مشاهدة النسخة كاملة : غزة والعرب..أزمة مخرج أم أزمة منهج


د . سعد بن مقبل الحريري
12-28-08, 07:56 PM
غزة والعرب..أزمة مخرج أم أزمة منهج

من يرقب تعاطي أمتنا العربية اليوم مع قضية فلسطين يدرك الخلل الواضح في فهم طبيعة المعركة في بلاد الأقصى, هذا على مستوى التصور, أما على مستوى الحراك الفعلي فهناك شلل على كافة الأصعدة.
وهذا مرده للقصور في تمثل المنهج القسط في إدارة المعركة مع العدو الخارجي من اليهود ومن يقف وراءهم, والعدو الداخلي من المنافقين والسماعين لهم.
والمنهج الإسلامي القائم على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة, له مقاصده ووسائله في تناول الكفاح مع هاتين الطائفتين: أعني اليهود والمنافقين. لما بينهما من وشائج الصلة في حرب الإسلام والنيل من اتباعه.
ولعل هذا المقال المقتضب فيه إشارات لأصول هذا المنهج تحتاج لمزيد تحرير وتقرير.
إذ من البخس لقضية فلسطين, ومن الحيف لحق إخواننا في غزة أن يتمحور مشروع المواساة حول المطالبة بفك معبر, والمناشدة بوجود مخرج.
فمثل هذا التعاطي الخداج يختزل الصراع في إطار ضيق.
وإليك أخي الحبيب حديث القرآن الكريم عن مقاصد المواجهة ووسائلها مع اليهود والمنافقين, ولك أن تسقط هذا المنهج على واقع العرب وتعاطيهم مع أزمة غزة الأبية.
جاء في سياق حديث القرآن عن المنافقين؛ قوله تعالى:
(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) {الآية(47) من سورة التوبة}.

في هذه الآية: أربعة معاني تصور خطر أعداء المنهج الحق, ثلاثة في خصوم هذا المنهج, والرابعة في أتباع المنهج.
الأولى : (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا): والخبال: الفساد، وتفكّك الشيء الملتحم الملتئم، فأطلق هنا على اضطراب الجيش واختلال نظامه .
الثانية: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ): الايضاع سير الابل يقال: أوضعت الناقة تضع إذا أسرعت وأوضعتها أنا إذا حملتها على الإسراع، والخلال جمع خلل وهو الفرجة استعمل ظرفاً بمعنى بين ومفعول الإيضاع مقدر أي النمائم بقرينة السياق، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبهت النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها وأثبت لها الأيضاع على سبيل التخييل، والمعنى ولسعوا بينكم بالنميمة وإفساد ذات البين.
الثالثة: (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ): بغيته كذا: طلبته له، وأبغيته كذا: أعنته على طلبه. والمعنى: يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد؛ وقيل الفتنة هنا الشرك.
الرابعة: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ): أي مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير: { وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْۗ } أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص لخروجهم معهم بل هذا عام في جميع الأحوال والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.

وهذا الخبر لا يتخلف (ومن أصدق من الله قيلا), وهو أن فينا قوما سماعين للمنافقين يقبلون منهم, (وفيكم سماعون لهم) والقرينة المقالية من التعدية باللام تفيد أن هذا السماع متضمن معنى القبول والطاعة.
وإذا كان هذا يقع في زمن الصحابة, فإن من المقرر أصوليا بدلالة الأولى أن وقوعه فيمن بعدهم أولى وأحرى.

ولشدة اللبس الجاثم على أفكار هؤلاء السماعين,يقول ابن تيمية:" ولا ريب أن كثيرا من هؤلاء قد لا يعلم أنه منافق ، بل يكون معه أصل الإيمان ، لكن يلتبس عليه أمر المنافقين حتى يصير لهم من السماعين".
ويقول مقررا ذلك من سنة النبي-صلى الله عليه وسلم-:" ومن المعلوم أن كلام أهل الإفك في عائشة كان مبدؤه من المنافقين وتلطخ به طائفة من المؤمنين ، وهكذا كثير من البدع كالرفض والتجهم مبدؤها من المنافقين ، وتلوث ببعضها كثير من المؤمنين لكن كان فيهم من نقص الإيمان بقدر ما شاركوا فيه أهل النفاق والبهتان" .

