . ومن كان يصدق أنني أنا من سيحقق رغبته الأخيرة وأعيده إلى هنا خرجنا معاً قبل 20 عاماً وها نحن الآن سوياً من جديد . جمعتنا دمشق سابقاً وها هي تجمعنا الآن من جديد .
ما إن عتبت قدماي أرض المطار أحسست كأن الأرض تحيي قدمي أمعقول لا زالت تتذكرني.
هواؤها شهي جدا كل شي في سورية له متعة خاصة ونكهته الخاصة ربما ليس سحراً لكن حياتنا كانت سحرية .
أخرج بحبي وحلمي وأعود به اليوم لدفنه .
وها هو عزيزي مجد تحمله السيارة المخصصة للدفن لتسبقنا إلى المدافن واستلقينا أنا وخالد التكسي للحاق بها .
مع تضارب مشاعري قررت أن أظل حيادية عن الحب وأن ان ألقن غروره درساً وجلست بالتاكسي بصمت مطبق .
كان الطريق طويلاً مملاً وقد كنت قررت أن أوقف دموعي وأن أكون مثله . هو لم يردني أن أبكي عليه قبل الموت ولم يسمح لي بالوداع ولم يعطني فرصة مواصلة حبه.
وأنا سأكون كمن قتل حبيبه بيديه ليمشي في حيازته.
غريبة هذه الحيازة.
هذه الجنازة ربما لو اعلن عنها لجمعها لفيف من المثقفين وبعض المعارف لكن جنازة صامته كجنازتك لن يكون فيها الا شخص من المفروض أنه يكرهك وأخر صديق مطعونا بغدرك .
هل كنت تريد أن تكون استثنائيا حتى في موتك أم هذا جزء من الغرور الذي تمتاز به .
جنازة تحملنا معا ...لوحة تحملنا معا .
وربما يحملك معنا شرك وشياطين نفسك التائهة من بعدك .
عزيز ولوفي الموت .
عزت عليك نفسك أن ترحل دون أن أضع عليك ترانيم حزني وكرهي .
أراهن أنك كنت حتى في طريقة موتك تريد استفزازي ليس إلا .
تريد أن ترحل وتحملني معك وأدفق نفسي بنفسي معك .
قال ريموند أنك قررت أن تبني بأملاكك مسرحا ضخما في دمشق يحمل اسمك أأردت أن تعود لدمشق من جديد ممتلأ بنفسك .
وتعلق اسمك عليها كي تصبح من معالمها فقط لأنك تحمل بعض الدولارات الزائدة .
و يا للغرابة هل أردت أن تزفني إليك بثوب أسود .
وأردت أن نحتفل برأس السنة بطريقة غير عادية وتختلف عن طريقة احتفال البشر المحيطين بنا .
لربما هذا نوع من تهميش الحزن وجعله فرحة غير مقصودة .
كنت تقول لي أنك تحب طريقة الهنود في الحزن حيث يكون الحداد باللون الأبيض وأنك تكره الأسود.
كنت تقول أنك أنت لا تريد جنازة تمتلأ بالسواد يكفي الميت هبة الموت وعظمته لا مكان للغربان السود بين القبور .
لم تكن تعجبك فكرة الندب على قبرك وأن الدموع قلت أم كثرت بلا فائدة .
صحيح كلامك عزيزي اللون الأبيض قد يكون أبلغ وأعمق اللون الأسود بات مرعبا
حتى للموتى ولكنني لأريد أن ألبس هذا اللون الذي حرمته علي عندما كان مهيأ لي أن البسه .
لم أفكر قبل هذه اللحظة أنني منذ عشرين سنة لم أرتد هذا اللون بكل تجرد .
أو ربما ارتديته ولم تلحظه عيناي المعتمتين بلؤمك يا سيدي كنت كمن شرب الجريال بسكرة اللهو ليصحو ليجد نفسه قد يأت مسلوبا .
حياتك هملتني ... حملتني ورفعتني ورمتني .
سيرتك كانت أسطورتي القاتمة .
كيف أبكيك الأن لا أدري . وكيف أودعك وبماذا أنعتك .
أي ذيم اقترفت لتعاقبني هذه الدنيا بهذه القسوة .
وأي عودة أعودها إلى سورية . أهكذا تعيديني يا شام أردتني وصية على مجد فقط أردت أن أعيد لك مجد بنفسي .