وعن خطورة غض الطرف عن حبائل النفاق, وأثرذلك على سلامة المنهج, وإدارة المواجهة: يكفي أن نستننطق التاريخ, لنجد أن أهل النفاق أدخلوا في الإسلام ما أدخلوه.
ومن أوضح الأمثلة (ابن سبأ) الذي ابتدع دين الرافضة وكان زنديقا يهوديا أظهر الإسلام وأبطن الكفر ليحتال في إفساد دين المسلمين - كما احتال (بولص) في إفساد دين النصارى –ويعلق ابن تيمية على هذا الحدث التاريخي قائلا:"وقد سعى هذا المنافق في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان-رضي الله عنه-. ثم إنه لما تفرقت الأمة ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما- . وصادف ذلك قلوبا فيها جهل وظلم وإن لم تكن كافرة ؛ فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم . وكذبوا فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه وغيروا ملته . وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد فصاروا جامعين بين الشرك والكذب كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله : { واجتنبوا قول الزور } { حنفاء لله غير مشركين به } وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين ثم قرأ هذه الآية وقال تعالى : { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين } وقال تعالى : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } { ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون } }" .
وأعداء الدين نوعان : الكفار والمنافقون . وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } في آيتين من القرآن . فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تبين للناس : فسد أمر الكتاب وبدل الدين ؛ كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله . وإذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين : قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا ؛ وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء ؛ بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم ؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق ؛ لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين ؛ ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها . ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية ومن يغلط في الرأي والفتيا ومن يغلط في الزهد والعبادة ؛ وإن كان المخطئ المجتهد مغفورا له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده . فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب ؛ وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله . ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له ؛ فإن الله غفر له خطأه ؛ بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه : من ثناء ودعاء وغير ذلك ؛ وإن علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن أبي وذويه وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة : عبد الله بن سبأ وأمثاله : مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب ؛ فهذا يذكر بالنفاق . وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصدا بذلك وجه الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله . فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثما .
يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر.
{ و } أما هؤلاء المنافقون فـ { لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً } أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج.
{ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ } معكم في الخروج للغزو { فَثَبَّطَهُمْ } قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم { وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ } من النساء والمعذورين.
ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا } أي: نقصا.
{ وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ } أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم.
{ وَفِيكُمْ } أناس ضعفاء العقول { سَمَّاعُونَ لَهُمْ } أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم.
{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم.

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)

قوله تعالى : { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب } .
منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليهود ، ومفهوم المحالفة يدل على أن العكس بالعكس ، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب ، سبب من أسباب النصر ، وهو ضد الهزيمة .
وقد جاء ذلك المفهوم مصرحاً به في آيات من كتاب الله تعالى ، منها قوله تعالى : { لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } [ الفتح : 18 ] ، ومنها قوله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ وذلك جَزَآءُ الكافرين } [ التوبة : 25 - 26 ] ، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزلَ جنوداً من الملائكة فكان النَّصر لهم ، وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى : { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم .
ومنها قوله تعالى : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ التوبة : 40 ] .
وهذا الموقف ية من آيات الله ، اثنان أعزلان يتحديان قريشاً بكاملها ، بعددها وعددها ، فيخرجان تحت ظلال السيوف ، ويدخلان الغار في سدقة الليل ، ويأتي الطلب على فم الغار بقلوب حانقة ، وسيوف مصلته ، فوآذان مرهفة حتى يقول الصديق رضي الله عنه : والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت نعليه لأبصرنا ، فيقول صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة ، ومنتهى السكينة « ما بالك باثنين الله ثالثهما »
ومنها ، وفي أخطر المواقف في الإسلام ، في غزورة بدر ، حيثما التقى الحق بالباطل وجهاً لوجه ، جاءت قوى الشر في خيلائها وبطرها وأشرها ، وأمامها جند الله في تواضعهم وإيمانهم وضراعتهم إلى الله { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام } [ الأنفال : 9 - 11 ] .
كما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا لتطمئن به قلوبهم ، وما غشاهم النعاس إلا أمنةً منه ، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم ، فقاموا بقلتهم قوى الشر على كثرتهم ، وتم النصر من عند الله بمدد من الله ، كما ربط على قلوب أهل الكهف :
{ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } [ الكهف : 14 ] .
هذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب المدلول عليه بمفهوم المخالفة من قوله تعالى : { فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين } [ الحشر : 2 ] ، وقد جمع الله تعالى الأمرين المنطوق والمفهوم في قوله تعالى : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } [ الأنفال : 12 ] فنص على الطمأنينة بالثتبيت في قوله : { فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ } ، ونص على الرعب في قوله : { سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } فكانت الطمأنينة تثبيتاً للمؤمنين ، والرعب زلزلة للكافرين .
وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام . لما أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى بني قريظة ، قال : « إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام » ، ومما يدل على أسباب هذه الطمأنينة في هذه المواقف قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ الأنفال : 45 - 46 ] .
فذكر الله تعالى أربعة أسباب للطمأنينة .
الأولى : الثبات ، وقد دل عليها قوله تعالى : { إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] .
والثانية : ذكر الله كثيراً ، وقد دل عليها قوله تعالى : { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] .
والثالثة : طاعة الله ورسوله ، ويدل لها قوله تعالى : { فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القتال رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } [ محمد : 20 - 21 ] .
والرابعة : عدم التنازع والاعتصام والألفة ، ويدل عليها قوله تعالى : { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [ آل عمران : 103 ] .
ومن ذكر أٍسباب الهزيمة من رعب القلوب ، وأسباب النصر في السكينة والطمأنينة ، تعلم مدى تأثير الدعايات في الآونة الأخيرة . وما سمي بالحرب الباردة من كلام وإرجاف مما ينبغي الحذر منه أشد الحذر ، وقد حذر الله تعالى منه في قوله تعالى : { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً } [ الأحزاب : 18 ] : وقد حذر تعالى من السماع لهؤلاء في قوله تعالى : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفتنة وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين } [ التوبة : 47 ] .
ولما اشتد الأمر على المسلمين في غزوة الأحزاب ، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن اليهود نقضوا عهدهم ، أرسل إليهم صلى الله عليه وسلم من يستطلع خبرهم ، وأوصاهم إن هم رأوا غدراً ألا يصرحوا بذلك ، وأن يلحنوا له لحناً حفاظاً على طمأنينة المسلمين ، وإبعاداً للإرجاف في صفوفهم .
كما بين تعالى أثر الدعاية الحسنة في قوله تعالى :