كنت آمل أن تزفيني عروسا فها أنت تزفي جسد مجد إليك .
ولكن أيضا نوعا ما بطريقة هندية لا سواد سواي وبكل هدوء .
هل فكرت أن أفعل كالهنود هل أردت أن أحرق نفسي معك لأموت و اسجى إلى جانبك بعد أن يشعل خالد محرقتي .
ولكن محرقتي يا صديقي أطفئت نورها منذ زمن فقد أحرقت وانتهى كل شيء .لم يعد من شيء مهم فيها .
إذا هكذا يموت الأدباء .
وهكذا يموت الأشخاص المميزون بطريقة متميزة أدبية نوعا ما .
هنالك أشخاص يولدون كي يموتوا وهنالك أشخاص يموتون ليولدوا من جديد أو ليخلدوا فلسفة حياتهم البائسة .
هل أردت أن تخلد نفسك بهذه الميتة .
جميلة هي طقوس الموت ومخيفة .
أنا وخالد فقط وها أنت تدفن وكأنك فرعون مصري . الفرعون يدفن بهدوء تام مع أن موته يثير ضجة لا مثيل لها . ويدفن معه خالد حياً .
موت النبلاء المرموق إذاً .
وها هو التراب يواري ثراك وتخبئ ما تبقى منك حفنة من تراب دمشقي .
لم تعد معي في هذا العالم . لم تعد مشاركاً لي .
أمعقول هذا العالم أمعقول أننا حين نعايش مأساة مدة زمنية طويلة نشعر بالتوحد معها فلا نريد الأنفكاك منه ونشعر بالمصيبة حين تزول هذه المأساة وكأنها جزء لا ينفك منا .
قد تعودت حزني فلماذا أعيش الآن . هل علي أن أتصنع السعادة من بعدك .
اخذك العالم الآخر هكذا فأنت دائم الارتحال .
لم يشاركني في جنازتك سوى كيس ورقي صغير أحضرته معي ومعطفي الأسود الذي ارتديته كي أخبئ نفسي من برد محتمل .
أو كي يطغى المشهد مأثرات أكتر تعبيراً .
فتحت الكيس وأخرجت من داخله مجموعة من الزهور الجافة الممثلة بعبق الماضي نعم الجافة تلك الزهور التي حملتها معي من دمشق حيث غادرتها لأول مرة وها أنا أعيدها معي الان بعد 20 سنة .
لم أحضر وروداً جديدة فما نفع الوردة إن كانت تمتلأ بالحياة ليس مهماً أن تكون جديدة فعلى الحالتين عندما تقطف ستموت .
على الأقل هذه الزهور تحمل الكثير من الذكرى الجميلة .
فرشت هذه الزهور التي بات شكلها كالمأساة .
نظر إلي خالد وذهب ** للسيارة ليترك لي الوداع دون انزعاج اقتربت من القبر وجلست قربه
ما عساي أفعل هل أنا هناك لأشفي غليلي منك وأقول لك ما لم أقدر أن أقوله لك في حياتي فأسمعك إياه ميتاً .
أم أنك فعلاً أتيت لأني لا زلت احتفظ ببعض الحب لك .
رفعت القبر كثيراً .
الموت يأخذ شكلاً غريباً حينما يكون في أعز الناس أو ابغضهم كما أن هذا الموت جزء من خاصيتك .
لكن على كلا الحالتين أدمعت عيني .
ثم قلت لك مرددة اليوم إذا يا مجد اقف على قبرك المتهدم قبل البناء اليوم أسرق نفسي منك دون عناء اليوم لا داعي لأتكلم دع الفرصة لشوبان..... الموسيقى ستتكلم ...اليوم أرقص على قبرك فرحاً وألماً . اليوم أبكيك غلً وندماً .
الآن أنت بت صقري منكسرا و بقايا روحي أتت بي اليك ( يقال أن الطير يرقص مذبوحاً من الألم )
الآن أكتب نهايتك على شاهدتك أتعرف ماذا سأكتب .... لقد مات قبل أن يولد نعم يا عزيزي أنت مت قبل أن يولد .
يا للحياة هل أنا مضطرة إلى أن أترخ على شاهدتك تاريخ اليوم كذكرى لوفاتك أو علي أن أعود إلى تاريخ وفاتك القديم منذ 20 سنة خلت .
وبأي ماء سأسوي ترابك هل بماء المدافن الذي قد تجده في المقبرة بعد طول عناء أم بدموعي التي خبأتهامن الماض .
أتعرف أنت في كل يوم تمنحني شيئاً وتعلمني شيئاً وتلقنني أشياء
أنت الآن حتى في موتك لا تريد سوى أن تعذبني .
أن تقهرني وتكسرني فقط .
نعم عزيزي
كيف ترى عيني وقد رحلت
انكسرت من الفراق وانكسر من الاقتراب
أنت رجل تكسر كل شيء .
تأخذ ما تريد وترحل دون عناء ودون أن يستطيع أن يسألك أي أحد .
رجل الأحلام المنتهية...........
نظرت إلى المقبرة من حولي .
هذه أول مرة أرى المقبرة بهذا السكون .
وكأنك هيئتها لتكون لك فقط لم يكن فيها سوى أنا وخالد وبعض المسؤولين عن القبور
جنازتك كانت هنا وحدها .
هذا إن سميت جنازة .
فهي لم تكن مجرد جنازة عادية لربما كانت رحلة لعالم آخر .
القبور كانت وكأنها ملت من المكان وبجانب قبرك كان هنالك قبر تاريخ هيء لزائر جديد . طبعاً هذا القبر أرعبني خلت للحظات وكأنك هيئاته لي أو ربما تركته لا ضع فيه ما تبقى مني وارحل.
جميل أن الأحلام والآمال والحب أن يكونوا مجتمعين في قبر وبإمكاننا زيارته وكأننا نخبئ شيء ثمين في هذا القبر .
وقد خبأت نفسي في قبر إذاً .
خبئت حبي أحلامي عدوي قهري ..20 سنة من غربتي المملة فهل هذه الذكريات تستحق الزيارة أو هذا القبر يستحق أن أصنع منه قراراً ومن ثم يأتي خالد ليتابع إجراءات ما بعد الدفن المعتادة كالبكاء وقراءة القرآن .
في وقتها لم أقر شيئاً سوى الفاتحة ولم أستطع أن أنطق بشيء كيف أطلب الرحمة لقاتلي . لسارقي لجلادي لخانتي .
وكيف أطلب العذاب لروحك وأنا لا أدري حقاً ما هو مصيرك .
ها هي الحياة تجمعنا يا صديق من جديد تلاحقتنا دون حواجز الحياة .
لكن يقاطعنا حاجز الموت الذي لا يمكن العدو أمامه وتخطيه نلتقي أمام انتهاء الحياة . تجمعنا النهايات التي لا تبدء لتنتهي .
لم أدرك أن حبك سيكون هكذا مروراً عابراً يحملني إليه أو فاصلة لا يمكن الوقوف عندها .
وربما لم أدرك أنك ستتركني وترحل يوماً إلى هجرة لا عودة منها هل دوري معك انتهى أم هي نهاية القصة .
نصنا هل توقف عند هذا الحد أم بدء من هنا .
من عساه كتبنا أنا وأنت .
هل نحن أشخاص موجودين أم نحن محض أفكار ** رسمها كاتب بائس على ورق وترك النص ليسير المخرج نهايته .
أي نص كنا أنا وأنت وهل نحن مسرحية لا أكثر .
نعم يا عزيزي لربما أنا وأنت خرجنا من رحم نصوص الحياة المتعددة التي نجدها على الرصيف وعلى الجدران ترسمها الحياة تارة وتهمشها تارة اخرى .
أو لوحة رسمها فاشل علها تباع في بلاط الملوك فأرسلت سهواً إلى مقابر الحياة وسراديب الحديد الساكنة .
فرقتنا الحياة وجمعنا المسرح ...
بالنهاية نحن الاثنان ممثلين













فاشلين أم بارعين هذه تسميتنا .
لم نعش الحب بنشوته ** لكنه أهلكنا وجردنا منه .
وعوضنا الحب بسرير من تراب بدلاً عن سرير العشاق ..
أنت ميت إذاً
أأندب نفسي أم أندبك وهل سيندبك الأدب والمسرح .