{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } [ الأنفال : 60 ] وقد كان بالفعل لخروج جيش أسامة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وعند تربص الأعراب - كان له الأثر الكبير في إحباط نوايا المتربصين بالمسلمين ، وقالوا : ما أنفذوا هذا البعث إلا وعندهم الجيوش الكافية والقوة اللازمة .
وما أجراه الله في غزوة بدر من هذا القبيل أكبر دليل عملي ، إذ يقلل كل فريق في أعين الآخرين . كما قال تعالى : { إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ولكن الله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } [ الأنفال : 43 - 44 ]
وهذا كله مما ينبغي الاستفادة منه اليوم على العدو في قضية الإسلام والمسلمين .

أبو سلطان
12-28-08, 09:50 PM
جزاك الله خير أبامالك على هذا المقال

الذي يشخص حال اخواننا في غزة

ومايتعرضون له من ابادة جماعية

وتجويع وحصار ,نسأل الله العلي

أن يكون في عونهم .

لاعدمنا هذا القلم المعطاء .

الحريري
12-28-08, 10:11 PM
الله يجزاك الف خير على المقال
والله يقوم بعون اخواننا في غزه

عبدالله سلطان الحريري
12-28-08, 11:25 PM
http://farm4.static.flickr.com/3247/2459557454_a54a3924e6_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
http://farm3.static.flickr.com/2279/2459169696_9d07df06b8_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)

http://farm3.static.flickr.com/2291/2458335567_35ab8c33b1_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
الشيخ الفاضل / ابامالك -جزاك الله خير على هذا المقال الرائع . .. واقول .........

إن المهانة التي نراها من الأنظمة والمتمثلة في تهميش الدور الشعبي وعلى رأسه دور العلماء والدعاة لهي أكبر صفعة على جبين الأمة وأكبر خيانة من الأنظمة لشعوبها .
إن أزمة غزة ليست أزمة أهل غزة فحسب بل أزمة أمة وأزمة واقع مرير , والأمر لا يحتاج إلى تكرار الحماس الذي دائماً ما يشتعل باشتعال الأزمات ثم ما يلبث أن يخمد- والأزمة بلامواربه اوشك هي ازمة منهج ٍ واضحة المعالم ولكن نريد آلية حقيقية لعلاج المرض المتمثل بجلاء في ضعف الأمة وتكالب أعداء الداخل والخارج للنخر في عظامها , وأكرر بأن تبعة تكاسل العلماء أو ضعفهم قد يكون السبب في قدر أكبر من الخسائر في وقت لم يعد يحتمل أي خسائر جديدة بل يجب الإسراع بالإصلاح العام , وإن احتاج الأمر تجديد لدماء الأنظمة , وتجديد لعرض مفاهيم الإسلام الأساسية على المستوى الشعبي , خاصة ما يتعلق بتوحيد الحكم والولاية , فحاكمية الله تم التآمر على تبديلها بشرائع الشيطان , والولاء لم يعد لله ولرسوله والمؤمنين وإنما أصبح للشيطان وجنده المخلصين والبراء لم يعد من الكفر وأهله وإنما المواقف الرسمية تتبرأ من الإصلاح والمصلحين والجهاد والمجاهدين
http://farm3.static.flickr.com/2279/2459169696_9d07df06b8_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
http://farm3.static.flickr.com/2291/2458335567_35ab8c33b1_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)
http://farm4.static.flickr.com/3247/2459557454_a54a3924e6_o.gif (http://www.bibo4pc.com/)