لا أدري لكن أظن أنه قد حان وقت الوداع الآن أودعك حبي أودعك عدوي أودعك قاتلي للأبد .
أعدك بأني لن أقف على قبرك من جديد .
ولن تراني هنا مرة أخرى .
وترابك لن يستقي من حبي ومن كرهي ثانية .
وروحي ستر قص ألماً على حبرك المختبئ تحت التراب وسارقص على أنفاسك المنعدمة
الوداع ـ الوداع الوداع .
أترك المقبرة وأرمي خلفي سنين حملتها معي وآلام جرجرتها معي الرحلة الأخيرة .
أمضي أنا وخالد الأحد فعلي أن استقبل دمشق أم عليها أن تستقبلني أودعها أم تودعني لكن طلبت من خالد أن نمشي ونلملم بقايا الذكرى القديمة .
ومشيت ومشيت وانا أتعمد أن أتجاهل المكان الذي خرجت منه تواً وأنا أتعمد أن أنسى كل ما حصل وأعود إلى صبح منذ عشرين سنة .
أخذتني قدماي للتسكع من جديد ونزلنا إلى شارع كنا نحب أن تتمشى فيه سوياً وكان محبباً لنا
فلطالما مررنا به وزرعنا بعض من أحلامنا على ارصفته لكني لم أعد أعرف هذا الشارع لم أجد فيه شيئاً أئلفه كل شيء تغير ولم أعد أشتم رائحة المكان لا شيء فيه يعيد الذاكرة لحال الناس ... حتى الوحدة لا شيء مألوف كل الناس تغيرت .
ثم قررنا زيارة الحديقة ربما كي أذهب إلى الأشجار التي وقعت عليها بحبي أو لأستعيد حبي مع الشواهد العتيقة .
ولكنني لم أجد الحديقة بحثنا أنا وخالد مطولاً لكن عبثاً فاستوقفنا شاب صغير في الخامسة عشرة من عمره قائلاً هل أنتم غرباء .
غرباء ...؟؟ هذه أول مرة أسمع هذه الكلمة أو بالأصح أول مرة توجه إلي ... معقول يا شام أنك قد نسيتني .. قد غربتني ..؟؟
في بلاد الغربة لم يقل لنا أحد هل أنتم غرباء .
وها نحن في بلادنا نسمى غرباء .
أجبته بهدوء لا نحن عشنا هنا زمناً لكنني اغتربت عن هنا فترة طويلة .
والآن أبحث عن حديقة كانت هنا .
قال لي الشاب باستغراب تسوده استفزازية السخرية .
بعض الوقت أم أنك كنت في رحلة خارج الزمن .
قبل أن أخلق أنا حولت الحديقة إلى مدرسة .
ماذا ..
داسوا ذكرانا ... ومحو تاريخنا .
ما إن سافرت حتى رحلت الحديقة .
ثم أضاف الشاب قاتلاً : لا تستغربي في هذه المدينة أي شيء قد يتغير الشارع بيوم وليلة أتمنى أن لا استيقظ يوماً لأجد بيتي قد زال وربما أزول أنا ومضى ...
أي جريمة ومن المجرم .
من ذا الذي سمح لهم بهدم أشجاري ومستنداتي وأوراقي الثبوتية من أباح لهم أخذ ذكراي .
وكيف أثبت حبي لك ... ضاع الدليل .
شد يدي خالد قائلاً لا عليك فلنكمل طريقنا .
وقررنا أن نقطع الشارع لنذهب إلى المسرح
وإذا بشيء يشد التباهي .
مبنى صغير تعلوه لافتة وتأخذ لافتته حجماً أكبر منه وكأنها تريد أن تلفت انتباه الناس إليها وفرض نفسها بين الأبنية المحيطة والتي ضجت بلافتات الأطباء التي تعتلي بعشوائية حتى أنك تجاهدي تعثر على اسم أحدهم بين زحمة اللافتات .
لافتة تريد أن تأخذ نفسها وتحمل دافعها كنب عليها ( جمعية المرأة ) أو هذا ما حملته من اسم .
مضحك هذا الاسم .
ومتى جمعت النساء هل هذا الاسم من ضمن التسميات التي تكون بلا طعمة أي جمعية للمرأة والنساء اعتادت أن لا تجتمع إلا وقت المآتم وكأنها من علائم الخراب إن المرأة هي أكبر عدو للمرأة غيرة وحقداً ولؤماً .