الملهم....
12-29-08, 09:31 AM
لك الله ياغزة ..اللهم انصرهم ولاتنصر عليهم وكن لهم ولاتكن عليهم وامكر لهم ولاتمكر عليهم اللهم تقبل شهيدهم واشفي جريحهم وسدد رميهم وآرائهم وقوي ضعيفهم اللهم انهم جياع فأطعمهم وعراة فاكسهم وقلة فانصرهم..لك الله ياغزة.........
جزيت الخير ياأبامالك على هذا الطرح المتألق......................شكرا.

الوااايلي
12-29-08, 09:50 AM
جزاك الله عنا خير الجزاء وأعان الله إخواننا في غزه

الوافي
12-29-08, 12:01 PM
في بداية الانتفاضة وعلى مدار عشر سنوات نستغرب الصمت العربي في ضل المجازر الاسرائيلية
والان نبكي على حال العرب في شراكتهم مع اسرائيل في تجويع اهل غزة وقتلهم انا لله وانا اليه راجعون.
مع خالص شكري لابا مالك على هذا الموضوع.

النابغة
12-29-08, 03:27 PM
اللهم انصر اخواننا في فبسطين
اللهم اغفر لشهداءهم وارحم ضعيفهم واشفي جريهم واهدي ضالهم ووحدهم اجمعبن علي حرب اليهود الغاصبين ولا تفتنهم ياربنا في دينهم واغفر لي يالله معهم والحقني واياهم في عبادك الصالحين

ياخي لقد اسمعت اذ ناديت.....................ولكن


لك خالص الشكر

اسيرالشوق ابومحمدالحريري
12-29-08, 09:28 PM
الله يجزاك الخير

ابوعلي المرواني
01-14-09, 10:14 PM
جزيت خيرا أبا مالك وهذا المقال وهذا التوضيح لهذه الأزمة يستحق القراءة أكثر من مرة ولوفهم
المسلمون قضية غزة من هذا المنطلق وحاولوا المعالجة من خلال هذا المنظور وهذا الفكر النير
وهذه الإضاءات البراقة من الآيات الكريمة لما كانت الأوضاع هكذا ولاآلت إلى ماآلت إليه من
هذا الإنحدار الشديد والمخزي للأسف وهذا يدل دلالة واضحة على إبتعادنا نحن المسلمين
عن هذا الكتاب الكريم 0
وليتقبل مني أبو مالك هذه الخاطرة المتواضعة

هذا سعد فخر القبيلة والأقراب=فكرونظر في جنب دين ورجولة

سلطان الحق
01-14-09, 11:40 PM
http://img174.imageshack.us/img174/7370/moba2228nb7ntib5om2.gif

قالط العنزي
01-16-09, 11:29 PM
مقال تشكر عليه اخي سعد وأتفق معك تماماً فيما يخص دور الإعلام وأهميته في مثل هذه القضايا وغيرها ولكن يبقى السؤال أننا جميعنا يعلم ذلك ( وأنا هنا اقصد كعرب ) بل وأننا ندرسه في مناهجنا الجامعيه وخلافها وكذلك نملك عدد لابأس به من وسائل الإعلام على مختلف انواعها مسموعة ومقروءه ومرئيه ومع هذا لازلنا نراوح مكاننا فهل الأزمة هي أزمة إعلام ؟ أم هي أزمة متلقي ؟ بمعنى أن المتلقي لازال لايعي ولا يتفاعل مع مايطرحه الإعلام نحو هذه القضايا وغيرها بل أنه يتأفف من مجرد مشاهدتها او قراءتها او سماعها .
ايضاً كنت اود لو انك ذكرت تلك المواقف البطوليه لحكام دولتنا في مثل هذه القضايا بدل إختزالها بموقفين بعيدن وأنتقاد موقف يدعو لمؤتمر ما كنوع على الأقل من التوازن والموضوعيه لمثل هكذا طرح .
حقيقة المقال ملئ بأشياء ووقفات ربما لم امر عليها ولربما كان تعقيبي هنا كقراءه وانطباع سريعين وأتمنى ان يتسنى لي الوقت للعوده هنا وقراءة المقال قراءه متأنيه . تقبل تحياتي

عبير الحجاز
01-20-09, 01:40 AM
طرح رااااااااااااااااايع وكلمات كارصااااااااص القسام جزاااااك الله خيرالجزاء