وإما إن كان على حقوقي فهذا ما يسمونه المعجزة .
ما عساه يقدم هذا للنساء .
هل يسنطيعون أن يرفعوا الظلم عن المرأة .
المرأة التي اعتادت أن تعيش على الظلم وتتحد الله عليه لأنه ربما .
إن النساء تغتال في اليوم آلاف المرات المرأة قد جعل حسبهما كطريق معبد للرجل يعبره بوحشية وعنف .
متى سيرفع الظلم عن النساء ومن سيرفعه وقد كرس مع مفهوم الحياة .
من سيعيد حريتها عندما توضع داخل قفص من العادات والتقاليد
ما دام للمرأة حواجز وحدود شاهقة لا أظن أنها ستخرج .
ليس غريباً أن وصفنا وضع المرأة في الوطن العربي بأنها كالدجاجة داخل قفص هي موجودة لتبيض وتربى **.
وتتعايش مع فكرة الجهل على أساس أنها شيء ثانوي .
متجاهلة قول الحكيم الذي قال .
حينما تعلم ذكراً فإنك تعلم فرداً .
وحينما تعلم أنثي فإنك تعلم أسرة ( أمة ) .
فلماذا التجاهل لهذه الأمة أم لم نعد نعني شيئاً
يا للتعاسة اسم تحمله النساء ( مرأة ) .
عليها أن تحمل وزر اسمها عمرها كله وعليها أن تعيش و تتعايش حسب آراء وأهواء العائلة المحيطة فأما أن تحظى ببعض الانفتاح وإما أن تكون عبدا لعائلة لا زالت تتمسك بالتقاليد المتحجرة ضد أنوثتها فتعيش ضمن قوقعة ( االلامرأة ) تحملها أنوثتها دائما .
تطاردها العيون والظنون وتجد طريقة لها وحكاما في كل مكان .
هل علي أن أسعدة بهذه اللافتة التي لم ولن تحمني منك حب هدفي .
حتى الرجال أظنهم يتجاهلونها رغم حجمها الذي بالغو فيه .
أو ربما سير الرجل طريقهم خلاف لهذا الشارع أملا في تجاهل هذه القصة قصة لم تستطع إلى الآن أن تحد من العنف تجاه النساء التي باتت ملاحقة بكل شرور الأرض بسبب أنوثتها .
ومع بلوغنا الشارع المقابل ودعنا اللافتة التي ربما قد تحمل النساء آمالها وأمانيها عليها .
وتابعنا سيرنا أنا وخالد كمن يأتي لمدينة مجهولة لا تحمل خطانا ولا رائحتنا ولا أي شيء منا حتى الشوارع تنكرت لنا لم تعد تباركناكما كانت سابقا وها هو المسرح يطل من بعيد .
الحمد لله الذي أبقى لنا شيئا نألفه هنا قالها خالد وهو يستهزئ ساخرا ثم أضاف .
سننتهي من هنا وتمحى صفحتنا بزوال هذا المسرح .
أنت محق فلم يتبقى شيء من ذكرانا سواه .
ودخلنا المدخل الرئيسي وها هي الروح ترتد إلى وأخيرا لكن هنا في هذا المدخل مؤكد لم أكن أبحث عن نفسي .
ودخلنا إلى الردهة ووجوه كثيرة تحدق بنا لم أكن أعرفها ثم التقيت أخيرا بالمشرقة وقد أصبحت كبيرة في السن لكنها تحمل شيئا من فتات الذاكرة لذا طبيعيا أن أشعر أنها تخصني وتمتلك شيئا مني .
وتقدمت إليها وأنا متهادية الخطوات فكأنني أخشى أن أكتشف أنها أيضا ليست هي التي أبحث عنها سلمت عليها وعبثاً تذكرتني وربما أصلاً لم تتذكرني وتصنعت تذكري كي تتفادى الإحراج فسألتها عن الأستاذ بدر الذي كنت متشوقة لرؤيته أو لرؤية جزء من صبح لم يهمش ولم يشوه بعيداً عن عبث الحياة .
رفعت رأسها هذا المرأة التي لم تكن تشكل سوى ذاكرة منسية وتأملتني وكانني القي عليها بسؤال غريب أو بلهجة ولغة غريبة ثم قالت ماذا عساك تريدين من رجل فارق الحياة منذ زمن .
ماذا ..
أحقاً .. مات الاستاذ بدر أم أن علي أن ألعب على الألفاظ قائلة ( رحل ) .
أجابتني قائلة لقد أصيب بجلطة من 18 عاماً ومات متأثراً بها رحمه الله تدرين أنه أصبح مرض العصر ..
حتى الأستاذبدر لم ينتظرني ولم ينتظر عودتي . هل رحل كما رحلت الحديقة بعد سفري هل أن وجودهم كان متعلقاً بوجودي .
مضى بدر إذا .
بدون بدر ماذا ظل لي شيء في هذا المسرح لا يوجد شيء يمثل المسرح أكثر منه ثم ذهب باتجاه القاعة الخاصة بالعرض لكنني تمنيت لو لم أذهب فمنظرها أيضاً أصابني بالذهول القاعة تغيرت بالكامل وبقيت الأرضية كخشبة عجوز هرمة ملت من وجودها لكنها أيضاً تجاهلتنا بصمتها ونسيت أنني منحتها ضجة وصخباً في يوم ..لما وكأن المكان قد نسينا وسلخنا من ذاكرته ولعل الخشبة أرادت التنكر لنا بعد ما رحلنا .. كان لونها أحمر والآن أصبح أسود الجدران الأضواء كل شيء اختلف .
ولادة جديدة لذاكرة جديدة .
وخرجنا من هنا والحلم بأن شيئاً يضمنا ..فقال خالد لم يبقى لنا سوى الكافية التي كنا نجتمع فيها .
أهم شيء يرمز لصداقتنا .....
ولكن لم تكن تعنيني أنا وخالد ومجد فقط فهي كانت أيضا جزءا من شمس وروند لكنني رفضت أن أزورها بشدة .
قلت لخالد لا أريد أن أكتشف أن حلمي قد سرق لا أريد أن أصعق مرة أخرى وأجد طاولتنا قد هدمت وأن المبنى برمته أزيل .
فلنبقى على أمل أنه يوحد شيء لجمعنا في هذه المدينة فأنا لا أحب استكشاف الخيبات أو ربما هذا الشيء الوحيد الذي تبقى لنا كي نتذكره هنا ولا أريد أن أفقده .
أجابني خالد : محقة فلا أظن أن تلك الطاولة تنتظرنا .
الطاولة :
تعيدني هذه الطاولة للبداية فهي من جمعنا أربعتنا ومؤكد أن زوالها هو من فرقنا .
علي أن أقنع نفسي بأن طاولة شكلت في زمن ما وطناً لنا لا تزال تنتظرنا ولم تخلفنا مجهولين دون وطن .
دون ذكرى دون أمل .
وقمنا باستئجار غرفتين في فندق ريثما يطلع صباح الغد كي نرحلل من هنا وعدت إلى الفندق وقد حل الظلام ولكنني لاا ذكر الساعة وليس مهما ما زال الوقت ليس بذي أهمية .
وبينما أخرج من حقيبتي الملابس الخاصة بالنوم وقعت غيناي على الظرف الذي سلمني اياه رموند وكنت متحمسة لاعرف تركته لي .
وفعلاً أخذت الظرف الصغير وفتحة وحالة من كلمتين ( أنا وأنت )
غريب قال بأنه سلخص لكن لم أظن أنه سيلخص لهذه الدرجة .
( أنا وأنت ) وما عساه يعني .؟؟؟

لطفي الياسيني
12-21-11, 08:08 AM
تحية الاسلام
جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
أزكى التحيات وأجملها..وأنداها
وأطيبها..أرسلهااليك
بكل ود وحب وإخلاص..
تعجز الحروف أن تكتب ما يحمل قلبي
من تقدير واحترام..
وأن تصف ما اختلج بملء فؤادي
من ثناء واعجاب..فما أجمل
أن يكون الإنسان شمعة
تُنير دروب الحائرين..
دمت بخير
رحم الله والدي ووالديك
كل عام وانت الى الله اقرب
الحاج لطفي الياسيني
شهيد المسجد الاقصى المبارك الحي
الذي ينتظر لقاء وجه ربه بشغف وشوق
عذرا لتكرار الردود فانا قعيد ومشلول